رائي العماء وهزيمة العميان
مُستهل: في حضرة المعجزة
هل تعتقدون حقاً أن كلماتي، بأدواتها القاصرة، يمكنها أن ترقى إلى مصاف الحديث عن قامةٍ بحجم عبدالله البردوني؟ أنا لا أعتقد ذلك أبداً. ومع هذا، سأكتب؛ مدفوعاً بما يعتمل في داخلي من شجن ممتد، مستعيناً بحروفٍ أعلم سلفاً أنها ستبدو قاصرة، بل ومتقزمة، أمام جلال الذكرى وطغيان حضور الرَّجل.

لم يكن البردوني مجرد شاعر مرَّ على تاريخ اليمن، بل كان "بصيرةً" خارقة انعتقت من سجن الجسد لتشرف على تفاصيل وجودنا. حظيت في حياتي بلقائه مرتين؛ لقاءين اختصرا رحلة الذهاب والإياب في قطار العمر، وكان الفارق الزمني بين هاتين المحطتين الاستثنائيتين خمسة عشر عاماً كاملة، تحوّلت فيها ملامحنا، وتغيّرت مصائرنا، وظلّ البردوني فيها هو الثابت الوحيد في وعيه المتوقد.
المحطة الأولى: صباح "تعز" الساحر وتلصص الوعي الأول (1970)
كانت المحطة الأولى في أواخر العام 1970. أتذكر ذلك الصباح جيداً، في مكتب "الدار الحديثة للطباعة والنشر". كان الصباح على غير عادته، ممتلئاً بحركة غير مألوفة، وضجيجاً يشي بأن حدثاً استثنائياً على وشك الوقوع وسط روائح الورق والحبر. قبل وصول البردوني ببضع دقائق، كان المكان قد غص بوجوهٍ لم أعتد رؤيتها من قبل، وشخصياتٍ شكلت قوام النخبة الثقافية والتاريخية لمدينة "تعز" واليمن ككل. كان من بين الحاضرين المؤرخ المشهور القاضي محمد الأكوع، والوجيه الفاضل محمد عبد الواسع حميد (الخويل)، والنبيل المستند إلى قيم الأصالة دائماً أحمد قاسم دماج، والوديع عبد الله الصيقل الذي كان قد وصل للتو من صنعاء.
وفجأة، توقفت سيارة "فولكس واجن" زرقاء يقودها الأستاذ علي بن علي صبرة. كان المدخل الرئيسي للمطبعة يقع في الجزء الأكثر انحداراً من شارع جمال عبد الناصر، بجوار المستودع المشهور لوكالة "كانون" اليابانية؛ ولذلك كان على من يلج المكان أن يتخطى درجات سلم حجرية مرتفعة لتجاوز الفارق في المنسوب والوصول إلى عتبة الباب.
ترجل البردوني، وصعد تلك الدرجات متكئاً على ذراعي علي صبرة وأحد مساعديه. تحرّك الجميع نحو الرصيف لاستقباله بحفاوة. غير أن المشهد لم يكن نَقياً بالكامل؛ فالى جانب رجال الأدب والفكر، امتصت الرصيف وجوهٌ أخرى كثرت تدريجياً، وجوهٌ لم تكن تحسن التخفي رغم محاولاتها، وتجيد استراق السمع بعيونٍ متوجسة وآذانٍ متلصصة... كانوا هم: "عسس" جهاز الأمن الوطني.
كنت آنذاك قابعاً في الخلف، متوارياً وراء الزحام، أتوق بلهفة طفولية وصبا متعطش لاستراق النظر لمشاهدة البردوني الذي لم تكتحل عيناي برؤيته من قبل. ولمّا لمح شقيقي، الأديب الراحل محمد عبد الولي، شغفي المتعثر وعجزي عن الرؤية جراء قصر قامتي وسط تلك الجموع، ابتسم بحنو، واقترب من البردوني ممسكاً بذراعه اليسرى وقاده نحوي قائلاً له:
"هذا عباس، أخي الأصغر، يرغب في التعرف بك".
