الجمعة 3 يوليو 2026
  • الرئيسية
  • أطعموا المعلمين قبل أن يأكلوا الطلاب

أطعموا المعلمين قبل أن يأكلوا الطلاب

شدَّ انتباهي في مكتبة مركز الدراسات والبحوث كتاب يحمل عنوانًا لافتًا: "أطعموا المعلمين قبل أن يأكلوا الطلاب"، وهو ترجمة لكتاب للمربية الأمريكية نيلا أ. كونرز، ويتناول أهمية توفير بيئة مهنية وإنسانية داعمة للمعلمين، باعتبار أن جودة التعليم تبدأ من الاهتمام بمن يقوم عليه.

اطعموا المعلمين
اطعموا المعلمين

لكنني، وأنا أتأمل هذا العنوان، وجدت أنه يتجاوز حدود الإدارة المدرسية ليصبح رسالةً سياسية واجتماعية لكل سلطة تنسى أن بناء الإنسان يسبق بناء الجدران، وأن الاستثمار في المعلم هو الاستثمار الحقيقي في مستقبل الأوطان.

فأيُّ مجتمع يمكن أن ينهض ومعلمه يبيت مهمومًا بتأمين قوت يومه؟ وأيُّ نهضة تعليمية تُرجى من معلمٍ أنهكته الحاجة، واستنزفته الديون، وأصبح يبحث عن عمل إضافي ليؤمن الحد الأدنى من متطلبات الحياة؟

المفارقة المؤلمة أن بعض السلطات الريعية تنجح في ابتكار وسائل جديدة للجباية وتحصيل الإيرادات، لكنها تعجز عن ابتكار سياسة عادلة تضمن للمعلم راتبًا يكفل له حياةً كريمة. تُنفق الأموال على المهرجانات، والألعاب النارية، والمناسبات الاحتفالية، بينما يقف المعلم في آخر قائمة الأولويات، وكأنه ليس من يصنع الطبيب والمهندس والقاضي والوزير.

ولولا المدارس الأهلية والتجارية، التي أصبحت رسومها تثقل كاهل الأسر، لكان حال آلاف المعلمين أكثر مأساوية. فحين تبلغ رسوم بعض المدارس مئات الآلاف من الريالات، كما هو الحال في مدارس تفرض رسومًا مرتفعة للحضانة أو للقسم الإنجليزي، فإن جزءًا من هذه الرسوم يذهب لتغطية رواتب المعلمين، لأن التعليم الحكومي لم يعد يوفر لهم ما يحفظ كرامتهم. ومع ذلك، يبقى السؤال حاضرًا: هل ينبغي أن تتحمل الأسر وحدها تكلفة إنقاذ المعلم، بينما تتراجع مسؤولية الدولة عن أهم قطاع يصنع المستقبل؟

إن تجويع المعلم ليس ظلمًا لفرد، بل هو ظلم لأجيال كاملة. فالمعلم الذي يُرهقه الجوع والقلق لن يستطيع أن يغرس في طلابه حب المعرفة، ولن يكون قادرًا على الإبداع والابتكار، مهما امتلك من إخلاص أو كفاءة. فالرسالة التربوية تحتاج إلى عقل مطمئن وقلب مستقر، لا إلى إنسانٍ يصارع هموم المعيشة كل يوم.

لقد أدركت الأمم المتقدمة أن احترام المعلم يبدأ من احترام حقوقه المادية والمعنوية، ولذلك جعلت مهنة التعليم من أكثر المهن استقرارًا وجاذبية. أما المجتمعات التي تُهمل معلميها، فإنها تدفع الثمن لاحقًا في صورة تراجعٍ في التعليم، وضعفٍ في الوعي، واتساعٍ في الفجوة بين الشعارات والواقع.

إن عنوان الكتاب ليس دعابةً ساخرة، بل تحذيرٌ بليغ: إذا جاع المعلم، جاع التعليم كله. وإذا انهارت كرامة المعلم، فلن يبقى ما يحمي كرامة المدرسة ولا مستقبل الوطن.

فأطعموا المعلمين... لا خوفًا من أن "يأكلوا الطلاب"، بل لأنهم إذا عاشوا بكرامة، ربّوا أجيالًا تصنع الأوطان، وتبني الحضارات، وتحفظ كرامة الإنسان.