عبدالرحمن منيف وروايته مدن الملح.. بادية الظلمات -الجزء الخامس والأخير (الحلقة الأولى)

إهداء: للزميل الصحفي القدير صادق ناشر
تَقَع الرِّوَايَة (الجُزء الخَامِس) في 584 صفحة. قطع مُتوَسِّط. طبع «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».
في عنوان فرعي «الذَّاكِرَة»؛ يعتبرها لَعنةَ الإنسان المُشتَهَاة، وَلعبتُهُ الخَطِرَة. يَتذكَّر فنر أيامه في «موران»، وَ«عين فِضَّة».. وَتظلُّ صُورةَ هاملتون الأقوى.
يَقولُ له هاملتون: «إنَّهُ بِحَاجَة إلى كَميَّة كَبيرة من البَحر لِمُوران: الكَميَّة الهَائِلة من الصَّحراء. وَالبحَر لَيسَ المَاء وَالزُّرقَة؛ وَإنَّمَا هو فَلسفة كَامِلة».
يضيف: «لا أريد أن أفسِدَ الفِطرَة التي يَتمتَّع بها سُكَّانَ هَذهِ الصَّحرَاء. وَأعرف أنَّ لَديكَ فَيضًا يَزيد عَمَّا تَحتاجُه، أو عَمَّا هُوَ مَطلوب في مِثلِ العَالم الذي نَعيش فِيه اليوم.. كُلَّ مَا أفترض أنَّهُ ضَروري؛ لكي تُولَد المُعَادَلَة الجديدة. أن يكون في قِمَّةِ الهَرَم بَ حَّارَة شُجعَان كَسَروا قُضبانَ سِجن الصَّحرَاء، وانطلقوا عَبرَ البَحر، وَلَيسَ غير صَحَارى أخرَى؛ لكي يُمثِّلُوا نُموذجَ هَذا العَصر»(1).
وَصفتهُ عَمَّتهُ (ماركو) بأنه: نِصف مُفكِّر، وَنِصف شَاعِر، ولكنها استبدلت وَصف الشَّاعِر بالمُغَامِر.
يَتناول المتاعِبَ اليومية التي يَتَعرَّض لَهَا في «العَوَالِي» إلى جانب فنر، «ولا يستطيع أن يستعيد نَفَسهُ إلا بِرَشَفَات من الويسكي»(2).
يَسرُد عَرضَ مَوضوع الكُحول عَلى السُّلطَان، وَأنَّهُ يشرب بِنصيحة الطبيب؛ فَيتلفت السُّلطَان، حَتَّى لا يَرى أحَدًا، ثُمَّ يَقولُ لَه: لا يمكن مُخالفةَ الطَّبيب.
وَعِندمَا تَغيب الرَّقَابة، أو يسافر خارج البلد؛ فَإنَّهُ يُفضِّل شُربَ الويسكي بدون إضافة الصُّودا، أو الثلج؛ ويقول: الإضافة تموهه؛ تُغَيِّر طَعمَهُ الحَقيقي. وَمَنْ يَتعَوَّد على الطَّعم الحَقِيقي؛ لا يَستسيغ أيَّةَ إضافة أُخرَى(3).
وَيَتحدث عن البَحر، وَأنَّهُ يُوَلِّد لَهُ عَقلية، وَنَوعًا من السُّلوك وَالتَّصرُّفَات مختلف عن مناطق الداخل، وعن الصَّحراء.. وَسُكَّان السُّهول يختلفون عَنْ سُكَّان الجِبَال؛ لأنَّ الطَّبيعة تَفرض قَوانينها(4).
وَيَربط سَيطرةَ بريطانيا على العالم بِتحرُّك أبنائها، وركوبهم السُّفُن.
وَيُشِير أنَّهُ عَرَضَ على فنر أن يَشربَ؛ فَامتنعَ، وَانتهى بِهِ الأمر أن يَشربَ هُوَ دُونَ حَرَج، ويعرف الآخرون، وَلا يَستنكرون(5).
