عبدالرحمن منيف وروايته مدن الملح: بادية الظلمات.. الجزء الخامس والأخير (الحلقة الثانية)

النَّاس في الَّليل غَيرُهُم في النَّهَار؛ مَعَ بَعضِهِم، وَمَعَ غَيرهِم مِن الأجانِب.. يَتغيَّرونَ بِالسَّاعَة.. المُغَنِّي إذا مَرَّ مُنَادِي الصَّلاة انرعص، وَكَأنَّ عقرب لَدَغَته. والعجرمي المحني لحيته مِثلَ الشَّيطَان الرَّجِيم.
العَوَالي غَيَّرهَا البَحر، وَريَاحُه، وَالمَرَاكِب، وَالِّلي جُوا عليها(1). ويضيف: «حِنَّا بروسَنَا مَواوِيل بعد مَا غنيناها، وَمَا أحد يقدر يمنعنا»..
وَأنشَدَ:
بَاحَتْ بِسِرِّي في الهَوَى أدمُعِي
وَدَلَّتْ الوَاشِي عَلَى مَوضِعِي
يَا مَعشرَ العُشَّاق إنْ كُنتمُو
مِثلِي وفي حالي؛ فَمُوتُوا مَعِي(2).
نِزَاعَات «قَصر الرَّوض» لا تَتوقَّف، وَلا تَنتهِي.
وَ«ريدة»- قَابِلةُ القَصر تُقَدِّم رِشْوَات، وَتَعليمات، وَشَعبذات لِنِسَاء القَصر في طَرائق الحَملِ بِوَلَد، وَلَديهَا خرافات عن طَرَائق المُمَارسَات المُؤدِّيَة لِلحَمل بِالوَلَد.
رَاكان أصبحَ الكُلّ في الكُلّ في القَصر، وَ«فِضَّة» -كَمَا يُقَال- تُريد القَصَر لَهَا، وَلأولادِهَا.
وَغِياب السُّلطَان عن القَصر مَصدرُهُ نُبوءة مُنَجِّم: «يلزمك -طال عُمرَكْ- مَا تَصِل مُوران الشُّهُور الحُرُم كُلَّهَا، وَمَا دَام نَجمُ الثُّريَّا في مَنَازلِ الغِيَاب»(3).
رَاكَان- قَائِد حَرَس القَصر يَتصرَّف بِدَافِع الانتقام من الإهَانة التي لَحِقَت بِهِ مِنْ «العَنُود».
لم يَبقَ مَعلمٌ مِنْ مَعَالم قَصرِهَا بَعدَ غِيَابِهَا؛ حَوَّلَهُ إلى جَنَاح، وَأعطَى الأثاث لِلخَدَم وَالعَبيد؛ لِبيعهِ، أو إحرَاقِه. وَقَامَ بِجَلدِ عَددٍ مِن خَدَمِهَا وَعَبيدِهِا؛ لأنَّهُم لَمْ يُبلِّغُوا عن وُجُود خُمُور في الجَنَاح.
وَلَم يَقِفْ الأمر عِندَ مَبنى العَنُود؛ وَإنَّمَا طَالَ بعضَ زَوجاتِ السُّلطَان وَمَحظيَّاتهِ، وَأجرَى تَغييراتٍ وَاسِعَة في القَصر؛ لأنَّهُ مِنْ الوَاجِب أن يَكُونَ لِلسُّلطان قَصرٌ يَليقُ بِهِ؛ كَمَا قَال؛ وَحَياةُ السُّلطان فَوق كُلّ اعتبار، وَلَم يُعطِ بَالًا لِرأي ابن العريفان- أقوى شَخصِيَّة في القَصر، أو استياء ابن العليان مِن هَدرِ المَال.
اختفى المَرَح مِن حَيَاة السُّلطَان، وَبَدأت الأوهام وَالوَسَاوس تَستَولي عَليه. يُحِبّ التَّحدُّث عن قُوَّتِهِ الخَارقة وَراءَ ظهره.
بَدَأ تَخوفُهُ يكبر مِن النِّسَاء. النِّسَاء الجَديدات اللائي وَصَلنَ القصر بعد الاستيلاء عَلى العَوَالي لَمْ يُنجِبنَ..
كِبَار خَدَمِه يَتحدَّثُون عن تغيير أحوَالِهِ.. سَفرتُهُ الأخيرة عن القَصر مَثَار تَسَاؤلات.
