الجنوب وتجريف الذاكرة (5)
كان هناك الكثير من أعضاء حزب الوحدة الشعبية اليمنية وأعضاء الجبهة الوطنية الديمقراطية في شمال اليمن، قد رفعوا تقاريرهم إلى قيادة الحزب وقيادة الجبهة الوطنية الديمقراطية المتخذين من عدن منطلقًا لنضالاتهما، وتضمنت تلك التقارير خشيتهم من تعرض قيادات الحزب الاشتراكي اليمني والقيادات المتحالفة معها في الشمال لتصفية وإبادة عقب تحقيق الوحدة الاندماجية مع نظام صنعاء، وكانت قيادات عسكرية تابعة للجبهة الوطنية الديمقراطية تقترح على قيادة الحزب الاشتراكي اليمني أن تضم كل عناصر الجبهة الوطنية الديمقراطية الشمالية في جيش اليمن الديمقراطية، وفي حال توقيع اتفاقية الوحدة مع صنعاء تكون القوات التابعة للجبهة الوطنية الديمقراطية قوة موازية لجيش اليمن الديمقراطية، وتبقى في مناطق الشمال، ويكون دورها حماية القيادات السياسية للجبهة الوطنية الديمقراطية وقيادات الحزب الاشتراكي اليمني القادمة من الجنوب.
وكانت قيادة الجبهة الوطنية في الشمال وقيادة حزب الوحدة الشعبية تدركان المخاطر التي تهدد الاشتراكي اليمني وحلفاءه في الشمال منذ وقت مبكر، ووصل الأمر بالبعض أن اقترح تشكيل فرق ردع لعصابات الخصوم في مدن الشمال، والانتقام من قادة الجهة المقابلة في حال استهدفوا القيادات العسكرية والأمنية والمدينة. وقوبلت تلك الاقتراحات بالرفض التام من قيادة الدولة والحزب في الجنوب، لإيمانها المطلق بالسلام، وخشية أن تنزلق البلاد في أتون حرب أهلية، وفضلت تلك القيادة الانحياز للسلم الاجتماعي والأهلي شمالًا وجنوبًا، وصدقت تلك التوقعات حين تعرضت قيادات اشتراكية شمالية وجنوبية للتصفيات في قلب العاصمة صنعاء، في ظل فقدان التوازن العسكري الذي كانت تنشده قيادات جبهوية، ووصل الأمر أن تعرضت معسكرات جنوبية لهجوم أودى بالعشرات من الضباط والجنود المنتسبين للواء مدرع جنوبي في عمران وخولان ومعسكر باصهيب في ذمار، وكانت حرب 1994م نتاجات طبيعية لتلك الأحداث.
وسبق أن قامت القوى السياسية الوطنية اليمنية وشخصيات اجتماعية وقبلية بالدعوة لحوار وطني جاد وتوقيع جميع الأحزاب في اليمن على وثيقة العهد والاتفاق في العاصمة الأردنية عمان، قبل اندلاع الحرب بفترة قصيرة. وكانت تلك الوثيقة في أساسها مقترحًا قدمه المكتب السياسي للحزب الاشتراكي اليمني، وقام المهندس حيدر العطاس بدعوة قوى أخرى للمشاركة والتوقيع على تلك الوثيقة، في محاولة جادة من القيادة الجنوبية لتجنيب البلاد ما لا تحمد عقباه من خلال ذلك الحوار، في الوقت الذي كان علي عبدالله صالح وحليفه عبدالله بن حسين الأحمر ممتعضين أثناء توقيعهما على تلك الوثيقة، وقد بدا ذلك واضحًا عندما اشترط ابن الأحمر على توقيعه عودة البيض إلى صنعاء.
وكانت شخصيات اجتماعية شمالية أصدرت بيانات اتهمت علي عبدالله صالح بنقض ما تم الاتفاق عليه في عمان، وأبرز تلك الشخصيات الشيخ سنان أبو لحوم ومجاهد أبو شوارب. وقد أورد ذلك البيان الشيخ سنان أبو لحوم في مذكراته، ذاكرًا في تلك المذكرات أن الطرف الجنوبي بقيادة البيض غدره الطرف الشمالي بقيادة صالح.
