الزكاة: بين مفهومي الجباية والتنمية المستدامة
تمثل الزكاة أحد أركان الإسلام، وأمر الله تعالى المسلمين بأدائها كعبادة وواجب ديني، وشرعًا، هي نسبة محددة من المال تُفرض على كل مالك يُحقق شروطًا معينة، وتُوجه إلى المستحقين من الفقراء والمحتاجين، بهدف تحقيق العدالة الاجتماعية وتقليل التفاوت في الثروات. والزكاة في فقهها الاقتصادي تحارب "الاكتناز" وتشجع أصحاب الأموال على استثمار رؤوس أموالهم في مشاريع إنتاجية حتى لا تأكلها الزكاة عاما بعد آخر إذا كانت مكتنزة.
وفي واقع المجتمعات العربية والإسلامية، واليمن جزء منها، هناك إتساع في فجوة الدخول بين الأغنياء والفقراء، وتأتي الزكاة لتمثل أداة دورية لإعادة توزيع الدخل بين شرائح المجتمع بشكل عادل ومنتظم، ولذلك، تمثل الزكاة شبكة أمان اجتماعي ذات تمويل ذاتي ومستدام، لا تعتمد على تقلبات الموازنة العامة للدولة، مما يسهم في الحد من ظاهرة العوز والحاجة. ولا تقتصر الزكاة على تقديم مساعدات استهلاكية مؤقتة، بل تهدف إلى إغناء الفقير بشكل دائم "حتى يستغني" كما ورد في الحديث، وهذا يعني إعطاء الفقير القادر على العمل ما يشق به طريقه في الحياة، من خلال توجيه جزء من أموال الزكاة لتمليك الفقراء والمساكين "أدوات إنتاج"، لتوفير فرص العمل للمحتاجين وتحسين دخولهم، بحيث يكون الهدف الاستراتيجي للزكاة هو تحويل الشخص من "آخذ للزكاة" (مستهلك وعبء على الاقتصاد) إلى "دافع للزكاة" (منتج ومساهم في الناتج المحلي) في السنوات التالية.
نموذج ماليزيا
وهناك تجارب نموذجية في بعض الدول العربية والإسلامية لإدارة أموال الزكاة بطريقة تعود بالنفع على الأفراد المستحقين في المجتمع، حيث انتقلت من الإطار الفردي التقليدي إلى الإطار المؤسسي المنظم الذي يساهم بشكل مباشر في التنمية المستدامة، ومكافحة الفقر، وتحقيق التوازن الاقتصادي. وتختلف إدارة الزكاة من بلد إلى آخر، فبعض الدول تعتبر دفع الزكاة طوعي، مثل مصر والأردن وماليزيا، بينما دول أخرى تعتبره إلزامي، مثل السعودية واليمن وباكستان،
وتُعد التجربة الماليزية في إدارة وتطوير أموال الزكاة من المراجع الملهمة عالمياً، حيث نجحت في تحويل الزكاة من "الزكاة الرعائية" (تقديم الدعم النقدي والعيني المباشر لسد الحاجة الآنية) إلى "الزكاة التنموية" (توجيه الأموال لخلق فرص عمل واستدامة اقتصادية) بما يسهم بفعالية في الناتج المحلي الإجمالي وفي خطط الدولة الطموحة للقضاء على الفقر الهيكلي. وقد تميزت ماليزيا بالقدرة على الموازنة الدقيقة بين الأصول الفقهية الثابتة للمصارف الشرعية، وبين الحوكمة الإدارية الحديثة. فإدارة أموال الزكاة لا تعتمد على هيئة عامة مركزية بل قائمة على مجالس لامركزية في كل الولايات المكونة للدولة، ومعظم الولايات قامت بعملية الفصل بين جمع الزكاة وصرفها، فجهاز "جمع الزكاة" يعتبر مؤسسة مستقلة تدار بعقلية القطاع الخاص، بينما جهاز "صرف الزكاة" يقع تحت إشراف المجالس الدينية للولايات لضمان الرقابة الشرعية، وهذا الفصل أدى إلى كفاءة تسويقية هائلة في التحصيل. كما أن التجربة الماليزية نجحت فيما يسمى بالهندسة المالية الذكية، فالقانون المالي الماليزي يتيح للشركة أو للمسلم الذي يدفع زكاته للمؤسسات الرسمية أن يخصم قيمة الزكاة بالكامل (100%) من قيمة ضريبة الدخل المستحقة عليه للبلاد، وليس خصمها من الوعاء الضريبي فحسب. هذا الربط الذكي حوّل دفع الزكاة من عبء مالي إضافي إلى خيار تفضيلي محبب للشركات وللمواطنين، مما ضاعف الإيرادات السنوية للزكاة بشكل مطرد.