التقى بمشرف البكيري؛ وهو مُنَجِّم كَبير، وَقَعدَ مَعَهُ على انفراد يَومًا وَلَيلة. والبكير هو الذي تَنبَّأ بِنهاية ابن مَاضِي، وَلَهُ معرفة بأسرار المُغَيَّبَات.. ويقال: إنَّ «فضة» هِيَ مَنْ أوصَلَ البكيري لِلسُّلطَان.
ويتحدث أهل مُوران عن تَفَوُّق البكيري على العجرمي.
طَالَت غَيبة السُّلطَان؛ فَشَعرَ راكان بِالثِّقَة وَالقُوَّة، وَأنَّهُ سَيِّد القَصر.
استدعت «أمِّي زَهوَة» رَاَكان بالمجيء إليها؛ بَعدَ أن طَلبَ من «سكينة» إخلاء جَنَاحِهَا؛ فَوَعدَ بالوصول، ولم يَصِل.
ويجري الحديث عن غِياب أمِّي زهوة، وابن البخيت.
ظَلَّ في مُوران بِطَلبٍ من السُّلطَان؛ لِيكونَ عَينه وَأذنه.
وَيَقلَّ المال في يَدِ رَاكَان، وَيبدَأُ العبيدُ وَالمَخصِيِّينَ، وَقَبلهم النِّسَاء، وَ«الإخوان» التَّحريض ضِدَّه، وَالتَّمرُّد عَلَى سُلطَته.
تَمَنُّعُ عُثمانَ العليان من إعطاء المَال لراكان، واتباع أوامره= دَفَعَ بِابن العريفان، وناهي بالابتعاد عنه.
عَادَت العَنُود إلى القَصر، وَحَشَدَت مِنْ حَولِها كَثيرين، وَأعَادَتْ بناء جُدرَان جَنَاحَيها، وَطَالبتْ بإعادة أثاثها نَفسَه.
وبعد وساطة العريفان؛ فُتِحَت أمامها أبواب المخازن؛ لِتَختار.
فَجأةً وَصَلَ مهيوب، وَرَأى إقامةَ جَلد أمَامَهُ؛ فأوقفَ الجَلدَ، وَضَربَ الجَلاد؛ فَهرولَ جَماعة رَاكَان إليه.
استدعَاهُ مَهيوب، وَلَكنَّهُ تَأخَّرَ خَوفًا من المُواجهة.
في نفس اليوم التقى راكان، وَمَعهُ عَمُّهُ الضَّاري، وَعَددٌ من أفراد العَائلة= سَلَّمَهُ مَهيوب رِسَالةً من أبيه مُختَصَرةً تطلبُ مِنهُ سُرعةَ الوُصُول، وَتَبادرَ راكان وَأمُّهُ التَّلاوم.
جَرَى احتفال السُّلطَان إثر عودته إلى مُوران، وَجَرَى الحديث عن محاولة اغتياله في أحد مساجد العَوَالي، وَقَد حَمَاهُ خزعل، وَتَعرَّضَ لِعِدَّةِ طَعنات.
تَبدَّلَت الأحوال في مُوران، وَنَسِيَ النَّاسُ الحَديثَ عن الحُرُوب، وَأعدَاء السُّلطَان السَّابِقِين، وَظَهرَ أمراء جُدُد، وَمَشَاكلُ مُختلفة.
وَمُوران تزدادُ تَناقضًا وَتَشابكًا. وَيَنسبونَ جُرحَ السُّلطَان في المسجد بمؤامرة دَاخِلَ الأسرَة؛ مُستدِلِّينَ بِالخِلافَات القَائِمَة.
وَالواقع أنَّ حَادثةَ الطَّوَاف قَامَ بِهَا يَمنيونَ؛ رَدًّا على المَجزَرَة التي تَعرَّضَ لها الحُجَّاج اليمنيون في «تَنُومَة»، وَقُتِلَ المئات، وقيل الآلاف (الكاتب).
أخذت مُحَاولة الاغتيال مِسَاحةً وَاسِعَةً في مُوران وغيرها، وَتَداولها النَّاس، وَالمُعَارضُون بِقدرٍ مِنْ المُبَالغَة وَالتَّشفِّي.
وَحقيقة حَادثة الطَّوَاف أسهَمَت في رَفعِ اسم خزعل، وترجيح كفته على فنر. والأهم تعجيلها بالمواجهة في حرب 1934 (الكاتب).
