الثلاثاء 9 يونيو 2026

تراكم الفشل

لم يعد ما تعيشه اليمن مجرد أزمة عابرة، بل نتيجة طبيعية لتراكم طويل من الفساد وسوء الإدارة، ولإعادة تدوير الوجوه ذاتها التي كانت سببًا في كثير من الإخفاقات. وكأن البلاد عالقة على رقعة شطرنج لا يُسمح فيها إلا بتحريك القطع نفسها، مهما أثبتت فشلها.

لقد أنهك الفساد مؤسسات الدولة وأضعفها في مراحل تشكلها الأولى، ثم تمدد خلال سنوات الحرب بصورة أكثر وقاحة وفجاجة. فمنذ استعادة الحكومة الشرعية السيطرة على عدن والمناطق المحررة عام 2015، ظل الفساد شريكًا ملازمًا للحكومات المتعاقبة، التي أخفقت جميعها في إيجاد حلول مستدامة لأزمة الكهرباء في العاصمة المؤقتة وغيرها من المحافظات.

تحولت ملفات شراء الوقود والطاقة المشتراة إلى ما يشبه "الثقب الأسود" الذي تبتلع فيه الأموال العامة دون نتائج ملموسة، فيما يدفع المواطن الثمن مضاعفًا بين انقطاع الخدمات وحرارة الصيف القاسية.

ورغم اتساع دائرة الفساد وتعدد المتورطين فيه، لم يُقدَّم مسؤول بارز إلى القضاء لمحاسبته. وفي كثير من الأحيان، لا تتجاوز العقوبة حدود الإعفاء من المنصب، ليُعاد تعيين الشخص ذاته في موقع آخر، وكأن الفشل والفساد مؤهلات للترقي لا للمساءلة.

ولم تسلم الجبهات والمقاتلون من هذا العبث؛ إذ لم تقتصر السرقة على تضحياتهم ودمائهم، بل امتدت إلى استحقاقاتهم الوظيفية والمالية، في مشهد يعكس حجم الاختلال الذي أصاب مؤسسات الدولة.

في نظر كثير من المتنفذين، تحولت الحرب إلى مساحة للاستثمار وتحقيق المكاسب الخاصة، مستفيدين من هشاشة الذاكرة الجمعية التي تثور في لحظة غضب، ثم تعود لتصفق للأشخاص أنفسهم وللمنظومة ذاتها التي أنتجت الأزمات.

ويبقى الدرس الأوضح أن الفساد لا يتغير بتبديل المناصب أو تبدل الخطابات، فالفاسد يظل فاسدًا مهما حاول تجميل صورته أو إعادة تقديم نفسه بثوب جديد. وما لم تُبنَ دولة المؤسسات والمساءلة، سيظل الفشل يتراكم، وتبقى اليمن هي الضحية الأكبر.