وتتسم التجربة الماليزية في صرف أموال الزكاة في مشاريع تنموية، تشمل:
-مجال الإسكان من خلال المساهمة في بناء مجمعات سكنية متكاملة للفقراء والمساكين، أو ترميم منازلهم في الأرياف.
-وفي مجال التمكين التعليمي يتم التكفل بالرسوم الدراسية كاملة، والسكن، والمعيشة لأبناء الأسر المسجلة في قوائم الفقر للالتحاق بأفضل الجامعات المحلية والعالمية، خاصة في مجالات (الطب، الهندسة، الذكاء الاصطناعي، والصيرفة الإسلامية)، إضافة إلى إنشاء "معاهد الزكاة التقنية" لتأهيل الشباب من الفقراء الذين لم يحالفهم الحظ الأكاديمي في مهن مثل (صيانة الطائرات، ميكانيكا السيارات، الطهي الاحترافي، والبرمجة).
-وفي برامج تطوير ريادة الأعمال للفقراء من خلال تقديم التمويل العيني والمالي (كقرض حسن أو منحة غير مستردة) لإنشاء مشاريع صغيرة ومتوسطة في مجالات المطاعم والورش الميكانيكية ومعامل الخياطة ومشاريع الزراعة والصيد وغيرها،
كما أن التجربة الماليزية نجحت في دمج مؤسسات الزكاة مع نوافذ التمويل الأصغر الإسلامي، من خلال التنسيق لتقديم أموال الزكاة بشكل مباشر ومستمر لمؤسسات التمويل الأصغر لتقدم للمستفيدين الفقراء "قرضا حسنا"، لتمويل مشاريعهم الإنتاجية والخدمية، ويعتبر ذلك أحد أبرز الابتكارات الاقتصادية والاجتماعية في العالم الإسلامي؛ حيث نجحت هذه التجربة في سد الفجوة بين العمل الخيري الرعائي والتمويل الاقتصادي المستدام.
ويمتاز نظام الزكاة في ماليزيا بالشفافية العالية والاعتماد الكلي على التحول الرقمي. ونظراً لأن إدارة الزكاة لا مركزية، فقد وفرت مجالس الولايات آليات متعددة تتيح لدافع الزكاة التتبع والتحقق من أوجه الصرف بكل دقة عبر الإنترنت، من خلال توفير تطبيقات هاتفية تعرض إحصائيات التحصيل والصرف بشكل فوري ومباشر للعامة، كما تلتزم مؤسسات الزكاة الماليزية بنشر تقارير مالية سنوية شاملة ومتاحة للجميع، تتضمن: ميزانيات مدققة من قِبل جهات رقابية ومحاسبية مستقلة، وتفاصيل دقيقة حول المشاريع التنموية، والسكنية، والتعليمية التي تم تمويلها بأموال الزكاة، إضافة إلى أعداد الأسر والأفراد المستفيدين في كل منطقة أو حي داخل الولاية.
الوضع في اليمن
إدارة أموال الزكاة في اليمن تشهد تعقيداً كبيراً بسبب الوضع السياسي والانقسام الإداري القائم في البلاد، حيث تختلف آليات التحصيل والصرف بناءً على مناطق السيطرة والنفوذ.
ففي المناطق الخاضعة لسيطرة حكومة عدن، تدار أموال الزكاة عبر "الإدارة العامة للواجبات الزكوية"، والتي تعمل تحت إشراف وزارة الإدارة المحلية والسلطات المحلية في كل محافظة، وفقا لقانون السلطة المحلية رقم (4) لعام 2000، ويتسم نظام الزكاة في هذه المناطق بضعف كفاءة التحصيل وتدني الإيرادات، مما يتسبب في تهرب زكوي واسع من قبل الشركات والمحلات التجارية، وبالتالي تراجع العوائد الزكوية مقارنة بالقدرة الفعلية للسوق، إضافة إلى ذوبان أموال الزكاة في نفقات السلطة المحلية، فنظراً لتوريد الزكاة ضمن الموارد المحلية والمشتركة للمحافظات، فإنها غالباً ما تُدمج مع بقية الإيرادات لتمويل النفقات التشغيلية للسلطات المحلية في المحافظات، وهو ما يثير انتقادات شرعية وقانونية حول مدى التزام السلطات بصرف هذه الأموال في المصارف الشرعية الثمانية المحددة للزكاة، كما تفتقر مناطق الحكومة الشرعية إلى مشاريع تمكين اقتصادي أو مساعدات نقدية واسعة ومنتظمة ممولة مباشرة من أموال الزكاة، حيث يُترك هذا الدور غالباً للمنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية.