يسأل ابن عليان صديقه ابن بخيت عن: َماذَا بَعدَ الحَرب؟
وَيَردُّ عليه: أمنيته حمل ربابة، وَالسَّولَفَة على العربان: أنا، وأنت. فيضحك ابن عليان.
ينصح ابن عليان صَديقهُ ابن بخيت بِالحِذق، وَجَمعِ المَال؛ فَالزَّمَان غَدَّار، وَصُحبة السُّلطان غير دائمة.
وَرَدَّ ابن بخيت بِغَضب. وَدَارَ حَديثٌ وُدِّي؛ للإقناع بعدم الاحتياج لِلسُّلطَان.
يَتَباهَى خزعل بالطعنات التي تَلقَّاهَا، وَيُصبِح حديث موران، وَيَتوارى راكان، وَتتزايد النقمة ضِدَّ العَوَالي، ويزداد إعجاب الأب بخزعل.
كتب هاملتون في «مُذَكِّرَاتِه»: «البدائية حَالة متكاملة. حَديث السُّلطَان مع النَّاس العاديين؛ تَجعلهُ قَريبًا منهم. يَسألُهُم عن كُلِّ شيء، وَيَتكلمونَ السَّاعَات الطِّوَال.
الانتقام يَأخذُ الشَّكلَ البِدَائِي. فَرغم مَحَبَّتِهم لِلسِّلاح، إلا أنهم يَعتبرونَ السِّكِّين، أو مَا يُشبهها من الأدوات= الوسيلةَ الأفضل للانتقام.
يَحُسّ الوَاحِد، وهو يغرز السِّكِّين في صدر عَدُوِّهِ، أنَّهُ يَنتقمُ فِعلًا، أمَّا من بَعِيد؛ فَيعزُونَ الأمرَ إلى المَهَارة»(4).
بَعدَ عَودة السُّلطان إلى مُوران، اختفى عِدَّة أيَّام، وَأثَارَ كَثيرًا مِنْ الشُّكُوك، وَشَائعاتٍ لا تنتهي.
يَنشغِل النَّاسُ بأمورهم.. قال مهيوب لعرفان الهجرس: «أصعب من الموت يا عرفان خَوف الموت»(5).
وَيَصِف حَالَة السُّلطَان بعد الطعنات أنه أصبحَ شَديدَ الحَذَر وَالخَوف؛ يُغلِق على نَفسهِ، وَيَخاف مِنْ أيِّ طَارق. ورغم بَسَاطَة الطعنة، إلا أنها غائرة في القلب، وَمَاله شفاء.
لَم يلتزم بِالتَّعليمَات، وَلَم يَتناولَ الدَّوَاء، وَيُفتح الجُرح مَرةً ثانية، وَيُرهِق نَفسَهُ بِالمُمَارسة الجنسية، وَبَدأت المُناوشَات بين قُصور النِّسَاء، وبين قُصُور الزَّوجَات الجَديدات، وِمِثلمَا غَابَ السُّلطَان، غَابَت بَعضُ نِسَائه.
تحرص الشيخة -مَطلع كُلِّ شَهر- ٍدَعوة عَدَد مِنْ الفُقَرَاء؛ ويقال: إنَّهُم لَيسُوا بِفُقَراء؛ وَإنَّمَا مُنجِّمُونَ وَسَحَرَة.
قال ابن العليان لعبدالله بخيت؛ بَعدَ زِيَارةٍ قَصيرة لِلسُّلطَان: «أبَدْ ما يعجب يا أبو بادي.. أفكاره تايهة، وعيونه شايخة، وضَيَّع الأول، والثاني»(6).
مَا كَانت زيارة هاملتون لمُوران تُثِير الاهتمام؛ لولا ما أعقبها. الزيارة قَصِيرة، وَالسُّلطَان الذي اعتزل الناس شُوهِدَ، وهو عَلى كرسي مُتَحرِّك يَدفعُهُ حَارِسَان.
حُمِلَ السُّلطَان إلى السَّيَّارة، وَرَكِبَ هَاملتون إلى جَانِبه، وَلَم يكن هَذهِ المَرَّة أحَدٌ مِنْ رِجَالِهْ أو النِّسَاء.
يُصبِح خزعل، وَلأول مرة، سَيِّدَ القصرين. طَلَبَ من زيد الهريدي إعادةَ تَنظيم حَرَسَ القَصر، وإلغاء جميع إجراءات راكان(7).
