الحـ ـ ـوثيون وهندسة المجال القبلي: قراءة في إعادة تشكيل السلطة الوسيطة
تنطلق هذه المقالة من فرضية مفادها أن سياسة الحوثـ ـ ـيين تجاه القبيلة لا يمكن فهمها باعتبارها سياسة أمنية أو عسكرية فحسب، وإنما باعتبارها جزءا من مشروعها في إعادة هندسة المجال القبلي ككل، عبر تفكيك مراكز الوساطة والتمثيل المجتمعي أو ما يمكن قراءته ضمن مفهوم خلدون النقيب للتضامنيات السياسية المستقلة، واحتكار الوظائف الاجتماعية والسياسية التي أدتها القبيلة تاريخيًا، بما يجعل جماعة الحوثي المرجعية المركزية لإنتاج الوساطة والشرعية والتمثيل داخل المجتمع. ومن هذا المنظور لا تُقرأ قضية فدغم بوصفها موضوع هنا وإنما باعتبارها لحظة كاشفة لهذه الذهنية الحوثية في التعاطي مع القضية ولطبيعة العلاقة التي سعت الجماعة إلى بنائها مع القبيلة.
في السياق اليمني لا يمكن النظر الى القبيلة باعتبارها مجرد رابطة اجتماعية أو بنية تقليدية فحسب، وإنما باعتبارها مؤسسة تاريخية مارست وظائف تتجاوز الانتماء الاجتماعي إلى إنتاج الوساطة والحماية وعملت على التمثيل السياسي والتعبئة العسكرية خلال مراحل مختلفة. وبهذا المعنى ف القبيلة يمنيا ليست مجرد مكون مجتمعي، بل هي أحد أهم مراكز السلطة الوسيطة التي أنتجت لذاتها قدرًا من الاستقلال عن الدولة، وامتلكت القدرة على تنظيم المجتمع والتأثير في المجال السياسي. ومن هنا يمكن فهم سبب احتلالها موقعًا مركزيًا في قراءة المشهد السياسي اليمني إضافة لدورها في استراتيجية الحوثيين من البدايات.
اختبر الحوثيون القبيلة اليمنية في مراحل مختلفة من صعودهم السياسي والعسكري منذ البداياات، واكتسبوا خبرة تراكمية في كيفية التعامل معها وإدارة أدوارها. ففي مراحل معينة عملوا على تجيير القبيلة لصالح مشروعهم، وفي مراحل أخرى سعوا إلى تحييدها أو تفكيك قدرتها على الفعل الجماعي. ينطلق السلوك الحوثي إدراكاً لموقع القبيلة بوصفها أحد أهم الأعصاب الاجتماعية القادرة على إحداث التغيير داخل المجتمع اليمني. فمنذ الحروب الأولى، ولا سيما معارك حوث وخمر، استفاد الحوثيون من تحالفهم مع الرئيس الأسبق علي عبدالله صالح لتحييد عدد من مشائخ حاشد، وتوجيه الصراع نحو قوى قبلية بعينها دون غيرها، بما ساعد على تفكيك الاصطفافات التقليدية وإضعاف إمكانية تشكل موقف قبلي موحد في مواجهتها. ولم تتوقف هذه السياسة عند تلك المرحلة، بل استمرت في محطات لاحقة ومنها أحداث حجور وغيرها، حيث أصبح التعامل مع القبيلة جزءًا من استراتيجية تقوم على تقسيم الجغرافيا القبلية، وعزل مراكز النفوذ عن بعضها، ومنع تشكل كتلة اجتماعية قادرة على فرض توازن سياسي أو عسكري مستقل.
وفي الوقت ذاته، عمل الحوثيون على إعادة توظيف المنظومة القيمية للقبيلة، وتجسير مفاهيمها ورمزيتها لخدمة مشروعهم السياسي، مع التركيز بحذر، بالتوازي مع ذلك عملت على مضاعفة قدراتها وإمكاناتها وفق مبدأ يقوم على ضرورة استمرارية التفوق الذي يضمن امتلاك الجماعة لعامل الغلبة التنظيمية والعسكرية في إطار علاقتهم بالمكون القبلي . فالجماعة لا تنظر إلى السيطرة على الجغرافيا أو ولاءات المشائخ باعتبارها ضمانة كافية، بل تدرك بحكم الخبرة التاريخية أن القبيلة لا يمكن الركون إلى ولائها بصورة مطلقة، بل بكونها قوى فاعلة قابلة لإعادة إنتاج نفسها بوصفها قوة اجتماعية وسياسية متى ما توافرت لها الظروف.
