الإثنين 8 يونيو 2026

هل نصحو؟

يتساءل الكثير منا: ما سبب تفاقم الأزمات في بلدنا؟
سؤال يجيب عنه البعض من زاوية انحيازاته السياسية، فيرى كل طرف أن الحل يكمن في مشروعه وحده، بل إن بعض القوى تسهم في تعميق الأزمة أملاً في إقناع الجماهير بصواب رؤيتها السياسية.

غير أن الحقيقة تبدو أكثر تعقيداً؛ فالبلد دخل في دوامة كارثية أصبحت فيها التدخلات الخارجية وغياب القرار الوطني المستقل من أبرز أسباب استمرار الأزمة وتفاقمها. فالوصاية الخارجية تؤدي إلى إضعاف المؤسسات الوطنية، وتعميق الانقسامات، وتحويل الدولة إلى ساحة صراع لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، الأمر الذي يدفع بالاقتصاد نحو الانهيار ويضاعف معاناة المواطنين.

لقد وجدت القوى الخارجية في التناقضات الداخلية والمشاريع المتصارعة بيئة مناسبة لتعزيز نفوذها، فغذّت الانقسامات ودعمت أطرافاً على حساب أخرى، حتى أصبح الوطن رهينة لصراعات لا تخدم مصالح أبنائه. وكلما اشتدت خلافات الخارج انعكس ذلك مزيداً من التوتر والصراع في الداخل، حيث يدير كل طرف أدواته المحلية بما يضمن استمرار نفوذه لا إنهاء الأزمة.

واليوم تبدو الدولة في أضعف حالاتها؛ فالسلطة لم تعد تملك السيطرة الكاملة على مواردها وإيراداتها، ولا القدرة على توحيد المؤسستين العسكرية والأمنية. وتعددت مراكز النفوذ، وتنامت الجماعات التي تعمل خارج إطار الدولة، فتعطلت المؤسسات وتراجعت الخدمات، بينما يدفع المواطن الثمن من أمنه ومعيشته ومستقبله.

إن أخطر ما في الأمر أن كثيرين ما زالوا يراهنون على الخارج باعتباره المنقذ، بينما تؤكد التجارب أن الدول لا تتحرك إلا وفق مصالحها. أما بناء الأوطان فلا يصنعه إلا أبناؤها عبر مشروع وطني جامع، ومؤسسات قوية، وإرادة مستقلة تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.

فهل يدرك الشعب أن خلاصه يبدأ من استعادة قراره الوطني، وإنهاء حالة الارتهان، والتمسك بالدولة ومؤسساتها؟ وهل نصحو قبل أن يصبح ما تبقى من الوطن مجرد ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين؟