تَرَافقَ سَفَر الشَّيخَة مَعَ مقتل ناهي، وَعَودةُ السُّلطَان السَّريعَة؛ فَجَّرَ العَدِيدَ مِنْ الأسئلة.
مَا نوع المُبَاحثات التي دارت بينه، وبين الصَّاحِب؟ ولماذا اختار ناهي؛ لِيُرَافِقَه؟ قَالَ مهيوب: «إنَّ ناهي سَقَطَ في بئر».
وَسُئِلَ: «لِمَاذا لم يَرَ ناهي البِئر؟».
وَبَعد فترة يَدورُ الحديثَ عن رصاصتين لم تَقتل ناهي؛ فَقَتلهُ مهيوب بِمُسَدَّسِه.
وَيَدور الحَديث بقوة عن حَدَث في القَصر له عِلاقة بامرأة، وَنَاهي طَرَفٌ فيه، وَأنَّ ناهي طَلبَ يَدَ موضي.. وَالتُّهَم كثيرة؛ مِنهَا: أنه يَعمل لِصَالح ابن مَاضِي.
الشَّيء المُهِمّ أنَّ فِي عَودة السُّلطَان السَّريعَة أنَّهُ سَمَّى خزعل وَلِيًّا للعهد. وَقَد غَادرَ هاملتون موران دُوَنَ استئذان.
وَأرسِلت من موران البرقية التالية: «ولدنا فنر بعد الاتِّكَال على الله؛ قَرَّرنَا تَسميةَ خزعل وَلِيًّا للعهد؛ فَيلزمكم أن تَأخذوا البيعة له، وَنُكلفُكُم بِذلكَ نِيابةً عَنَّا».
أُخِذَتْ البيعة في الجامع الكبير الذي جَرَت فيه مُحَاولة الاغتيال.
كَتبَ هاملتون في «يومياته»: «تَسمية الأمير خزعل وَليًّا للعهد يَعني مَرحلةً جَديدةً وَشَاقَّة، وَيَجب أن يُعِيدَ الإنسان حِساباِتهِ، وَأن يَتوقَّع الكَثير»(8).
زواج فنر من «ثَروَت» لَهُ دَخل في دَفع السُّلطَان إلى تسمية خزعل وَليًّا للعهد؛ فقد اختزن السُّلطَان الحِقدَ على فنر، وَأحسَّ أنه خُدِع.
العَوَالي أكثر مَيلًا إلى اعتبار مُحَاولة الاغتيال مُدَبَّرة مِنْ خزعل، وَأنَّهُ وَرَاء تَسميتهِ لولاية العهد.
التّجَّار الوجهاء أكثر مَيلًا إلى فنر، وَيَرونَ أنَّهُم قَادِرونَ على التَّفاهُم مَعَه.. خَارجَ الأسواق، والأسر الفقيرة والأرياف يرون الأمورَ تزدادُ صُعوبةً، وَيَرونَ في محاولة الاغتيال إنذارًا بِأنَّ الأمورَ لم تَعُدْ تٌحتَمَل، وَلا بُدَّ من التغيير بَعدَ هذا العَنَاء الطَّويل(9).
رَافَقَ رَاكَان أباه، وَحَاولَ تَصحيحَ مَوقِفِهِ، وَشَرحَ دَوره في التَّصَدِّي للمغتالين، وَتَأخَّرَ ثَلاثةَ أيَّام في العَوَالي؛ للالتقاء بفنر، وَالتَقَى بِأخوَاله، وأقنع أمَّهُ بِالرُّجُوع إلى «قَصر الرَّوض».
وَهَاملتون اعتبرَ ولايةَ العَهْد لخزعل ضَربةً قَاسيةً، وَبُوجِّه فنر في أن يَجعلَهم لا يَستطيعونَ فِعلَ أيَّ شَيءٍ بِدُونِه.
وعبدالله بن البخيت يُزَوِّد العجرمي بِمقالةٍ مِنْ «مَنَامَات الوَهرَاني»؛ فَيطلبُ تزويده بِالكِتاب المصري.
فنر الذي زَارَ العَديدَ من بُلدان العالم يرى الشَّرَ هو المُسِيطِر.. وموران، وَإنْ تَمَكَّنَت مِنْ فَرضِ قُوَّتِهَا على ما حولها؛ فَإنَّهَا أضعف مِنْ أن تُواجِهَ التَّغيُّرَات.