ولا يقتصر هدف الجماعة على إخضاع القبيلة، بل يمتد إلى ضمان احتكار الوساطة الاجتماعية والتمثيل، والعمل على تفكيك مراكز السلطة الوسيطة سواء كانت قبلية أو اجتماعية أو سياسي بحيث تصبح الجماعة المرجعية الوحيدة القادرة على إنتاج الشرعية والوساطة والتمثيل داخل المجتمع.
وتزداد هذه الحساسية في ظل إدراك الحوثيين أن القبيلة، خصوصًا في شمال اليمن، كانت من أبرز الخاسرين من التحولات السياسية والعسكرية التي نقلت مراكز القوة إلى الجماعة الحوثية، بعد تراجع القوى السياسية التي كانت تعتمد على القبيلة بوصفها مصدرًا رئيسيًا لوزنها السياسي (حزب المؤتمر والإصلاح نموذجان). كما تدرك الجماعة أن هذا المكون يمتلك تاريخًا من العلاقات المباشرة مع أطراف إقليمية، بما يجعل احتمالات إعادة تنشيط دوره قائمة من وجهة نظرها. ولهذا فإن سياستها تجاه القبيلة لا تقوم على الثقة بالولاء، وإنما على الحذر، والإخضاع، والعزل، ومنع تشكل أي استقلال في قرارها.
وفي هذا السياق، تبرز قضية ميرا وما ارتبط بها من حضور الشيخ فدغم أكثر من كونها قضية تتعلق بالنسب أو بالمنزل محل نزاع. فالإشكال بالنسبة للحوثيين لم يكن في مضمون القضية، وإنما في المسار الذي سلكته، حين لجأت ميرا إلى القبيلة طلبًا للنصرة والإنصاف، مستندة إلى الأعراف القبلية والمرجعية التقليدية لهذا المكون.
تعاملت القبيلة مع القضية بعفوية، وفق منطقها التاريخي في النصرة والتحكيم، بينما تعامل الحوثيون معها بمنطق استراتيجي تجاوز حدود الواقعة نفسها. فقد نظرت الجماعة إلى لجوء ميرا للقبيلة باعتباره استدعاءً لمرجعية اجتماعية عملت طوال سنوات على إضعافها وتجريدها من وظائفها التقليدية، ورأت في استجابة القبيلة احتمالًا لإعادة تذكير المجتمع بوجود فاعل اجتماعي قادر على فرض مطالبه خارج مؤسساتها.
لا يستهدف التدخل الحوثي السلوك بوصفه واقعة منفصلة، وإنما يستهدف الدلالات الاجتماعية والسياسية التي قد ينتجها هذا السلوك إذا تُرك دون احتواء وبهذا يصبح ضبط المعنى جزءًا من ضبط المجال الاجتماعي نفسه. لذلك لم يكن رد فعل الجماعة موجهًا لمعالجة قضية ميرا، بقدر ما كان موجهًا لمنع إنتاج المعنى الذي يمكن أن تخلقه، وهو استعادة القبيلة لثقتها بدورها أو استعادة المجتمع ثقته بالفبيلة بوصفها وسيطًا ومرجعية مستقلة.
ومن هذا المنطلق أيضًا يمكن فهم طريقة التعامل مع الشيخ فدغم. فقد احتاجت الجماعة إلى صناعة أمثولة تعيد من خلالها تثبيت نموذجها في إدارة العلاقة مع القبيلة. وكان فدغم، الذي حاول التعامل مع القضية وفق التصور التقليدي لدور الشيخ والقبيلة، نموذجًا مناسبًا لإنتاج هذه الرسالة. ويمكن قراءة التعامل معه باعتباره ممارسة رمزية راسخة في سلوك الجماعة تستهدف إعادة إنتاج ميزان القوة في المجال القبلي، بحيث يتحول الحدث الفردي إلى رسالة جماعية موجهة إلى الوسط المشيخي والقبلي بأكمله.
ولهذا تبدو الإهانة، في هذا السياق، فعلًا رمزيًا يتجاوز الشخص إلى المكون الاجتماعي الذي يمثله. فالرسالة لم تكن موجهة إلى فدغم وحده، وإنما إلى الوسط المشيخي الذي يمثله، ومضمونها أن المكانة القبلية لم تعد تمنح صاحبها سلطة أو قدرة على الوساطة أو فرض الأعراف خارج إرادة سلطة الجماعة، وأن الأدوار التي كانت تمثل مصدر نفوذ للمشائخ مسبقا قد انتهت، ولم يعد مسموحًا باستدعائها وإعادة انتاجها أو التعويل عليها.
