الأحد 7 يونيو 2026
  • الرئيسية
  • نقد رواية زواج النبي عليه الصلاة والسلام من عائشة وهي طفلة

نقد رواية زواج النبي عليه الصلاة والسلام من عائشة وهي طفلة

يرى الكثير من الباحثين والمنصفين أن بعض الروايات التي تتحدث عن زواج النبي محم عليه الصلاة والسلام بالسيدة عائشة رضي الله عنها في سن الثامنة أو التاسعة، هي رواياتٌ كيديةٌ قصد منها التشويهُ برسول الله صلوات الله عليه وحاشاه مما يصفه به المبطلون.

فكيف يُتصور أن النبي الذي تزوج من السيدة خديجة رضي الله عنها وهي أرملة تكبره سنًا، وأنجبت له عددًا من البنات، ثم تزوج بعدهن بنساءٍ ناضجاتٍ (لا طفلاتٍ)، يُنسب إليه أنه كان يمر على نسائه في الليلة الواحدة؟ وهذا يتنافى مع زهده وتفرغه لتبليغ الرسالة والصلاة، فكيف كان ليجد وقتًا لكل تلك الأمور لو صحَّ العدد المذكور؟

لقد تعمَّدَ هؤلاء تصويره كـ"زير نساء" ليشوهوا صورته أمام أتباع الديانات الأخرى، متناسين موقفه المشرف عندما عرضت عليه قريش عبر عمه أبي طالب أن يتوقف عن الدعوة مقابل المال أو الزواج من أجمل نساء العرب، فردّ قائلًا: «لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر، ما تركته حتى يُظهره الله أو أهلك دونه».

والأخطر من ذلك أن بعض العلماء الغُفَّل استندوا إلى تلك الروايات لإباحة زواج القاصرات بحجة الاقتداء بالنبي الكريم صلواته وسلامه عليه وعلى آله الطيبين وصحابته المنتجبين، مع أن السنة النبوية الصحيحة وسيرته العطرة تدل على أنه (ص) كان قدوتُهُ الزواج من نساءٍ بالغاتٍ ناضجاتٍ.

أدلة على أن السيدة عائشة كانت امرأةً ناضجةً عند الزواج:

الدليل الأول: عام الحزن

عام الحزن هو العام الذي توفيت فيه السيدة خديجة رضي الله عنها، وقبل زواج النبي (صلعم) بعائشة بخمس سنوات. في ذلك العام عرضت خولة بنت حكيم على النبي (صلعم) الزواج من سودة بنت زمعة (ثيبًا) أو عائشة بنت أبي بكر (بكرًا). فلو كان عمر عائشة عند الزواج 9 سنوات، لكان عمرها في عام الحزن 4 سنوات فقط. فهل يُعقل أن يُقدم على النبي (صلعم) طفلة عمرها 7 او 9 ا. حتى 15 سنة لتحل مكان أم المؤمنين خديجة عليها السلام؟

الدليل الثاني: سن السيدة أسماء بنت أبي بكر

السيدة أسماء هي الأخت الكبرى للسيدة عائشة، وكانت تكبرها بحوالي 7 سنوات. توفيت أسماء سنة 73 هجرية وعمرها مئة عام. أي أنها كانت في العام الأول للهجرة تبلغ من العمر 27 سنة. وبما أنها تكبر عائشة بسبع سنوات، فإن عمر عائشة في بداية الهجرة كان 20 سنة. وقد تم الزواج في السنة الثانية للهجرة، أي كان عمر السيدة عائشة 21 عامًا (ووفق رواياتٍ أخرى 25 عامًا).

الدليل الثالث: خطبة عائشة قبل الإسلام

قبل البعثة، كانت السيدة عائشة مخطوبة لجبير بن مطعم بن عدي. وعندما أسلم أبو بكر الصديق وابتعثه النبي عليه الصلاة والسلام فُسخت الخطوبة. وبما أن الدعوة استمرت في مكة 13 سنة، ثم تم الزواج في السنة الثانية للهجرة، فإذا كان عمرها وقت الخطبة 10 سنوات، يصبح عمرها وقت الزواج: 10 + 13 + 2 = 25 سنة.

الدليل الرابع: إدراكها للهجرة الأولى وأحكام البلوغ

قالت عائشة رضي الله عنها: «ما أعقل أبويَّ إلا وهما مسلمان». وقد كانت مدركةً لهجرة الحبشة الأولى التي وقعت في العام الخامس من الدعوة. كما ذكر ابن كثير في "البداية والنهاية" أن عائشة رضي الله عنها كانت من الصغار الذين أسلموا في بداية الدعوة. وهذا يثبت أنها كانت في سن التمييز والوعي، لا في مرحلة الطفولة المبكرة.

فما يُروى عن زواج النبي (صلعم) من السيدة عائشة وهي طفلة هو أمر يتنافى مع دين الفطرة، وتندرج هذه الأخبار ضمن الروايات الضعيفة أو الموضوعة التي تتناقض مع الثوابت العقلية والدينية. وقد تصدى لهذه الافتراءات علماء أجلاء كالإمام أحمد بن حنبل والإمام أبي حنيفة، ومن المحدثين المعاصرين محمد عبده ومحمد أبو زهرة وعباس محمود العقاد، الذي أثبت في كتابه بطلان هذه الروايات سندًا ومتنًا، وأكد أن السيدة عائشة كانت امرأةً كاملة الأهلية وقت زواجها.

إن استمرار الترويج لهذه الفِريَة تسبب في مآسٍ إنسانية، كزواج القاصرات اللاتي يفارقن الحياة جراء الدخول بهن قبل أوان النضج، وهذا انتهاكٌ لكرامة الطفولة وحرمة الأنوثة، وحاشا للرسول الكريم أن يكون قدوةً في مثل هذا العمل المشين.