وَصية أبيه الوحيدة: «شَاوِرْ كُلَّ مَنْ تلقاه، وَلا تُعطِي سِرَّك لأحد. كَمَا أنَّ القبلة واحدة؛ فَالخُويا الإنجليز واحد. والأحسن أنَ يَكونَ الواحد منهم صَاحِب»(10).
عماد فوزي الذي رَافَقهُ إلى نيويورك قَالَ لَهُ: «بريطانيا كانت قوية في المَاضِي بَعدَ الحَرب الثانية؛ فَأصبَحَت أثرًا بَعدَ عَين.. الآن تحكم العَالم قُوتَان: أمريكا، وروسيا»(11).
وفنر بذكائه أدركَ ذَلِك. الأمريكي الذي قال له: «الخَطر الحقيقي الذي يَتَهدَّدَ السُّلطَة يَأتي من الشَّرق؛ مِن الرُّوس. وَلا بُدَّ أن يُدرِكَ السُّلطَان ذَلِك».
لَكَأنَّهُ يَقرأ مَا في رَأسِه.. وَقَد نَقَلَ الحقيقة لأبيه، وقال له: «نُصلِّي مع عَلي، وَنَأكُل مَعَ معاوية؛ بِالسياسة مع الإنجليز، وبالمصلحة والشغل مَعَ أمريكا»(12).
فنر جَابَ العَالم، وَاكتسبَ خِبرةً، وإلى جانبه هاملتون، وَكَوَّنَ عِلاقاتٍ وَاسِعة. ومزاج أبيه إزاء خزعل شديد التَّقلُّب، وفنر -مَعَ الشَّغَف- يَبدُو زَاهِدًا.
بالاتفاق مع هاملتون؛ قَرَّرَ الصُّمُود، وَاعتبار الأمر طَبيعيًّا.
اشتَدَّ المَرضُ على السُّلطَان؛ فلم يعد يُشَاهَد. وقيل: إنَّ السَّودَاء عَاودتهُ مِن جَديد.
أمَر بإطلاق عَددٍ من المَحَابيس. وبعد ثلاثة أيام أمرَ بِجَلدِ عِشرينَ أو ثلاثين من الخَدَم، وَالحَرَس، وَزَادَ وَعيدُهُ وَتَهدِيدُهُ.
شَيخ الصَّاغَة المُشرِف على العِلاج يَشكِي من حَالةِ فَوضَي المعالجة؛ بسبب التَّدخُّلات، والاختلافات الكثيرة.
خزعل الذي كان مُتعجِلًا استدعَى طَبيبًا من حَرَّان، وَأوكَلَ إليه الإشرافَ الكَامِلَ على صِحَّة السُّلطَان. الطبيب لا يُؤمن بالأدوية الجاهزة.. قَامَ بتركيبِ الأدوية؛ مِمَّا تَسَبَّبَ في الوَفَاة.
وَكَتبَ في «مُذَكِّرَاتِه» كَلماتٍ غَاضِبة، وَغَامِضَة أيضًا: «وَمِثل أيُّ شَيء في البلاد، وَلَدَى كُلِّ إنسان؛ فَإنَّ العَجَلة، والادعاء، والجهل يَحكُم وَيُسَيطِر؛ وقد لَمَستُ ذَلِكَ بِنفسي، ومن خلال أدِلَّة حِسِّيَّة لا يَرقَى إليهَا الشَّكَّ؛ خَاصَّة في طريقة مُعَالَجَة السُّلطَان»(13).
وَيَضعُ الرِّوَائي الكبير عُنوانًا فَرعيًّا كَبيرًا «ذَاكِرة الأمس القَريب»، وتحت العنوان: «بِمَوتِ السُّلطَان خريبط؛ انتهت، وَانطَّوَتْ صَفحةٌ كَامِلة في تاريخ الصَّحرَاء»(14).
يَصِفُ الصَّفحَات التالية بالاضطراب، وَالتَّدَاخُل، وعدم اليقين..
«رِيَاح شَدِيدة ظَلَّت تَهبُّ طوالَ السِّنين غَيَّرَت الكثيرَ من المَعَالم، وَالأشكَال، والأفكار.. أصبحوا بَشرًا مِنْ نَمَطٍ آخرَ».