يُورِد حِكايةَ مَلكٍ يَشرب وشعبه مِنْ ماء السَّمَاء؛ نَصَحُهُ مُنجِّمُوه بِأن يَحتفظ بِالموجود؛ لأنَّ السَّنة الجَديدة سَتغيرُ العُقُولَ؛ فَاحتفظَ بِالمَاء لَهُ وَلِجَمَاعتهِ، وَتَغيَّرَت عُقُول شَعبه؛ لشربهم المَاء الجديد؛ بَينمَا احتفظ وجماعته بِعقولهم؛ فَاعتقدَ النَّاسُ جُنونَهُم، وَدَعَوا إلى تغييرهم؛ فَخَالط الملك وقومه، وَشَربُوا معهم؛ لِيصِيروا مثلهم(6). وَكَثيرًا مَا رَدَّدَها خريبط على مَسمَع فنر.
كَمَا يورد قِصَّة خِطبة سَلمَان الفارسي من عُمرَ بن الخَطَّاب، وَتَحرُّج عمر وابنه عبدالله من تزويجه؛ فَوعدَهُم عمرو بن العاص بإنقاذهم، فَذهبَ إلى سَلمانَ، وَقَالَ له: «مبروك عُمر بن الخطاب يُريد التَّوَاضُع بِك بالتزويج».
رَدَّ سَلمَان: «إذا كَانَ يُفَكِّر هَكَذا؛ فَلن أتَزوَّجَ مِنه».
وَيُورِد قِصَّةَ الذي يَرقِي مِن وَجَعِ الضِّرس؛ بعدم ذِكرِ القِرد قبل النَّوم، وَالنِّسبَة إلى «عنان البسيوني».
ويورد حِكايةَ تَاجِر ادَّعَت زوجته أنَّ مَالهُ سُرِقَ؛ فَسَألهُ المنصور عن زوجته: بِكرٌ، أم ثَيِّب؟ ثُمَّ أعطاه عِطرًا قَويَّ الرَّائِحة، وقال له: هذا لك. فأعطاه لزوجته، وقال: هدية من الملك.
وَأمَرَ المَلك رجاله الوقوف بِأبوابِ المدينة؛ فَمَن شَمُّوا رَائحةَ العِطرَ مِنه مَسَكُوه. فَمَسكُوا رَجُلًا، وجاؤوا به؛ فلم يَعترف. فَسَلَّمَهُ لِلشُّرطَة، وَأمَرَ بِضربهِ ألفَ سَوط؛ فَاعترفَ الرَّجُل، وَسَلَّمهُ الدَّنَانير. فَاستدعَي المَنصُور التَّاجِر، وَسَلمَهُ المَالَ المَسرُوق، وَطَلبَ التَّفويض في أمر الزوجة، وَطَلَّقَها.
وَيورد قِصَّة امتحان عمر بن الخطاب لِعُمَّالِه، ومحاولة معرفة أمورهم، وطرائقهم في الحياة، والمأكل، والملبس؛ لِلتَّأكُّد من الاستقامة.
وَكلها مُكرَّسَة من قبيل خريبط؛ لتعليم فنر أساليب الحكم. وفنر -حِينها- كَانَ مَشدُودًا أكثر إلى حكايات جَدَّتِهِ «مزنة»، وإلى ذكريات قريته «عين فضة».
ولكن عنان بسيوني، وهاملتون يفتحان بصره على العَصر، ويقدم له هاملتون كِتابَ «الأمير»؛ ليقرأه وَيتمثله؛ بِاعتِبارهِ قَانونَ الحُكم في العَصر الحَدِيث..
«لَقَد ذَكرت لَكَ إذا أمكن دَمجَ الصَّحراء، والبحر، وَالدِّين في معادلة؛ فَعندئذٍ يُمكن الحَديث أنَّ دولة جديدة وُلِدَتْ في هذا الشَّرق، وَيُمكِن أن يكونَ لَهَا مُستقبل هَامّ»(7). وَإضَافة شَيءٌ مِنْ البَدَاوَة عَليهَا. (الكاتب).
أمَّا الصِّفَات المُختَارة التي قَدَّمَهَا هاملتون، والأفكار؛ فَهِيَ إبادة الأسرة القديمة، والاستيلاء على ممتلكاتها، وَعَدم تغيير في طبيعة النظام والضرائب، وَإقَامة المَقرّ في المُمتَلَكَات الجَديدَة(8).
