عبد ربه منصور الإنسان
نهاية عام 2001م، كنت في رفقة الأستاذ المناضل محمد بن يحيى الزبيري إلى مقر صحيفة (الثوري) في مقرها الكائن في الصافية الجنوبية إلى الشمال من وزارة المالية والمعهد الجمركي في العاصمة صنعاء. وعند وصولنا إلى الساحة الواقعة أمام مقر الحزب الاشتراكي اليمني، خطونا أمتارًا قليلة، وكانت هناك سيارة متوقفة في المدخل المؤدي إلى مقر الحزب الواقع على مقربة من الصحيفة المذكورة. ومررنا بجانب السيارة، وبداخلها اثنان من الجنود يرتدون الزي الرسمي لحماية الشخصيات التابع لوزارة الداخلية، والسائق في الجانب الآخر ينادي للأستاذ محمد بن يحيى الزبيري ويقول له:
تتذكر أيام ما كنت في الكويت، وتتذكر فلان الذي كنت معه في الكويت، وكان أحد الطلاب اليمنيين المرتادين مقر الاتحاد اليمني ومقر بيت الطلبة اليمنيين في الكويت قبل قيام الثورة؟
واستمر حديث الذكريات، وأثناء الحديث، وبعد أن استمر لأكثر من عشر دقائق، عرفت أن الرجل الذي يسوق السيارة الواقفة في مدخل مقر الحزب الاشتراكي اليمني هو الأستاذ المناضل الكبير علي صالح عباد (مقبل)، وكان لحظتها يتأهب لمغادرة مقر الحزب، وكان في تلك الفترة الأمين العام للحزب، الذي تذكرت صورته المطابقة للصور المنشورة في صحف الحزب والصحف المعارضة في تلك الفترة.
وأثناء ذلك الحديث بين الأستاذ (الزبيري) والأستاذ (مقبل)، قال (الزبيري):
إنه في وضع صحي متدهور، ويحتاج إلى علاج لإنعاش روحه.
ورد عليه الأستاذ علي صالح عباد (مقبل) قائلًا:
أنت في صحة جيدة، ورفاقك يريدون تزويجك.
وذكر له امرأة لا أتذكرها، وهي من جيل ابن الزبير، كانت تعيش في الكويت، وكان ابن (الزبير) يرغب بالزواج بها، فحن الأستاذ (الزبيري) حنين الجمل، وقال مخاطبًا المتحدث معه:
قتلتْه الوحدة.
ومن حرب صيف عام 1994م، وابن الزبير معطل عن العمل.
وسأله أحد الجنود المرافقين للأمين العام قائلًا:
ومن تسبب في قتل من ذكرت؟
فرد ابن الزبير:
قتلوه (أخدام الجنوب) و(دواشن الشمال).
وهي عبارة كان ابن (الزبير) يرددها حين يمزح مع معارفه، فضحك الأمين العام ومن معه من الجنود، وضحكنا معهم. والأستاذ (الزبيري) يعني بذلك أن أخطاء القيادة الجنوبية وتسرعها في إعلان الوحدة مع الشمال، وإعلان الشمال حرب 1994م واجتياح الجنوب، كانتا سببًا في تعرضه لأزمة نفسية وصحية ولدت لديه كثيرًا من المشاكل الصحية.
وفي خضم الحديث بين الطرفين، شاهد الأستاذ علي صالح عباد (مقبل) ملفًا يتأبطه ابن الزبير، فقال له:
ما بداخل هذا الملف يا أستاذ محمد؟
فقال له:
ملف التقارير الطبية، وكل ما يتعلق بمرضي ومرض الزوجة في مستشفيات العاصمة، وكلها لم تجد نفعًا، وأعتقد أن علاجي النفسي وعلاج الزوجة لن يكون إلا في (مصر)، التي عشت فيها سنوات طويلة، وكانت بالنسبة لي أطيب أراضي الدنيا وأحبها إلى قلبي.
فقال له الأستاذ علي صالح عباد (مقبل):
غدًا أحضر معك الملفات والتقارير الطبية الخاصة بك وبزوجتك، ويوم غد أحضرها معك إلى مقر الحزب واتركها في السكرتارية، وأنا بدوري سأصطحبها معي يوم الجمعة المقبل إلى بيت النائب للنظر في أمر علاجك في الخارج على نفقة الدولة.
