بين الأصالة والقطيعة.. من يحرس ذاكرة الفن الحضرمي؟
يبدو أن بعض المتحمسين لمصطلح "ليومان" من الفنانين والمثقفين الشباب قد وجدوا في مهاجمة جيل الرواد وسيلة سهلة لإثبات حضورهم، فاندفعوا إلى شيطنة آبائهم الفنيين والتقليل من شأن تجاربهم دون أن يقدموا، في المقابل، مشروعاً فكرياً أو فنياً واضح المعالم يمكن أن يقنع الجمهور بجدوى هذه القطيعة المعلنة مع الماضي.
ومن المؤسف أن هذا الخطاب لا يكتفي بالدعوة إلى التجديد، وهي دعوة مشروعة في كل زمان، بل يتجاوزها إلى محاولة تصوير إبداعات المخضرمين وكأنها بقايا زمن انتهى، أو "حديد خردة" غير قابل للانصهار في أفران الحداثة. غير أن المفارقة الكبرى تكمن في أن كثيراً من الأعمال التي يتجول بها هؤلاء الفنانون في المهرجانات والمحافل الخارجية ليست سوى امتداد مباشر للتراث الحضرمي الذي صاغه الرواد، وللألحان والإيقاعات والمدارس الفنية التي أسسها أولئك الذين يسعون اليوم إلى إقصائهم من المشهد.
إن الفن لا ينمو بالقطيعة، بل بالتراكم. وكل تجربة فنية عظيمة في العالم قامت على احترام الذاكرة الثقافية والبناء عليها، لا على إعلان الحرب ضدها. فالأجيال الجديدة لا تصبح أكثر حداثة عندما تنكر فضل من سبقها، كما أن المخضرمين لا يتحولون إلى عبء لمجرد أنهم يحملون رؤى مختلفة أو يتمسكون بأصالة التجربة التي أفنوا أعمارهم في خدمتها.
ومن هنا يبرز سؤال مشروع: كيف يمكن لمهرجان موسيقي يقام في المكلا، ويحمل اسم حضرموت وهويتها، أن يتجاهل حضور نخبة من أبرز عازفيها ومبدعيها الذين شكلوا جزءاً من ذاكرتها الفنية لعقود طويلة؟ كيف يمكن أن تغيب أسماء مثل علي باحسين ومحمد المضي وسعيد بارفعة ومحمد باعامر وعوض باطرفي وأحمد مرجان وغيرهم من أصحاب التجارب الثرية، بينما يجري الاحتفاء بمظاهر الحداثة الشكلية وكأنها جوهر الثقافة ومصدر شرعيتها الوحيد؟
لقد أدركت المؤسسات الثقافية الكبرى في العالم أن الإبداع لا يُقاس بعمر صاحبه، وأن الخبرة الفنية ليست عبئاً ينبغي التخلص منه. ولذلك ظل كبار العازفين والملحنين والموسيقيين حاضرين في المشهد حتى سنواتهم الأخيرة، يشاركون بخبراتهم ويمنحون الأجيال الجديدة فرصة التعلم من تجاربهم. ولعل تجربة العازف المصري الراحل أحمد الحفناوي مثال واضح على ذلك، إذ ظل حاضراً في الفعاليات الفنية الكبرى حتى آخر سنوات حياته، لأن القيمة الحقيقية للفنان لا تتناقص مع العمر، بل تتعمق وتزداد رسوخاً.
أما ما يجري في بعض مؤسساتنا الثقافية، فيدفع إلى التساؤل عما إذا كانت المشكلة تكمن في قلة الخبرة، أم في ضيق الأفق الثقافي، أم في النزوع إلى صناعة واجهات احتفالية براقة تخفي وراءها فراغاً معرفياً مؤلماً. فالثقافة ليست ديكوراً للمناسبات، وليست صوراً تذكارية تلتقط أمام الكاميرات، بل هي وعي متراكم وذاكرة جمعية ومسؤولية أخلاقية تجاه التراث والإنسان.
إن حضرموت لا تحتاج إلى صراع بين الآباء والأبناء، ولا إلى معارك وهمية بين القديم والجديد. ما تحتاجه هو جسر متين يصل بين خبرة الرواد وحماس الشباب، وبين أصالة الماضي وطموح المستقبل. فالشجرة التي تتنكر لجذورها لا تنمو طويلاً، والفن الذي ينسى صُنّاعه الأوائل يفقد شيئاً من روحه مهما بدا متألقاً تحت أضواء المسرح.
ولهذا فإن الدفاع عن حضور المخضرمين ليس دفاعاً عن أشخاص بعينهم، بل دفاع عن الذاكرة الثقافية نفسها، وعن حق الأجيال القادمة في أن تعرف من صنعوا هذا الإرث الذي يتغنون به اليوم. فالأمم التي تكرم مبدعيها تصنع مستقبلاً أكثر رسوخاً، أما الأمم التي تتعامل مع رموزها بوصفهم فائضاً عن الحاجة، فإنها كثيراً ما تجد نفسها تبدأ من الصفر في كل جيل.
