يوميات (8)
تكتك...

وصلنا المدينة أخيرًا.. المدينة التي كنت أظنها خلاصًا، فإذا بها منفى أوسع وأقسى.. رائحتها إسمنت مغبر، ووعود كاذبة معلقة على جدران متشققة.
بدأ الترتيب للحياة الجديدة من الصفر، والصفر هنا يكلف الكثير.. عن طريق مكتب إيجار عقارات توصلنا إلى بيت للإيجار..
صاحب البيت.. يا لبؤس أصحاب البيوت.. كان وسخ القلب والمنظر.. عيناه تحفران في جيبك قبل أن تفتح فمك.. أصحاب البيوت في كل بقاع الأرض نسخة واحدة مكررة.. وجوه من حجر، وقلوب من دفاتر حسابات.
رمقني من أعلى إلى أسفل، وقال بجفاف:
- وما تشتغل؟
السؤال الذي يقتل الرجال قبل أن يجوعوا.. ابتلعت ريقي وقلت بلا تفكير، كأن شيطان الخيبة هو من نطق على لساني:
- أشتغل.. في الفرزة.. ساعي..
لا أدري لماذا قلت ذلك.. ربما لأن الفرزة التي تطل على البيت، ويمكن مشاهدتها من النافذة على مسافة، كانت أول شيء رأته عيناي في المدينة.. ساحة تضج بالغرباء الذين يشبهونني.. نعم.. يبدو أنني سأبحث عن عملي هناك.. سأكون ساعيًا.. سأحمل هموم الناس في أكياس نايلون.
تفرس فيَّ أكثر، وقال:
- نقلت عملك أو إيش؟ كما الفرزة هنا مليان مفرزين، أو شي معك عمل ثاني؟
فأجبته بوقاحة المفلس، وكذبة أخرى ولدت من العدم:
- أيوه.. معي تكتك!
لا أدري أيضًا لماذا قلت له: معي تكتك.. ربما لأن أصحاب البيوت والمؤجرين لا يؤجرون إلا لمن يملك عملًا أو قريبًا في بلاد النفط.. العاطل عن العمل ميت في نظرهم، والميت لا يستأجر بيتًا.
بعد أن وقعنا العقد واشترينا ستائر رخيصة تداري عورة الفقر، جلسنا على بلاط الشقة البارد.. لا فرشة ولا شيء، إلا نحن والخيبة..
سألتني زوجتي، وهي تمسح العرق عن جبين ابننا:
- والآن.. ماذا ستفعل فعلًا؟
ضحكت ضحكة تشبه البكاء، وقلت:
- سأعمل في الفرزة ساعيًا، كما وعدت الرجل..
قالت باستغراب:
- ألم تسمعه وهو يقول بأن الفرزة هذه مليانة؟ وهل هذا عمل يفتح بيتًا أصلًا؟
قلت وأنا أكمل مسرحية الكذب:
- وإلى جانبه.. سأعمل سائق تكتك في العصر..
التكتك دراجة نارية بثلاث عجلات، يركب عليها صندوق صفيحي مفتوح من الجوانب، يغطى أحيانًا بخرقةٍ تقي من الشمس ولا تقي من المذلة.. صوته أشبه بسعال شيخ مصاب بالسل، ورائحته خليط من البنزين والعرق واليأس.. لا أبواب له، فالفقير لا يحتاج بابًا يغلقه على كرامته.. تسلل إلى اليمن بعد أن مزقت الحرب حافلات النقل الكبيرة، وأكلت الأزمات سيارات الأجرة.. جاء من الهند كفكرة، واستوطن في أزقتنا كقدر.. صار ملك الشارع الضيق، يدخل حيث لا تدخل السيارة، ويقف حيث لا يجرؤ أحد.. سعره أرخص بكثير من سعر استئجار السيارات الخاصة التي تسمى بالتاكسي.. لذلك فهو مقبول، بل ومطلوب لدى عامة الناس..
قالت لي زوجتي:
- أعد ما قلته قبل..
ومستكملًا مسرحيتي الكاذبة:
- إلى جانب الفرزة.. سأعمل سائق تكتك..
انفجرت ضاحكة بمرارة:
- ساعي فرزة في النهار، وسائق تكتك في العصر؟
قلت لها بجدية المهرج:
- نعم.. أخبرت المؤجر بذلك، ويجب أن أفي بوعدي.. حتى لو كان وعدًا لرجل وسخ.
عجيب أمري فعلًا.. صرت أخترع المهن كي أقنع الآخرين أني ما زلت حيًا..
سألتها:
- كم تبقى من المليون؟
قالت، وهي تعد على أصابعها المرتعشة:
- لم نصرف إلا مائة ألف.. مواصلات وإيجار شهر..
قلت لها بحزم القائد المهزوم:
- بالباقي.. سنشتري ما تيسر من عفش مستعمل.. وطاولة مكسورة، وفراشين، ودبة غاز.. ونشتري تكتكًا.. ولو كان مستعملًا، وبه ننطلق بادئين حياتنا في المدينة.
- والفرزة؟
أشرت لها إلى النافذة.. تطل على ساحة الفرزة.. قلت لها:
- الفرزة.. لا أظنهم يقبلون بي.. انظري إليهم من النافذة.. انظري كيف يتزاحمون على العمل كسعاة.. مئات الرجال بأحلام مكسورة ينتظرون كيسًا يحملونه مقابل فتات.. صار السعي حلمًا.. وصار التكتك إمبراطورية..
في تلك الليلة نمنا على البلاط.. كان أخشن من حصير القرية، لكنه في المدينة.. والمدينة لا ترحم الغرباء.. حتى لو كانوا من أبنائها.
للبقية تتمة..