خَابَ الأمل من مجيء فنر. قالت غَزَالة الحوشان لأختها سارة: «هذول الرِّجَال دينهم ومعبودهم القَصر.. يقومون وينامون هُناكَ، وحِنَّا رايحة علينا دنيا وآخرة»(15).
انتحرَ أبو هَائل المَهجُوس بالملاحقات الأمنية، وَعَانَى ابن بخيت الكَثيرَ من الانتظار؛ باعتباره خَصمُا لخزعل. أمَّا عمر زيدان فقال: «نعبر ونشوف من هو الذي صَارِ عَمَّنَا بَعدَمَا تَزوَّجَ أمَّنَا»(16).
قال مفلح المطوع: «مِنْ سنين، وَكنتُ صَبِّي، وَمَاتَ النَّاس وَالحَلال، وقالوا: هذي آخرة مُوران.. وموران صَامِتَة.. كَأنَّ فوقَهَا حَجَر، لكنَّ موران مَا ينحزر عَليها؛ مثل الفقع: إذا جَتْ سَنَة خير، وَالمَطَر وَسْمِى؛ تِطَلِّع الأرض الِّلي ببطنها، وَإذَا أمحَلَت تِسكُت وتنامْ.
سَنَة الخير النَّاس بخير، وسنة القِشرَة: الِّلي عِندُهْ فلوس يِحبِسْ؛ لا يريد يشتري ولا يبيع.
لَكنَّ أهل موران أباليس يِطلِّعُون الحَيَّة من جُحْرهَا؛ يدبرون أمورهم؛ وَهَذا مَا هُوْ من الأمس، واليوم.. لا.. عتيق.. عتيق»(17).
وَيَسرُد التبدل في الأسَر، وَالوَلاءات، وَتَبَدُّل المواقع، وَصُعود المُوالينَ لفنر، وهبوط جماعة خزعل.
عمر الطريفي دَرَسَ القَانُون في إستانبول، وَزَار باريسَ قَبلَ العودة للعَوَالي، عَادَ في الفترة المضطربة؛ يُبَشِّر النَّاس بالأيام الأفضل..
التحقَ مُضطرًا بابن ماضي؛ فَتخلَّى عنه، وعن العَوَالي. اعتَبرَ مجيءَ فنر هَزيمةَ البَدَاوة أمامَ الحَضَارة؛ خَاصَّةً وفنر وَعَدَ بِالدُّستور.
بَدَت لَهُ «الطَّرِيفَة» مسكينة؛ مَسيَّبَة، وَالأمُور إلى الأسوَأ. وإذا حَصَلنَا على الدُّستُور؛ حَصَلنَا على نِصفَ الحُقُوق، وَالنِّصف الثَّانِي مُحتَاج إلى الجُهد، وَالعَرَق، والعقل(18).
مَاتَ الطَّرِيفِي، وَهُوَ يُردِّد كَلِمَةَ الدُّستُور.
عُمَير الذي أطِلقَ سَرَاحَهُ، وَأمِرَ بالإقامة في مُوران، بَدلًا من «عَين فضة»، ظَلَّ غَاضبًا على ابن أخته.
مَا إنْ تَولَّى خزعل؛ حَتَّى طرَدَ هاملتون. وَسَافَرَ فنر للعلاج.
انصرف هاملتون لِلدِّرَاسات والكتابة: «مُقَدِّمَة في تاريخ موران». الجزء الأكبر عن التاريخ القديم، اعتَمَدَ على الكُشُوفَات الأثرية، ولهجات البدو، وأساطيرهم، و«موران: أرض، ورجال»؛ كتاب تَطَرَّقَ فيه إلى الرِّحْلات من شَرقِهَا إلى غَربِهَا. فقد صَحَّحَ العَديدَ مِنْ المَعلُومَات الخَاطِئة؛ كثمرة لمعاينته المُبَاشِرَة، ومعرفة اللغة، وإعداد الخرائط.
والكتاب مزيج مِنْ الوَصف، وَالذِّكرَيَات، وَالصٌّوَر، وَعِلاقتهُ بِالسُّلطَان؛ وسوف تتلوه كُتُبٌ أخرى.
وَأشَارَ إلى المَصَاعبِ وَالتَّناقُضَات الكبيرة، وَأنَّهَا لن تَمُرَّ. إشَارتُهُ أزعَجَت السُّلطَان، وَبَعثَ إليه فنر رِسَالةً شفوية مع يونس شاهين؛ لِلتَّهدِئَة.