وبهذا المعنى، فإن صمت الوسط القبلي بعد الواقعة لا يمكن قراءته فقط بوصفه نتيجة لطبيعة القضية، بل بوصفه أحد الأهداف التي سعت الجماعة إلى تحقيقها من خلال إدارتها للحدث. فالغاية كانت تثبيت أثر الرسالة في وعي المشائخ والقبائل، وإعادة ترسيخ ميزان القوة الذي يجعل أي محاولة لاستعادة الدور القبلي التقليدي محفوفة بكلفة مرتفعة.
إن ما تكشفه قضية ميرا ليس موقف الحوثيين من قضية اجتماعية بعينها، وإنما ذهنيتهم في التعامل مع القبيلة بشكل أخص فهي في نظرهم ليست مجرد مكون موالٍ أو معارض، بل مركز قوة اجتماعي محتمل ينبغي منع تحوله إلى فاعل مستقل. ولهذا فإن الهدف لا يقتصر على السيطرة على القبيلة، وإنما يمتد إلى منعها من استعادة وظائفها التاريخية بوصفها وسيطًا أو مرجعية سياسية تمتلك إمكانية الضغط، ولا ينبغي إعادة تعريف موقعها داخل النظام السياسي الذي أنشأته الجماعة بحيث يسمح لها أي القبيلة بالبقاء كمكون اجتماعي، لكن ليس كفاعل مستقل قادر على إنتاج سلطة أو وساطة أو تمثيل خارج إرادة سلطة الجماعة الحوثية.
ولا يمكن، في هذا السياق، قراءة طريقة إدارة الحوثيين للقضية بوصفها مجرد سوء إدارة، أو باعتبارها نتيجة انفعالات فردية لقيادات داخل الجماعة. فالنمط الذي حكم مسار التعامل مع القضية يبدو أكثر اتساقًا مع منطق إدارة الجماعة لعلاقتها بالقبيلة، وهو منطق يتجاوز ردود الفعل الآنية إلى إدارة محسوبة لتوازنات القوة والرمزية داخل المجال القبلي.
ومع تطور الأحداث، أظهرت الجماعة قدرًا من الحذر في إدارة الملف، سواء من خلال إعادة ضبط مساره، أو عبر الاستعداد لتقديم تنازلات أو تحميل بعض الأفراد مسؤولية التجاوزات إذا اقتضت الحاجة احتواء الأزمة ومنع اتساعها. ويعكس ذلك أن إدارة الجماعة للأزمة لا تنفصل عن حسابات الكلفة السياسية والاجتماعية، ولا عن حرصها على منع تحول القضية إلى نقطة تجمع قبلي واسعة.
وفي الوقت نفسه، بدا أن الحوثيين يسعون إلى إدارة المواجهة عبر توظيف مكونات قبلية موازية في مواجهة المطارح القبلية المناوئة، بما يحافظ على منطق تفتيت المجال القبلي، ويحول دون تشكل موقف قبلي جامع قادر على فرض نفسه بوصفه طرفًا مستقلًا في المعادلة.
وعليه فإن الصراع لا يدور فقط حول نفوذ القبيلة وانما حول إعادة تعريف وظيفتها وحدود حضورها داخل المجال السياسي والاجتماعي، ف السؤال الذي تطرحه القضية لا يتعلق بمصير ميرا أو الشيخ فدغم بقدر ما يتعلق بمستقبل العلاقة بين الحوثيين والقبيلة. فهل تنجح الجماعة بما راكمته من خبرة تنظيمية وعسكرية وسياسية، في الاستمرار بإدارة هذا الملف وفق النموذج الذي بنته خلال السنوات الماضية؟ أم أن القبيلة، بوصفها مكونًا يمتلك خبرة اجتماعية وسياسية متراكمة وذكاء اجتماعي وازن، ستتمكن من إعادة إنتاج نفسها، والحفاظ على قيمتها الاجتماعية، وإعادة صياغة تموضعها داخل المجالين السياسي والاجتماعي، بما يفرض على مختلف الأطراف وفي مقدمتها جماعة الحوثيين، التعامل معها مجددًا بوصفها فاعلًا يمنيًا لا يمكن تجاوزه؟