والمتتبع للأحداث في اليمن خلال تلك الفترة، سيجد أن علي عبدالله صالح لم يكن لينتصر على شريكه الجنوبي لولا دخوله مع الإسلاميين ورجال القبائل بتحالفات استراتيجية انتهت بالتدريج عقب تلك الحرب. وقبيل وعقب انتخابات 1997م، ظهرت مماحكات سياسية بين حليفي حرب الجنوب، لتؤكد انقسامًا حادًا بين الإسلاميين وصالح، الأمر الذي أدى إلى خسارة الإصلاح كثيرًا من دوائر الجمهورية اليمنية في تلك الانتخابات. وقد أعلن الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، رئيس الهيئة العليا للتجمع اليمني للإصلاح، في تصريح لهيئة الإذاعة البريطانية، أن حزبه حصل على 41 دائرة انتخابية، وأن تلك الدوائر تم انتزاعها من بين مخالب الأسد، وهو بذلك يشير إلى علي عبدالله صالح والمؤتمر الشعبي العام.
وعقب انتخابات 1997م تعرض الوزراء المحسوبون على الإصلاح للمضايقات، وكانت هناك خطوات أراد بها صالح قصقصة جناح حليفة الاستراتيجي في حرب اجتياح الجنوب، ومن تلك القصقصات توزيع أفراد وكتائب معسكرات الإصلاح المشاركة في اجتياح الجنوب، على مواقع عسكرية متباعدة في شمال البلاد وشرقها وغربها، وجعلهم شذر مذر كما يقال. أما قادة تلك المعسكرات الإصلاحية فقد أعطيت لهم مهام مدنية، وتعين العميد الدكتور عبدالولي الشميري مؤلف كتاب "1000 ساعة حرب" محافظًا لمحافظة مأرب، ثم تعين سفيرًا في القاهرة. وفي تلك الفترة ألغيت المعاهد العلمية ومعاهد المعلمين التابعة للتجمع اليمني للإصلاح في زمن وزير التربية والتعليم الدكتور فضل علي أبو غانم. وحين شعرت قيادة الإصلاح بالخطورة المحدقة بحزبها دخلت بتحالفات استراتيجية جديدة، وانضوت في ما يسمى اللقاء المشترك، وظهرت في ما بعد بوادر تأسيس الحراك الجنوبي بقيادة الشنفرى والخبجي وقيادات جنوبية أخرى، وتسارعت الأحداث، فجاءت ثورات الربيع العربي، وكانت اليمن تعرضت لهبوب رياح التغيير في المنطقة من تونس الخضراء، لتصل إلى صنعاء، وتنطلق من جامعة صنعاء بقيادة طلاب الاشتراكي اليمني في جامعة صنعاء، عند إصدار أول بيان مؤيد لثورة البوعزيزي التونسية، يتقدمهم قيادة القطاعات الطلابية للاشتراكي في مختلف كليات جامعة صنعاء، والتحقت بها قطاعات طلاب التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري في البدايات الأولى، وفي ما بعد التحقت قطاعات طلابية أخرى بذلك الحراك.
وكانت ثورة فبراير عام 2011م أشعلت شرارتها الأولى قطاعات طلاب اللقاء المشترك في جامعة صنعاء، بشكل متدرج أفضى إلى توحيد الجهود. وخرجت ثورة عارمة نصبت خيامها في كل المحافظات، والتحقت بها قطاعات الشعب اليمني المختلفة. وأفضت تلك الثورة إلى رحيل صالح، وتسليم السلطة لنائبه عبد ربه منصور، وما تلى ذلك من أحداث أهمها حوارات موفنبيك وما تطرقت إليه تلك الحوارات والحلول المقترحة بشأن القضية الجنوبية وقضية صعدة وصولًا إلى دخول أنصار الله (الحوثيين) العاصمة صنعاء، واعتقال هادي، وإسقاط حكومتي باسندوة وبحاح، والتوسع في المحافظات الجنوبية والشمالية، ودخول البلاد في حرب طويلة الأمد زادت الطين بلة، وعمقت جرح الانفصال في النفوس، وما كان لذلك من تبعات مزقت النسيج الاجتماعي اليمني في الجهات المختلفة، سنتطرق إليها في حلقة قادمة إن شاء الله، وإلى أين وصلت الأمور في محافظات الجنوب، وما تعرضت له الذاكرة الجنوبية من تجريف منظم يهدف لطمس هوية ذلك الجزء من اليمن الحبيب، في ظل غياب متعمد وخذلان وصمت مطبق من النخب السياسية جنوبًا وشمالًا، ومشاركة دول الإقليم في ذلك التجريف القذر.