وعدنا معًا عبر الشارع الخلفي المؤدي إلى (الصافية) الشمالية باتجاه منزل الأستاذ (الزبيري). وفي الطريق سألته عن النائب الذي تحدثتما عنه، فقال لي ابن (الزبير):
نائب رئيس الجمهورية (عبد ربه منصور هادي).
فقلت:
وما علاقة الأمين العام بالنائب؟ وهل يستطيع (مقبل) إقناع النائب بالتوجيه بعلاجك أنت وزوجتك في الخارج على نفقة الدولة، كون الحزب الاشتراكي اليمني من المغضوب عليهم لدى السلطة والرئاسة خلال هذه الفترة؟
فقال ابن الزبير:
كل أسبوع يقوم (عبد ربه منصور هادي) باستضافة كل المسؤولين والقادة العسكريين والمدنيين من أبناء محافظة (أبين) في بيته في العاصمة، ويناقش فيها همومهم وقضاياهم، وفي هذا اللقاء يوجه لهم توجيهات ويحقق لهم مطالب كثيرة، أولها العلاج على نفقة الدولة في الخارج.
ودفعني الفضول لتوجيه سؤال قلت فيه:
قد يكون الأمر مقتصرًا على أبناء (أبين) والمحافظات الجنوبية، أما الشمال فلا أعتقد!
فقال لي ابن (الزبير):
نائب الرئيس لا يرد أي طلب لأي شخص من (أبين)، ولو كان شخصًا عاديًا، وهذه شعرة معاوية التي جعلته محبوبًا لدى أبناء محافظته. وبالنسبة لعلي صالح عباد (مقبل)، فالنائب يقدره كثيرًا، كون الرجل من مناضلي الجبهة القومية ومن رجالات الدولة في الجنوب منذ الاستقلال حتى اليوم، وأنا على يقين بأنه سيوجه بعلاجي في الخارج على نفقة الدولة.
وبعد أسبوع تقريبًا، جاءت المذكرات والحوالات المالية من مكتب نائب الرئيس، وفيها توجيهات معالجة الأستاذ محمد بن يحيى الزبيري وزوجته في جمهورية مصر العربية على نفقة الدولة. وذهبت بمعية الأستاذ (الزبيري) لاستلام ذلك من سكرتارية الحزب الاشتراكي في الصافية، وعدنا. وبعد يومين علمت أن المرض داهم الأستاذ محمد بن يحيى الزبيري، وبعد أسبوع انتقل إلى رحمة الله تعالى قبل أن يتوجه إلى (القاهرة) للعلاج، بناءً على توجيه النائب بعلاجه في الخارج على نفقة الدولة.
وأنا أعتبر ما قام به (عبد ربه منصور هادي) لفتة كريمة وموقفًا إنسانيًا ظل ابن (الزبير) ينتظره لعقود من الزمن من الدولة التي كان في يوم من الأيام مديرًا عامًا في مكتب رئاستها في عهد الرئيس (السلال)، رحمة الله عليه.
وقد تذكرت هذا الموقف الإنساني للنائب عبد ربه منصور هادي، حينها الرئيس للجمهورية اليمنية لفترة ما بعد ثورة 2011م، وفترة ما بعد خروج (هادي) من مقر إقامته الجبرية في صنعاء أثناء محاصرة (الحوثيين) لمنزله في (صنعاء)، وخروجه إلى (عدن) ليبدأ رحلة عذاب طويلة انطلقت من قصر (معاشيق) عبر محافظات عدة تعرض في طرقها للموت مرات عديدة، ليستقر به المقام في (سلطنة عمان)، متنقلًا إلى عاصمة السعودية (الرياض)، وإعلان (معركة الحزم)، وبقائه في الرئاسة حتى جاءت الأقدار برئيس جديد هو رشاد محمد العليمي، الذي لم يكن أحسن حالًا ممن سبقه، حيث ظلت أوضاع البلاد كما هي، وربما أسوأ مما كانت عليه، ولم تنته الحرب التي أهلكت الحرث والنسل بسبب التدخلات السياسية الخارجية في القرار السيادي للبلاد الممتحنة بالحروب والكوارث والنكبات لسنوات طويلة، وما زلنا بانتظار حلول لهذه المشكلة، وليس ذلك على الله ببعيد.