يرى أنَّ النَّاسَ يُثَارونَ للإساءة الصَّغِيرة، أمَّا الكَبيرة؛ فَلا يَستطيعونَ الرَّدَّ. وَيَنصح الأميرَ بِأن تكون الإساءةُ بَالِغَةَ الخُطُورة تَفرضُ الخَوف.
وَيبدو أنَّ تعاليم ميكيافيلي لَدَى الأمريكان، وإسرائيل، وَالحُكَّام العَرَب، وَقَادة المليشيات= لَعِب أطفال؛ فَمَا يَفعلونَ بالأمَّة العَربِيَّة يَفوقُ التَّصَوُّر، وَيُزري بِأحكَام الأمير، وَأفكارِهِ الجَهنَّميَّة (الكاتب).
يَرَى أنَّ الضعفاءَ يُصبِحُونَ أنصارَ الأمير القَادِم؛ وَالسَّبب كَراهيتهم ومعاناتهم من أميرهم القديم.
وَيَطلب إضعافَ الأقوياء. وَيَرى فَرضَ الطَّاعة بِالقُوَّة؛ فالأنبياء النَّاجِحُون هم المُسلَّحُون؛ مُشَدِّدًا على انتزاع الإقناع بالإرغام، واستمراره، وَيُعرِّضُ باستخدام الفَظائع وَلِمَرَّةٍ وَاحِدة، أمَّا المَنَافِع فَقطرةٌ قَطرَة.
وَيَنصح باستهداف الحَرب دَومًا، وَألا يَنشغلَ الحَاكِم بغيرها؛ فَهيَ الهَدف الوحيد الذي يحتاجه مَنْ يَتولَّى القيادة. والأمير الذي يُفَكِّر بِالتَّرَف أكثرَ مِنْ السِّلاح والحرب مَآلهُ ضَياع الدَّولَة. وَيَنصحُ بقراءة تاريخ الحروب(9). كَمَا يُوحِي بتأمين وَسَائل الدِّفَاع ضِدَّ مَنْ يُفكِّر بإشهار الحرب ضِدَّه.
وَعَليهِ القِيام بالمشاريع دون أن يُرهِقَ شَعبه؛ فَيكُون كَريمًا مع الذين لم يأخذ أموالهم، وَشَحِيحًا مع الذينَ لا يَهبُهم المَال(10).
وَيَنصح الأمير بالإنفاق من ثروة شَعبه، والاحتفاظ بثروته، وألا يكترث بِوَصْمِهِ بِالقَسوة.
وبين خيار خوف الناس، ومحبتهم؛ يُفَضِّل الخَوف. ويوصي بتعلم بعض طباع الحيوان: مَكر الثَّعلب، وَقُوَّة الأسَد، وعدم الالتزام بِالوُعُود، أو مواثيق السَّلام.
وَعَليهِ أن يَجعلَ النَّاسَ يَرونَ فِيهِ الرَّحمَة، والوفاء، والنبل، والإنسانية، وَالتَّديُّن. وَيُشدِّد عَلى الأخيرة؛ لأنَّ النَّاس يَرونَ بعيونهم أكثرَ مِن أيديهم. وَيُعوِّل على الرؤية. وفي لحظة كَراهِيَّة النَّاس؛ عليه أن يَخشَى مِن كُلِّ إنسان، ومن كل شيء(11).
وَعَليهِ التَّشجِيع عَلى الصِّدق، وَالصَّرَاحَة مِمَّا يُنقَل وَيُقَال. وَعَليهِ -بَعدَ ذَلِكَ- أن يَفحَصَهُ، وَيُدَقِّق فِيه، ويتأكد، وَلا يَقبل النُّصحَ إلا إذا طَلبه.
بَعدَ القِرَاءة شَعَرَ بِالحِيرَة. لامَ نَفسهُ أنَّهُ لا يمتلك اللذَّة في تعذيب الآخرين. وَاستعرض رِجَال أبيه: دحيم، ومشعان، وابن مياح، وعمير. وَاستعرضَ حَالة خزعل. عَرَفَ من «موضي» قِصَصَ القَصر. فَالمرأة فيه مجرد فَرج، وَلا يَهمُّ أن تَنامَ مع عبدٍ، أو خادم، أو سُلطان(12).
