من القبيلة إلى المواطنة: الطريق الصعب نحو الدولة في اليمن
لا تزال اليمن، رغم ما شهدته من تحولات سياسية واجتماعية خلال العقود الماضية، تعاني من بقاء أنماط تقليدية من الانتماءات الضيقة التي تتقدم أحيانًا على مفهوم المواطنة. فالعنصرية والقبلية والمشيخية والمناطقية ليست مجرد ظواهر اجتماعية متوارثة، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى عوامل مؤثرة في تشكيل العلاقات الاجتماعية والفرص الاقتصادية وحتى المواقف السياسية.
ويكفي أن يتجول المرء في المجالس العامة أو يتابع بعض النقاشات اليومية ليسمع عبارات من قبيل: «هذا من المنطقة الفلانية»، أو «هذا من المدينة الفلانية»، أو «هذا من القرية الفلانية». والمفارقة أن هذه التصنيفات لا تتوقف عند حدود المحافظات أو المديريات، بل تمتد أحيانًا إلى داخل المدينة الواحدة، بل وحتى داخل المديرية والقرية نفسها، بما يعكس حضورًا قويًا للهُويات الفرعية على حساب الهُوية الوطنية الجامعة.
وتكمن خطورة هذه الظاهرة في أنها تعيد إنتاج الانقسامات الاجتماعية بصورة مستمرة، وتدفع الأفراد إلى تقييم بعضهم البعض وفق معايير الانتماء والمكانة الموروثة، بدلًا من معايير الكفاءة والإنجاز والقدرة على العطاء. وعندما يصبح الأصل أو المنطقة أو القبيلة عاملًا مؤثرًا في النظرة إلى الإنسان، فإن المجتمع يفقد جزءًا من قدرته على تحقيق العدالة وتكافؤ الفرص.
لقد أثبتت تجارب الأمم أن بناء الدولة الحديثة لا يقوم على العصبيات الضيقة، بل على مبدأ المساواة بين المواطنين أمام القانون، بغض النظر عن أصولهم ومناطقهم وانتماءاتهم الاجتماعية. فالدولة القوية لا تُقاس بحجم القبائل أو نفوذ المشايخ أو كثرة الولاءات المحلية، وإنما بقدرتها على تحويل الجميع إلى شركاء متساوين في الحقوق والواجبات.
ولا يعني ذلك إلغاء الخصوصيات الثقافية والاجتماعية التي تزخر بها اليمن، فالتنوع يمثل مصدر ثراء حضاري وإنساني متى ما جرى التعامل معه باعتباره عنصرًا من عناصر الوحدة الوطنية لا سببًا للتمييز والانقسام. فالتعدد الطبيعي بين المناطق والأسر يمكن أن يكون عامل قوة إذا جرى توظيفه في إطار مشروع وطني جامع.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه اليمن اليوم لا يتمثل فقط في معالجة الأزمات السياسية والاقتصادية، بل أيضًا في تجاوز البنى الذهنية التي ما زالت تحكم نظرة البعض إلى الآخر. فالمستقبل لا تصنعه الانتماءات الضيقة، وإنما تصنعه قيم المواطنة والعدالة والكفاءة واحترام الإنسان بوصفه إنسانًا قبل أي وصف آخر.
وحين يصبح السؤال عن علم الإنسان وعمله وأخلاقه وإسهامه في خدمة مجتمعه أهم من السؤال عن قبيلته أو منطقته أو قريته، عندها فقط يمكن القول إن اليمن قد خطا خطوة حقيقية نحو بناء دولة تتسع لجميع أبنائها دون تمييز أو إقصاء.
فالانتقال من منطق العصبية إلى منطق المواطنة ليس مجرد تحول سياسي، بل هو تحول ثقافي واجتماعي عميق يمثل أحد أهم شروط بناء الدولة الحديثة واستقرارها. وكلما تقدمت قيم المساواة وسيادة القانون على الانتماءات الضيقة، اقترب اليمن أكثر من تحقيق الدولة التي يتساوى فيها الجميع أمام الحقوق والواجبات، وتُقاس فيها قيمة الإنسان بما يقدمه لوطنه ومجتمعه لا بما ورثه من انتماءات أو ألقاب.