صافحني البردوني بوجدانٍ دافئ، وقبلني على الخدين، ولم يفلت يدي بل ظل ممسكاً بها بقوة وود، والتفت صوب محمد يسأله: "هل هو مهتم بالأدب مثلك؟".
أجبته أنا متلعثماً ومسرعاً: "أنا ما زلت في السنة الأولى من المرحلة الثانوية، ومهتم بالعلوم التطبيقية، لكني أقرأ بشراهة، وأحفظ الكثير من قصائدك".
ضحك البردوني ضحكته المجلجلة المعهودة التي لا تفارق محياه، وعقّب قائلاً ببديهته الحاضرة: "طالما أنك تقرأ فستكتب يوماً ما، فكثير من الروائيين والكتاب الكبار في مصر كانوا أطباء وعلماء".
ثم أفلت يدي، تاركاً في روحي جذوة بهجة لم تنطفئ، وكانت تلك البهجة أولى الهبات العظيمة في حياتي التي استعصت على النسيان.
المحطة الثانية: صنعاء 1985.. لعنة "الدبلوم الأحمر" وحصاد البصيرة
دارت الأيام دورتها، وحملتني السنون إلى فضاءات أخرى. وللقائي الثاني به في صنعاء، وتحديداً في بهو "مركز الدراسات والبحوث اليمني" ذات ظهرٍ من أيام عام 1985، قصة تستحق أن تُروى، لما تحمله من ملامح المعاناة الإنسانية والسياسية في يمن ذلك الزمان.
قبل عام من هذا اللقاء، كنت قد استكملت كافة الإجراءات الأكاديمية المطلوبة من إدارة الجامعة للتعيين كمعيد في كلية الهندسة المدنية بجامعة صنعاء. كنت فخوراً بشهادتي؛ فقد كنت أحمل "الدبلوم الأحمر" مع مرتبة الشرف من المعهد العالي بمدينة "لينينغراد" السوفيتية، أعرق معاهد هندسة العمارة والبناء. لكن في بلدٍ تحكمه الهواجس الأمنية، تحوّل هذا التميز العلمي إلى "لعنة" تلاحقني.
كان مستحيلاً أن تلتحق بالكادر الأكاديمي دون الحصول على "الموافقة الأمنية" التي يتولى إدارتها حصرياً وبقبضة حديدية محمد الصرمي في جهاز الأمن الوطني. وجاء الرد الأمنّي قاطعاً ومجحفاً بحقي ليجهض حلمي الأكاديمي: "يُقبل في وزارة البلديات!". وفي المقابل، كان يتم قبول المتقدمين الخريجين من الولايات المتحدة ومصر دون عوائق، رغم وجود فارق كبير في استيفاء شروط المعايير الأكاديمية لصالحي.
رغم معرفتي السطحية بالدكتور عبد العزيز المقالح، ورغم علمي بالعلاقات الحميمة التي كانت تربطه بشقيقي الراحل محمد عبد الولي منذ أيام دراستهما في القاهرة، إلا أنني آثرت ألا أطرق بابه مستعطفاً، وفضلت الاستعانة بالعم الأديب صالح الدحان.
في صباح ذلك اليوم، قصدت منزل صالح الدحان في منطقة الشيراتون، وبثثته شكواي. لم يتردد الدحان للحظة؛ تناول الهاتف واتصل مباشرة بالدكتور عبد العزيز المقالح (رئيس الجامعة والمركز آنذاك). وكنت في داخلي أتمنى لو استعان الدحان بجهاتٍ أكثر نفوذاً وسلطوية بحكم عمله في صحيفة "26 سبتمبر" الصادرة عن التوجيه المعنوي الذي كان يديره علي الشاطر. لكن الدحان اختار مسار الفكر والثقافة.
استمعت إلى حديث الدحان مع المقالح؛ كان مزيجاً عاتباً من نبرات اللوم وطلب التكريم لذكرى الراحل محمد عبد الولي. كان يوضح للمقالح أن ما نطلبه ليس استجداءً لتجاوز الضوابط والشروط الأكاديمية، بل هو سعيٌ شجاع لتجاوز الإملاءات التعسفية القادمة من جهاز أمني يُخل بالعمل الأكاديمي ويسيء إليه، وهو جهاز يخضع في الغالب لمزاج وعُقد نفسية للشخص المعني بتسيير أمور الجامعة من وراء ستار.