طَلبَ من يونس شَاهين أن يَكتبَ أنَّ موران أكبر من موران، ومهمتها تتجاوز حُدُودَهَا، وَلَها دَورٌ في المُستقبَل.
طَلبَ من أحمد محمود الجمال أن يكتب لَهُ تِلكَ الوَصَايَا بِخَطِّ النَّسخ، وَوَضَعَهَا فنر في غُرفَتِه(13).
يُقَدِّم الكِتَاب تعليمات للأمير: عِندمَا يَحتلّ منطقة أن ينزع السِّلاحَ مِنْ أهلِهَا؛ باستثناء المُنضَمِّين إليه، وَالذينَ قَد يَكُون وَلاؤهم أهَمّ مِمَّن هُم مَعَه.
وعليه الاهتمام بالكفاءة، وَأن يَشغلَ الشَّعبَ بالأعياد، ومختلف المناسبات، وَالعُروضِ المَسرَحِيَّة وغيرها، وَاختيار الوزراء؛ مُشَدِّدًا عَلى ذلك.
وَيَرسُمُ ثَلاثةً من العُقُول: عقل يُدرك الأمور دُونَ عون أو مساعدة، وَثَانٍ يدركها بِالعون، وَثَالثٌ لا جَدوَى مِنه.
وَيَضعُ طَريقةً لاختيار الوزير. فَالوزير الذي يهتم بِأمرِهِ أولًا لا فَائدةَ فِيه. وَالأهَمّ الوزير الذي يكون الأمير هو الأهَمّ.
وَيَنصح بِاختيار العُقَلاء، والاستماع إليهم، وسؤالهم عن كُلِّ شَيء، وَالاستِمَاع إلى آرائهم في كُلِّ شَيء، وَأن يُفَكِّرَ بَعدَ ذَلِكَ بِطَريقتهِ الخَاصَّة.
وَيَتمثَّل صُورةَ خزعل: يَضحك. يَصخَب. يَأكل مِثلَ وَحش. يُحِبُّ النِّسَاء، كَمَا يُحِبُّ الهَوَاء، وينام- في النِّهَاية كَمَا تنام الحَيَّة.
وَفَكَّرَ في نَفسِهِ: كُلَّ شَيء يُزعِجُهُ؛ يجعله يُفَكِّر، وَيَقلق، وَيَحتار؛ إضافةً إلى أنَّهُ لا يُحِبُّ الأكل، إلا بِمَا يَجعلهُ قَادِرًا على البَقَاء. وَالنِّسَاء: «زينة» الوحيدة التي تَعني لَهُ شَيئًا(14).
يَتناول التَّأثِير البَالِغ على قِراءة تعليمات الأمير على فنر. وَيَقرأ المُشتَركَ بين البحر، والصحراء.
وَبَدأ التفكير في تصفية ابن مشعان، وَرَأي السُّلطَان أنَّ وُجُود ابن مشعان مُرتَبِط بوجود ابن ماضي، وَوُصُول المُسَاعَدة إليه.
وَتَعهَّدَ السُّلطَان بتصفية ابن مياح، وابن مشعان، وعمير (قادة الإخوان).
وَبَدأَ فنر العمل على التضييق على ابن مشعان في «العوالي». وَكَتبَ يونس شاهين أنَّ المحاربين إذا وقفت الحرب؛ يُحَارِبُونَ أنفسهم.
قال فنر: «إنَّ البدو نَفَسُهُم ضَيِّق»؛ فَبعدَ أن وَعَدَ القُنصُل بِنفضِ اليَدّ من ابن ماضي؛ فَقَد قَرُبَ الخَلاص مِنْ قَادة الإخوان.
طَلبَ ابن مياح من ابن مشعان تَركَ العوالي، والمجيء إليه؛ تَحضِيرًا للتمرد ضِدَّ موران.
وَتَعليقًا على الرَّسَائِل المتبادلة بين مختلف الأطراف، عَلَّقَ هاملتون: «هؤلاء البدو لديهم خاصية أنَّهُم يَفهَمُونَ ما لا يُكتَب.. مَا لا يُقَال بِشَكل مُباشِر.. وفنر يفهم ما يريده أبوه دُونَ كَلمَات».
