الخميس 2 يوليو 2026

الإمام الذي أباح أموال الشوافع

خرجت الدولة القاسمية من سنواتها الأولى منتصرة وخضعت المدن الكبيرة لسلطانها. عادت الطرق التجارية للحركة ونعمت الجبال التي اعتادت الحصار بشيء من الهدوء. الناس كانوا يترقبون زمناً يخفف من أعباء الحرب لكن المتوكل إسماعيل بن القاسم الذي ارتبط اسمه بفرض الهيمنة العسكرية والمالية على المناطق الشافعية من تهامة إلى المناطق الوسطى، رأى أن حكمه يتطلب قبضة أقوى. أراد فقهاً يسبق سيف الجندي، يمنح أفعاله المشروعية ليتحول كل تحرك عسكري إلى واجب وكل غنيمة إلى حق وكل معترض إلى خارج عن الجماعة.

كان يدرك أن المدن تُؤخذ بالقوة لكن إخضاع الناس يتطلب ما هو أعمق. صدرت الفتوى أولاً ثم تبعتها الخيل. كلمات قليلة خطت بالحبر وسرعان ما بدأت آثارها تتجلى في القرى والأسواق.

ألف كتاب "إرشاد السامع في جواز أخذ أموال الشوافع". كانت هذه الفتوى إيذاناً بمرحلة تغيرت فيها علاقة الدولة بقطاع واسع من رعاياها. وُصفت تحركاته بأنها كانت تستند إلى فتاوى تشرعن وضع اليد على الأموال لتمويل الجيوش أو كعقوبة للمناطق التي ساندت خصومه.

لجأ الفقهاء حوله لحيلة "الفيء". مصطلح استبدلوه بـ "النهب" في كتاباتهم الرسمية لاضفاء صبغة شرعية على الممارسات العسكرية. أموال الناس صارت حلالاً لبيت المال الذي يديره الإمام بذريعة بغيهم، وتحول المال الذي جمعه أصحابه على مر السنين إلى غنيمة مستباحة. فقدت الدار حرمتها وأصبحت الحقول تنتظر حصاداً من غير أصحابها.

الحرب تبحث دوماً عن مبررات تسبقها من خلال عبارة تضفي عليها شرعية أو حكم يخفف من وطأة ما سيتبعها. تحرك الجنود بأسلحتهم والفتوى رفيقتهم أينما حلوا. اقتحمت البيوت بالقوة وأفرغت المخازن وسُيقت الماشية. ظهرت في الأسواق بضائع يعرف أصحابها الأصليون أنها خرجت من بيوتهم بالأمس. لم يعد الخوف من الجند وحدهم ولكن من الوثيقة التي تمهد لقدومهم.

طال الأمر يهود اليمن الذين وجدوا أنفسهم أمام المصير ذاته بعد قرون من الاستقرار في مدنهم وقراهم يمارسون صناعاتهم وتجاراتهم. أصبح ما يملكونه مباحاً، نُهبت الحلي وحُمل متاعهم على الدواب وبقيت العائلات تحاول لملمة ما تبقى من حياتها بين الجدران الخاوية.

سارت الجباية على النهج ذاته. الفلاح الذي كان ينتظر موسماً وفيراً وجد نفسه في مواجهة جابي لا يشبع. زكاة تتبعها مطالب لا تنتهي كلما فرغت خزائن الدولة. السنابل تنحني تحت ثقل الحبوب وصاحبها ينحني تحت ثقل الجباية. يزرع الأرض وهو يعلم أن جهده سيذهب لغيره.

حين ضاقت بالناس السبل، حملت يافع السلاح وتبعتها حضرموت. امتلأت الجبال بالمقاتلين وعلا الغبار الوديان. لم تهدأ الحملات الا بعد أن عادت تلك المناطق إلى الطاعة بالقوة، تاركة وراءها قرى منهكة وحقولاً لم تُحصد وأسراً تبحث عن ذكرياتها في بيوت تغيرت معالمها.

كبرت الدولة على الخرائط وضاقت في حياة أهلها. الخوف يتقدم الجابي والجابي يتقدم الجندي، وكل حملة تترك أثراً جديداً. لم يكن الصمت شاملاً. في مجالس العلم برزت أصوات رأت أن الدين يُساق إلى مسار لا يليق به.

كتب الحسن بن أحمد الجلال رسالته "براءة الذمة في نصيحة الأئمة"، وواجه الإمام باعتراض صريح على استباحة الأموال وسفك الدماء، معتبراً قتال المناطق الشافعية دفاعاً عن النفس والمال ضد حملات مغلفة بفتوى. ظلت رسالته شاهداً على أن اليمن لم يكن يوماً بلسان واحد، وأن بين العلماء من اختار الصدق ولو كلفه الكثير.

اتسعت آثار تلك الفتوى لتتجاوز حدود اللحظة التي صدرت فيها. الكلمة التي خرجت من مجلس الحكم وجدت طريقها إلى القرى والأسواق والحقول حتى أصبح سطر واحد قادراً على تغيير مصير آلاف الناس.

امتد حكم المتوكل إسماعيل لسنوات طويلة، واتسعت الدولة في عهده أكثر من أي وقت مضى. لكن هذا الاتساع حمل معه وجهاً آخر. امتلأت خزائن السلطة بينما ازداد فقر القرى، وتزايدت الطرق بوجوه أنهكتها مشقة السفر والجباية والحروب.

رحل الإمام وبقيت بصماته في بيوت سُلبت وأراضٍ تبدّل أصحابها وأسواقٌ لا تزال تروي حكايات من دخلوها تجاراً وخرجوا منها حفاة. بعض الحكام يبنون الحصون وآخرون يتركون ندوباً في التاريخ لا تمحى. ترك المتوكل إسماعيل خلفه زمناً كان فيه الحبر يمهد الطريق للغنيمة قبل أن يصل إليها السيف.