من ربطة ترامب إلى شماغ الخليج… ومن رفض إيران إلى ربطة اليمن الواحدة: السياسة حين تلبس نفسها
في السياسة الحديثة، لم تعد السلطة تُقرأ فقط في الخطب والقرارات، بل في التفاصيل الصغيرة التي تبدو “تافهة” للوهلة الأولى: لون ربطة العنق، شكل الزي، أو حتى غيابها بالكامل. لكن هذه التفاصيل، حين تتكرر وتُراقَب، تتحول إلى لغة كاملة تقول ما لا تقوله البيانات الرسمية.
في عالم مثل عالم Donald Trump، لا تُترك ربطة العنق للصدفة. الأحمر الفاقع ليس ذوقاً بريئاً، بل إعلان صريح عن نبرة سياسية عالية: مواجهة، تحدٍّ، واستعراض قوة. الأزرق ليس مجرد لون هادئ، بل محاولة لإعادة ضبط الإيقاع نحو الدبلوماسية والبراغماتية. في هذا العالم، حتى قطعة قماش صغيرة تُعامل كأنها تصريح صحفي مصغر.
لكن حين ننتقل إلى نموذج آخر، نجد أن السياسة لا تُعدّل “الربطة” بل تُلغيها بالكامل. في إيران، لا تُستخدم ربطة العنق في الخطاب الرسمي غالباً، ليس لأنها غير مهمة شكلياً، بل لأنها تُعتبر رمزاً ثقافياً مرتبطاً بهوية غربية لا تتوافق مع الرؤية السياسية هناك. غيابها هنا ليس فراغاً، بل موقف: رفض رمزي لمنظومة كاملة من الشكل والمعنى.
بين الإفراط في استخدام الرموز، وإلغائها تماماً، يظهر نموذج ثالث أكثر ثباتاً وهدوءاً: دول الخليج. في Saudi Arabia وUnited Arab Emirates وQatar، لا توجد ربطة عنق أصلاً في المعادلة الرسمية، بل ثوب وغترة أو دشداشة وعباءة، تتحول من لباس يومي إلى “هوية سياسية بصرية” ثابتة. هنا لا تُبدَّل الرسالة كل يوم، بل تُثبَّت الرسالة نفسها عبر الاستمرارية: الحداثة يمكن أن تتحرك بسرعة، لكن الهوية تبقى واضحة وغير قابلة للتشويش.
وفي زاوية أخرى من المشهد، يظهر اليمن كحالة أكثر تعقيداً ومرارة. ليس لأن هناك تنوعاً رمزياً، بل لأن الرمزية نفسها فقدت قدرتها على التحديث. ربطة واحدة، أو شكل واحد، أو خطاب واحد يتكرر منذ عقود، كأن الزمن السياسي توقف عن إنتاج الجديد، واكتفى بإعادة بث القديم بصيغة مختلفة في كل مرة.
هكذا تتوزع السياسة بين أربع مدارس رمزية:
مدرسة تُبدّل ربطة العنق مع كل مرحلة.
مدرسة تلغي الربطة لأنها لا تعترف بها أصلاً.
مدرسة تستبدلها بزي ثابت يصبح هو الهوية نفسها.
ومدرسة تظل عالقة في ربطة واحدة، كأن الزمن نسي أن يمر من هناك.
وفي المحصلة، لا تبدو القضية في القماش ولا في الشكل، بل في الفكرة الأعمق: كيف ترى السلطة نفسها، وكيف تريد أن تُرى.
فمن يغيّر ربطة العنق، يعلن أنه يغيّر رسالته.
ومن يرفضها، يعلن أنه يغيّر مرجعيته.
ومن يستبدلها بزي ثابت، يعلن أن هويته مستقرة.
أما من يبقى على ربطة واحدة… فقد لا يعلن شيئاً، بل يترك الزمن نفسه يكرر خطابه نيابة عنه.
وفي النهاية، قد لا تكون السياسة سوى هذا السؤال البسيط المموّه:
هل نحن نُلبس السلطة ما يناسب اللحظة… أم نُلبس اللحظة ما يناسب عجزنا عن تغيير السلطة؟