وَرغمَ السَّنَوات الكثيرة التي قَضاهَا مَعَهُم إلا أنَّهُ مايزال لا يعرف كيف يتكلمون، أو كيف يفهمون(15).
وَيَرَى يونس شاهين أنَّ البدو يَخافُونَ الشِّتَاء، وَالغُربَة، وَالحُروب التي تُفرَض عَليهم.
يَنسِب الفضل في زيادة المُخَصَّصَات إلى فنر.
بَعدَ أن سَقطَ الفُرسَان الثلاثة: ابن مياح، وابن مشعان، وعمير الذينَ مَلؤوا الصحراء دَوِيًّا وَخُوفًا سِنينَ عَديدة؛ وموران -الإمارة الصغيرة المَنسِيَّة وَسَطَ الصَّحرَاء- أصبحت الآن تَفوق كَثيرًا مَا أرَادَهُ السُّلطَان، أو حَلُمَ بِه.
وَبَذلَ هاملتون جُهُودًا لتأمين مَوارِدَ عديدة بتوقيع اتفاقيات التَّنقِيب عن النَّفط، والانفتاح على العالم، وَكَانَ مَن اقترح التَّسمِيَة الجديدة باسم الأب الأكبر (هُدَيب): «السَّلطَنَة الهُدَيبيَّة».. طَلبَ فقط عَدمَ الإشارة أنَّهُ صَاحِبَ الاقتراح.
سَافرَ فنر في جَولةٍ جَدِيدة حَاملًا رَسَائلَ مِنْ أبيه؛ لِلحُصُول على الاعتراف الدَّولي.. أوصَاهُ بِالمُرور على «استامبول»، وَأن يَزورَ عائلة «رفيفان»؛ لكي يَخطب له ابنة بَندَّر رفيفان؛ لأنها مزيونة، وأبوها من جماعتنا(16).
وَيَسرد انبهار فنر بـ«ثروة»، وَالدَّور الذي لَعِبهُ بسيوني، وخطيبته ثروة، وتزويج فنر، وَعودتها وأمها «فريزة خانم».
كَانَ مُرسَلًا من أبيه؛ لِيخطبَ لَهُ ابنة بندر- صَديقهُ الذي غَدرَ به، وَدَفعهُ لِلفِرار إلى تُركيا. وَقَد عَانَى كَثيرًا مِنْ تَرْكِ موران مُكرهًا، وَأصِيبَ بِالخَبَل، وَظَلَّ يُهدِّد بِقَتلِ خريبط.
يُشِير إلى تَأثير رِحلَتهِ السَّابِقَة، أمَّا رِحلتهُ الحَاليَّة، فُيُحدِّثُ نَفسَهُ بقناعة واستغراب: «الإنسان -أيُّ إنسان- يَكتَسِب الكَثيرَ مِن التَّحَارب والمعارف والأسفار، وَتَجعلهُ باستمرار غَيرَ مَا كَانَ عليه قَبلهَا. أمَّا أن ينقلب بهذا المقدار، فَلا شَيءَ يَقوَى على ذلك إلا الله، وَالمَرأة(17).
كِبار الأسرة، وَالعَارفُونَ ببواطن الأمور، ويعرفون جِدًّا خريبط، وخزعل، وفنر= كَانُوا يُرَجِّحُونَ وِلايةَ فنر بعد أبيه، وَلا يُبدونَ ارتياحًا لخزعل.
وَتَصفُ ثَروةُ حَالةَ فنر بعد الزواج، وَدَورها في تغيير أحواله من الحُزن، وَالعُزلَة إلى إنسانٍ آخر.. «وَالمَرأة الذَّكِيَّة تستطيع أن تَعملَ كُلَّ شَيء»(18) (الكلام لفزيزة خانم).
وَأضَافَت: «عِندَ عَتبات غُرفَ النَّوم يَترك الرِّجَال ألقابهم، وسيوفهم، ونياشينهم. أمَّا حِينَ يَنزَعُونَ سَرَاوِيلَهُم؛ فَإنَّهُم يَتَخلَّونَ عن قَسوتِهِم، وتحفظهم، وخوفهم، وَيُصبِحُونَ أكثر استِعدَادًا لِلفَهم، والاستجابة؛ شرط أن نَقُولَ لَهُم الشَّيءَ المُنَاسِب، وَعَلى دُفعَات تَتَناسب مَع اهتزازات السَّرِير(19).