وبالمقابل، فإن سلطة صنعاء أنشئت الهيئة العامة للزكاة عام 2018، لتكون مؤسسة مركزية ومستقلة عن سلطات الإدارة المحلية، وقد تمكنت الهيئة منذ إنشائها في توسيع الجباية والتحصيل الزكوي بشكل غير مسبوق مستهدفة المصانع والشركات التجارية والحرفيين والمزارعين، ومحلات التجزئة، مما رفع الإيرادات الزكوية إلى مستويات قياسية،
ويُحسب للهيئة أنها تقوم بتوزيع المساعدات النقدية للأسر الفقيرة المسجلة في قواعد بياناتها، والتي يؤخذ عليها أنها غير شاملة ولم تبنى على ضوء مسوحات إحصائية سليمة للأسر الفقيرة في جميع المحافظات، وهناك شكاوى مجتمعية متكررة من غياب الإنصاف في التوزيع، وسقوط أسماء آلاف الأسر الأشد فقراً من الكشوفات الرسمية نتيجة للآليات المتبعة في الحصر عبر المشرفين المحليين، كما تقدم الهيئة مساعدات صحية ودعم السجناء المعسرين ولكنها تظل في نطاق محدود.
كما يحسب للهيئة انتقالها الجزئي من صيغة المساعدات الإغاثية الاستهلاكية إلى مشاريع التنمية المستدامة، شمل ذلك توزيع قوارب صيد، ومكائن خياطة للأسر الفقيرة، وتوفير حراثات ومنظومات طاقة شمسية للمزارعين المحتاجين، ولكن هذه المشاريع تظل محدودة مقارنة بالإيرادات المتحصلة أو بالاحتياجات الواسعة والمتنوعة للشرائح الفقيرة في المجتمع، فالإيرادات الزكوية بلغت عشرات أضعاف ما كان عليه الحال قبل إنشاء الهيئة، وهذا ما جعل القطاع الخاص والتجار والمهنيين يشكون من ممارسات هيئة الزكاة ومصلحة الضرائب بالإفراط في الجبايات وفرض مبالغ جزافية وقسرية، مما أدى إلى تضرر العديد من الشركات والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، ودفع ببعض رؤوس الأموال إلى الإغلاق أو الهجرة في ظل الركود الاقتصادي القائم. كما أن القطاع الخاص يشكو من أن فرض "الخمس" مما يستخرج من الثروات الطبيعية والمستخرجات الأخرى لفئة معينة من المجتمع يضيف أعباء مالية كبيرة على المستثمرين، إضافة إلى أن ذلك يعمق التمييز الاجتماعي والإنقسام الطبقي بالبلاد، ومن جانب آخر، تشير تقارير فنية أن إدارة الهيئة لموارد الزكاة تنقصه الشفافية والحوكمة، إضافة إلى غياب الرقابة المستقلة على ميزانيات الهيئة وحساباتها الختامية.
وخلاصة الأمر، يمكن القول أن على سلطة عدن أن تتبنى إنشاء هيئة عامة للزكاة كمؤسسة مستقلة، مع الاستفادة من تجارب دولية ناجحة "ماليزيا"، وتجنب بعض الإجراءات التي وقعت فيها هيئة الزكاة في مناطق صنعاء، وبالمقابل فإن سلطة صنعاء أتخذت خطوة مهمة في مأسسة نظام الزكاة، إلا أنها بحاجة إلى الإستفادة من التجربة الماليزية في عدد من النقاط الجوهرية، منها:
-أهمية الفصل بين جهاز تحصيل الزكاة وجهاز صرف الزكاة، وتعزيز الروابط بين هذا الأخير ومؤسسات وبنوك التمويل الأصغر الإسلامي، وهنا تبرز مؤسسة "جرامين يمن" أو بنك الفقراء باليمن كنموذج مثالي للشراكة مع هيئة الزكاة بهدف تحويل أموال الزكاة إلى مشاريع مستدامة يستفيد منها الفقراء في المحافظات اليمنية وخاصة في المناطق الريفية، وهذا الأمر يحتاج إلى دراسة فنية متخصصة،
-ضرورة تحفيز دافعي الزكاة للتجاوب في تحصيلها من خلال خصم قيمة الزكاة بالكامل من قيمة ضريبة الدخل المستحقة عليهم للدولة، وهذا الربط سيؤدي إلى تحسين العلاقة والثقة بين الهيئة والمكلفين،
-اعتماد مبادىء الشفافية والحوكمة في الأنشطة والمشاريع التي تقوم بها الهيئة وإتاحت البيانات والتقارير عن الميزانيات السنوية والحسابات الختامية، حتى تتعزز الثقة بالهيئة لدى دافعي الزكاة والمجتمع بشكل عام،
