وأسدل الستار
بعد حياة حافلة بالإبداع والحضور المتميز بقلب المدينة والوطن، ظل المغفور له المسرحي الكاتب الكبير سعيد علي عولقي حالة تألق، ظل وهجًا، حضورًا، إبداعًا، فضاءً محلّقًا خارج المألوف، استثناءً يستنشق عبق الإبداع، وبساطةً تتجلى صورًا، ولقطات، وإشارات، ثم تعليقات بعيدة العمق والمعنى والبعد. الاستثناء كان هو البعد، وكان هو القاعدة. الاستثناء كان همس اللحظة الضاحكة، وتكشيرة الآخر الباحث عن جنة قديس يصلي من خلال الكلمة والموقف، عن نشاز يضرب واقع حياة الناس، يدخل بابهم من خلال "التركة"، ضاحكًا ناقدًا، يبحر في أعماق مجتمع تناقضاته سيوف حادة تفتقد الصدق، وتتلوّن وفق أجواء المصالح. وكانت "التركة" نقدًا لإرث ثعب، وبحثًا عن معالمه التي لم تتضح بعد.
علم المسرح دنيا، والمسرح دنيا سعيد عولقي. تزامل معه أيام الزمن الجميل المسرحي الراحل العزيز فيصل عبدالله سعيد. راحلنا العزيز كان كعمر الجاوي، ناقدًا يلسع بسوط الكلمات الحادة الناعمة. ومثله كان يبحث عن مدينة أفلاطون الفاضلة، وكان كشارلي شابلن يضحك وينتقد، باسمًا راميًا الكون خلف ظهره. وكان كالحلاج يبحث عن عدل غاب، وكدريد لحام يبحث عن "كاسك يا وطن". ومثل ألفريد فرج ولقمان الحكيم، حيّرته تناقضات واقع يمارس على الأرض خلاف ما يقول ويكتب.
تمامًا كما هي لحظتنا الراهنة، قاتلة تمضي بصمت، لتموت معها الكلمات والمعاني، وليبقى على الأرض الجفاء والشقاء والقيظ القاتل، وتناقضات ما أنزلت لها آيات تفسرها. إنها كتلة أحزان تغطي سماء مدينة ووطن عشقهما راحلنا سعيد عولقي حتى الثمالة. فكتّاب المسرح استثناء، والمبدعون لا يتكررون، خاصة حين يحل بالكون واقع مصاب بالقحط وجفاف الإبداع. فحدّث، يا أيها المزمل، عن أي شيء إلا عن الإبداع في واقع وفترة مصابة بالعقم والجراحات التي غرستها غوائل الدهر في مكامن ما تبقى من جسد عليل، نطاسيه هم الداء وليسوا الدواء، لذا رحلت عنا يا سعيد.
العزاء لك يوم وُلدت، ويوم رحلت حيًا، فأنت ما تزال حيًا في قلب المدينة، والأهل، والناس، والوطن، وكل من يعشق كلمة صدق تُقال. وقد كنت من فرسان الكلمة والصدق والحق، ولست من فرسان مالطا ممن لوثوا بحر الثقافة بالدماء.
وداعًا، وداعًا.