أصغى المقالح بعمق، وطلب مني التوجه فوراً إلى مكتبه بمركز الدراسات والبحوث. تحركت دون إبطاء قبل الظهر، وعند وصولي، وجدت البهو غاصاً بالزوار والمثقفين، وصادف في تلك اللحظة وجود شاعرنا الجليل عبد الله البردوني.
تابعت البردوني بعينيّ، وانتابتني مشاعر غامرة بالمرارة والغبطة معاً. مضت خمسة عشر عاماً على لقائنا الأول في تعز، وها أنا أراه مجدداً. كان شعره السلس والأجعد معاً قد غطاه الشيب بكثافة. اقتربت من الحشد المحيط بالدكتور المقالح، وكنت حريصاً بكل جوارحي على إلقاء التحية على البردوني.
حين حاذاني، مددت ذراعي وأمسكت بكفه لأحييه. وما إن استقرت كفي في راحة كفه الدافئة، وقبل أن أشرع في التعريف بنفسي أو ذكر اسمي، انطلقت كلماته كالشلال متهللة:
"حيّا الله بعباس!".
تسمّرت في مكاني من الذهول! شيءٌ لا يصدقه عقل! أيعقل أن يذكرني هذا الرجل، ويستحضر اسمي بعد خمسة عشر عاماً، بناءً على لقاء عابر لم يدم خمس دقائق، وبناءً على قبضة يد دافئة لثوانٍ معدودة في تعز؟! أيُّ ذاكرةٍ طينية عجيبة يمتلكها هذا الإنسان؟ إنه حقاً "البصير"، كما يُنعت المكفوفون في اليمن احتراماً، بل هو البصير الذي رآنا دون إبصار، ولم نقو نحن –بكل عيوننا– على رؤية مداه.
لاحقاً، دخلت إلى الدكتور المقالح وشرحت له معضلتي، فلم يُطل الحديث. طلب مني موافاته في مكتبه بالجامعة القديمة في اليوم التالي. وهناك، بحضور نائبه للشؤون الأكاديمية الدكتور ابوبكر القربي، أصدر المقالح تعليماته الصارمة لإنهاء إجراءات تعييني بالتنسيق مع "الجهة المشؤومة". وبعد مخاض إداري وأمني عسير استمر ثلاثة أشهر، ظفرت أخيراً بالموافقة الأمنية وانتزعت حقي.
خلف الستار: صك "عفاش" المبروز ومرارة الأيام الأخيرة
تواصلت علاقتي بالأستاذ صالح الدحان بحكم الأيام الخوالي، وبحكم القربى لاحقا، وفي إحدى جلساتنا المستمرة في مسكني بالحرم الجامعي - حيث أمضى الدحان معي قرابة سبع سنوات متصلة في أواخر أيامه، وكانت من أغنى الفترات نقاشاً وشجناً وتصادماً فكرياً في بعض الأحيان، سأفرد لها مساحة خاصة مستقبلاً - دار حديث ذو شجون عن مواقف البردوني وعزته.
تذكر الدحان كيف أنه هَاتَفَ البردوني عام 1993 ليبارك له فوزه بجائزة "سلطان بن علي العويس للشعر" في دولة الإمارات. وحينها، كشف لي الدحان عن واقعة تلخص عفة الشاعر وأنفته؛ فإثر صعود علي عبد الله صالح "عفاش" إلى سدة السلطة وتمدد نفوذه، حاول استمالة البردوني وكسب رضاه، فأرسل إليه صكاً بمبلغ مليون ريال يمني - حين كان للريال قيمته وثقله - لكن البردوني، المعتد بكرامته وصعلكته الشريفة، رفض صرف الصك. وبدلاً من ذلك، قام بوضع الصك داخل برواز زجاجي وعلقه في صدر ديوان جلوسه، ليكون شاهداً صامتاً وساخراً على محاولات شراء الذمم التي تحطمت عند عتبة بيته!
