الدولة العميقة في اليمن: نفوذ خفي أم واقع ظاهر؟
كنت قد طرحت في صفحتي على الفيس بوك هذا السؤال: "ماذا تعرف عن الدولة العميقة في اليمن؟"
فجاءت الإجابات غنية بالتجربة والانطباع؛ بعضها ثائر غاضب، وبعضها تحليلي، وبعضها ينفي وجودها من الأساس.
فما هي الدولة العميقة في السياق اليمني؟
وهل نحن أمام كيان خفي يتحكم من وراء الستار؟ أم أمام واقع سياسي واجتماعي راسخ يسكن في قلب الدولة ذاتها؟
طبعا، يتردد مصطلح "الدولة العميقة" كثيرا في النقاشات السياسية حول العالم، لا سيما في البلدان التي تشهد أزمات بنيوية مزمنة كاليمن. ولتتذكروا، تُعرف "الدولة العميقة" تقليديا بأنها شبكة من المصالح والقوى المتغلغلة في مؤسسات الدولة، لا ترتبط بالضرورة بالدستور أو القانون، ولكنها تتمتع بنفوذ فعلي في اتخاذ القرار، بغض النظر عن الإرادة الشعبية أو الشرعية القانونية.
في اليمن، طبعا، يختلط هذا المفهوم بالواقع السياسي والاجتماعي المعقد، مما يجعل تحديد "الدولة العميقة" مسألة أكثر غموضا مما تبدو عليه في ظاهرها.
لكنني ركزت أن كثيراً من المجيبين على السؤال أشاروا إلى أن جذور الدولة العميقة اليمنية تعود إلى السبعينيات، وتحديدا ما بعد تشكل الدولة الجمهورية في الشمال، والانقلاب على اول رئيس السلال.
فيما اتسع المشهد بعد الوحدة عام 1990، وصولا إلى ما بعد ثورة 2011، وقد دخلت البلاد دوامة من الصراعات، أنتجت كيانات متنافسة على النفوذ تحت مسمى "الدولة".
بالتأكيد هناك تحالف قبلي–عسكري، لأن تشكل القبيلة والجيش أحد أقوى أعمدة النفوذ التاريخي. وهو تحالف ديني–سياسي، خاصة مع صعود تيارات مثل الإخوان المسلمين، أو الزيدية السياسية في نسختها الحوثية.
كما أن هناك تحالفاً ماليّاً–اقتصادياً أيضاً، من خلال العوائل المسيطرة على القطاعات الحيوية كالبنوك، والنفط، والاستيراد، والجامعات.
ما يقودنا إلى ذلك التحالف المناطقي–العائلي، إذ تحتكر أسر ومناطق محددة المناصب العليا في الدولة، منذ عقود.
لكن هل الدولة العميقة يمنية فعلا؟ أم تديرها قوى من الخارج؟
أحد التعليقات أشار بوضوح إلى أن "الدولة العميقة تدار من خارج اليمن"، وهو قول لا يخلو من وجاهة.
فبفعل هشاشة المؤسسات الوطنية، أصبحت البلاد ملعبا لتدخلات إقليمية ودولية، بعضها يستخدم أدوات داخلية؛ أفرادا، وقبائل، وأحزابا، أو كيانات اقتصادية؛ لتثبيت نفوذه.
بالتالي، يمكن القول إن الدولة العميقة في اليمن ليست فقط داخلية، بل هجينة، تشكلت من تحالف مصالح داخلية–خارجية، وهذا ما يجعلها أكثر استعصاءً على التفكيك أو الإصلاح.
وإذ ثمة رأي لافت بين المشاركين يرى أن "الدولة العميقة، بالمفهوم التقليدي، غائبة في اليمن"، لكن هذا لا يعني غياب النفوذ، بل إن النمط القديم من المركزية السلطوية تغير بفعل الحروب والانقسامات، وتحول إلى "دول عميقة مصغرة" في مناطق سيطرة كل طرف.
ففي الشمال مثلا، تسيطر جماعة الح..وثي على مفاصل الدولة عبر منظومة أمنية، ودينية، وإعلامية مغلقة، تمارس دور الدولة العميقة بشكل مركزي.
بينما في الجنوب، تتنازع النخب السياسية والعسكرية المنقسمة بين المجلس الانتقالي والشرعية الرسمية، مما ينتج نموذجا آخر من الدولة العميقة، لكنه مفتت ومتنازع عليه.
أما أحد المشاركين، فوصف الدولة العميقة بأنها "نتيجة تراكم سنين من تسييس المؤسسات واحتكار السلطة والثروة"، وهذا الطرح يعكس بعدا بنيويا للمشكلة. فالدولة العميقة في اليمن لم تكن مؤامرة من وراء ستار، بل نتيجة طبيعية لعقود من ضعف المؤسسات، وغياب الحكم الرشيد، وتغليب الولاء على الكفاءة.
فلقد تم تسييس القضاء، وتفكيك الجيش، وإضعاف التعليم، وربط كل المناصب الحساسة بسلطة الفرد أو الجماعة، مما أسس لنمط "ما دون الدولة"، حيث الولاءات الشخصية والمناطقية هي التي تحكم، لا القانون أو الدستور.
ولكن هل من سبيل إلى تفكيك الدولة العميقة؟
حقيقة، يبدو أن الجميع يتفق، بوعي أو دون وعي، على أن الدولة العميقة كانت وما تزال عقبة أمام أي مشروع وطني جامع.
فيما تفكيكها لا يكون بإزاحة الأفراد فقط، بل بترميم النظام برمته: إعادة بناء المؤسسات، وترسيخ استقلال القضاء، وإصلاح التعليم، وخلق بيئة اقتصادية عادلة.
بمعنى أدق، هذه المهمة تبدو شبه مستحيلة في ظل "صراعات طواحين الهواء"، كما عبر أحد المعلقين، وغياب "الرؤية الجامعة"، كما قال آخر.
وربما تكون المفارقة الأكبر أن اليمن لا يملك دولة قوية بالمعنى المؤسسي، ومع ذلك يعاني من "دولة عميقة" بالمعنى الفاسد.
وهذا هو جوهر المأساة. فالسلطة لا تمارس دورها في بناء الدولة، بل في تكريس تفككها، وتحويل النفوذ إلى غنيمة.
في المحصلة، فإن الدولة العميقة في اليمن ليست شبحا، بل هي واقع مرير متجذر في بنية السلطة والمجتمع، لا يمكن تغييره إلا بوعي جمعي، يفرق بين الولاء للوطن والولاء للنفوذ، ويؤمن بأن العدالة ليست مجرد شعار، بل منظومة تبدأ من الفرد وتنتهي بالمؤسسة.أبرز التصحيحات كانت في مواضع الفواصل العربية (،)، والنقاط (.)، وعلامات الاستفهام (؟)، وعلامات الاقتباس، ومعالجة بعض الفراغات الزائدة حول علامات الترقيم، دون تغيير مضمون النص أو بنيته.