وَكَانَ رَدَ هاملتون جَافًا. طَلَبَ إليه فنر اللقِاء في القَاهرة؛ لِلَّتفَاهُم، ولم يَتَمكَّنَ فنر مِنْ الوَفَاء، والتقيا في جنيف. وفي لَحظَات الشُّرب يَختلطُ العِتَاب باللوم.
اتفقا على خُطَط لِلمُستقبل. ويكتشف هاملتون التغيرَّ الذي طَرأَ على فنر في العلاقة، وَيَرى أنَّ البدوي في لحظات القُوَّة غَيرهُ في الضَّعَف.
وَيَرى أنه أعطى فنر كُلَّ المَفَاتيح؛ لِذَا لم يَعُد مُحتَاجًا إليه.
انتظر هاملتون أن يَدعُوه فنر؛ بعد أن أصبحَ سُلطانًا دُونَ جَدوَى.
زيارات فنر المتكررة لِمَناطقَ عديدة، وَقَبلَ ذِلكَ تَصَالحُهُ مع خزعل، وانتقاله إلى «دار السَّعَادة»، ومشاركته في الحُكم، وَالتَّواصُل المِستَمِرّ مع إخوانِهِ، وَكَسب حَمَّاد- مسئول الأمن= كَاَنت بداية وَضعُ قَدَمِه في الحُكم.
الزواجة من ابنة المحملجي كَانَت الفُرصَة الأسَاس التي مَكَّنتْ الأخوة من الالتقاء دُونَ حَذَر؛ في ظِلِّ انشغالات الجميع بالاحتفالات البَاذِخَة بِزَواج خزعل. وَمَا إن أعلنَ سَفَره؛ حتى أُعلِنَ عَزلُه.
وَكَانَ قَرارُ الأسرَة بِالأساس، وَلَعِبت «ثَروَت»، و«موضي»؛ وَبِالأخصِّ موضي، دَورًا مُهمًا في تَوفير المعلومات.
قَبل سَفَر خزعل، أمَرَ زيد الهريدي بِحَبسِ «الشَّيخَة زهَوَة»، في «مستودع محروس»، وَلَم يعرف فنر إلا في اليوم الخامس، وَتُتَّهَم «عدلة» أنَّهَا خَدَّرَت الشَّيخَة، وَجَاءَ الأبناء، فَأكمَلوا المُهِمَّة(19).
سَادَ الصَّمت «قَصرَ الرَّوض»، وَلَم يَعُدْ الحَرَس وَالنِّسَاء مَصدَرَ تَسريب المَعلُومَات، وَأطبقَ الأمن على الأجوَاء، وَصَدرَت تعليمات مُشَدَّدَة من مدير مكتب وزير الداخلية بفرض الرَّقَابة الأمنية، ومنع تَسَرُّب المَعلومَات، ومعاقبة مَسئول الأمن عَلى أيِّ تَسريب، وَمَنع إقامة علاقات مع الأجانب، وَزُوَّار مُوران، والإبلاغ عن أيِّ صِلات سَابقة، وَيُطلب مِنْ كُلِّ مَسئُول تقديم تَقرير أسبوعي عن العناصر التابعة لَه(20).
أمره فنر بتوقيع أقسَى العقوبات بمَا في ذلك الإعدَام، وتعميم الرَّقَابة والمتابعة الأمنية، وَتَكميم الأفواه، ونشر المُخبِرين، وَتَرويع الجَميع.
الهوامش:
(1) مدن الملح؛ بادية الظلمات، عبدالرحمن منيف، ص108.
(2) المصدر السابق: ص109.
(3) المصدر السابق، ص112.
(4) المصدر السابق، ص161.
(5) المصدر السابق، ص166.
(6) المصدر السابق، ص169.
(7) المصدر السابق، ص176.
(8) المصدر السابق، ص177.
(9) المصدر السابق، ص181.
(10) المصدر السابق، نفس الصفحة.
(11) المصدر السابق، ص183.
(12) المصدر السابق، ص185.
(13) المصدر السابق، ص195.
(14) المصدر السابق، نفس الصفحة.
(15) المصدر السابق، ص196.
(16) المصدر السابق، ص197.
(17) المصدر السابق، ص202.
(18) المصدر السابق، ص 213.
(19) المصدر السابق، ص236.
(20) المصدر السابق، ص237-238.