لكن الحكاية الأكثر مرارة، والتي حدثني عنها الدحان بغصةٍ حارقة، تجلت يوم رحيل البردوني عن دنيانا. أخبرني الدحان أن علي الشاطر اتصل يومها بارتباك شديد بالرئيس "عفاش" ليبلغه بنبأ الوفاة، طالباً توجيهاته بشأن مراسم الدفن والتشييع؛ إذ كان الشاطر يعلم علم اليقين أن البردوني لم يكن يوماً حظياً لدى السلطة ولا داخل دائرة المرضي عنهم، وكان يخشى أن يتخذ إجراءً رسمياً يثير غيظ الرئيس.
جاء رد "عفاش" جافاً، حاقداً، ومثقلاً بالصغار، فاختزل موقف السلطة من عبقرية اليمن بجملة قصيرة وقاسية:
"إدفنه جنب صاحبه!".
وكان يقصد بـ "صاحبه" المقرئ الراحل "علي عامر". نُفذت رغبة الطاغية الجاهل، واعتقد واهماً أنه بجريرة ذلك الدفن الهامشي سينهي أسطورة البردوني، ويطوي صفحة الرائي الذي أوجع عرشه بالقصائد والكلمات الصادقة.
خاتمة: أثر الشاهد والجلاد
رحل البردوني، لكنه لم ينتهِ. ذهب جسداً وبقي مجداً؛ وقبره اليوم يرتفع بشاهدٍ شامخ فوق ضريحٍ نُحتت عليه أروع قصائده وأكثرها خلوداً، قصيدة "أحزان وإصرار"، التي تختزل كبرياء اليمن وإصراره في وجه الفناء:
شوطُنا فوقَ احتمالِ الاحتمالْ فوقَ صبرِ الصَّبرِ، لكن لا انخذالْ
نغتلي، نبكي على مَنْ سَقَطوا إنَّما نمضي لإتمام المَجَالْ
دمُنا يَهمي على أوتارِنا ونُغَنّي للأماني بانفعالْ
مُرَّةٌ أحزانُنا، لكنها يا عذابَ الصَّبْرِ أحزانُ الرِّجالْ
نبلعُ الأحجارَ، ندمى إنَّما نعزفُ الأشواقَ، نشدو للجَمالْ
ندفنُ الأحبابَ، نأسى إنَّما نتحدَّى نحتذي، وجهَ المُحَالْ
مُذْ بدأنا الشَّوطَ جَوْهَرنا الحَصى بالدَّمِ الغالي وفَردَسنا الرّمالْ
وإلى أينَ؟ عَرفْنا المُبتدا والمسافاتُ، كما ندري طوالْ
وكنيسانَ انطلقنا في الذُّرا نسفحُ الطيبَ يميناً وشمَالْ
نبتني لليمنِ المنشودِ مِنْ سُهدِنا جسراً وندعوهُ: تعالْ
وانزرعْنَا تحتَ أمطارِ الفَنَا شجراً مِلءَ المَدى أعيْا الزَّوالْ
شجراً يَحضُنُ أعماقَ الثَّرى ويُعيرُ الرِّيحَ أطرافَ الظِّلالْ
واتَّقدنا في حشا الأرضِ هوىً وتحوَّلنا حقولاً وتِلالْ
مِشمِشا، بُناً، وروداً وندىً وربيعاً ومَصِيفاً وغِلالْ
نحنُ هذي الأرضُ،فيها نلتظي وهيَ فينا عنفوانٌ واقتتالْ
من روابي لحمِنا هذي الرُّبا من رُبا أعظُمِنا هذي الجبالْ
ومضى الجلاد لاحقاً.. تذروه الرياح، بلا قبرٍ يؤويه، ولا شاهدٍ يذكره، ولا شهادةٍ من التاريخ تنصفه. وانطوت صفحته كما تنطوي صفحات الطغاة العابرين.
أما البردوني، فسيظل حياً في ضمير التراب، عازفاً للأشواق، شادياً للجمال. المجد والخلود والرفعة للمفكر والأديب والشاعر الفذ، بصير اليمن الساكن في سفر الخالدين، الأستاذ عبد الله البردوني.