تَعَلَّمَ مِن هاملتون أنَّ جُزءًا مِنْ مَحبَّة الشُّعوب لأمرائها شُعُورُهَا بِأنَّ أمراءَهَا مُختَلِفُون.
كَانَ يَكرهُ تَصَرُّفَات خزعل، وطريقته في التَّعَامُل مع الآخرين.
سَمَحَ فنر لِعَمَّتِهِ بالتدخين أمامه، وَكَانَ يولع لها سِجارتَها، وتولع بسجارته.
سَألت فريزة خاتم عنان: «مَا فهمناه أنَّ السُّلطَان نفسه يُرِيد ثروة».
رَدَّ عنان بمكر: «يريدها لابنه فنر.. وَابن السُّلطَان سُلطَان»(20).
بَعدَ مَجِيء فريزة إلى مُورَان؛ شَعَرت بِالضِّيق، وَالخَوف.. بَدَتْ لَهَا مُورَان مُوحِشَة.. أقرب مَا تكون للأحياء النائية والبعيدة من إستامبول، وَلَكنَّ ثروة أقنعتها بِالتَّكيُّف.
وَيَسرد الراوي التغيير الذي طرأ على فنر.
وَيَسرد عدم توقف رِيَاح الصَّحراء عن الهُبوب: يَومًا قَويَّة، وهادئة.
رَافقَ فنر والده إلى «عين دامة»؛ ليطرحَ عليه قَضيَّةَ عمير- خَالِهِ المُعتَقَل، ولكنه عَرفَ أنَّ عمير قد نَسِيَ خريبط، وانشغل بشتائم فنر؛ فَصَرفَ النَّظَر.
وَتَناول ما يقوله أهل مُورَان عن العجرمي- صِهر السُّلطَان ومفتيه، وعن ضرورة الانتساب للملكة الجديدة (الهُديبيَّة).
وَيَتناول التَّحَوُلات الاجتماعية، وَالتَّطَوُّرَات، وَأسلوب الإدارة المُتَّبَع، وَمَدَى حَفَاوة واهتمام السُّلطان بِالصناديق الخاصة بالإدارة؛ وَبِالأخص الصندوق المحتوي على الأمور المتعلقة بِالتَّوَقِّي من الأسَحَار، وَالمَكائِد، وَأمُور الشَعبَذَة.
كَمَا يتناول المُؤامَرة التي اكتشفَهَا راكان وَأمُّهُ فِضَّة؛ والمتعلقة بمحاولة اغتيال السُّلطَان، وَيَقف وراءها ابن مياح، ويشترك فيه بعض الخدم والعبيد، وَقَد أدَّت إلى إعدامات سَبقَتْ الإشارة إليها، وَتَرتَّبَ على ذلك تعيين رَاكان قَائدَ الحَرَس لِلقَصر.
يَسأل هَاملتون فنر عن عدد إخوانه؛ فيقول: إنَّهُ يَعرف عند مجيئه إلى موران، كانوا عشرين، أمَّا الآن فلا يَعرِف.
في مواجهة الرِّيَاح الشَّرقِيَّة التي تَهُبُّ مِنْ جِهَةِ الصَّحرَاء، كَانت رِيَاح البَحر تَهُبّ من الجهة الأخرى. وعند سُفُوح «جِبال الصَّد» العَالية الممتدة، وفي الأودية العميقة، كانت رِيَاح الصَّحرَاء، وَرياح البحر والتي لا تتوقف عن الهبوب مُعظمَ أيام السَّنة= تلتقي(21).. تَتَواجَه لأول مرة... تَتَصَارع.. تَلتَحِم.. تتقدم، وَتَتَراجع؛ تَفعل ذَلِك دُونَ تَوَقف؛ غَيرَ آبهةٍ بالحواجز وَالعَلامَات التي وَضَعها البَشَر؛ كما لا تَعترف بِالرَّغَبات، أو الأمزجة.
شَعَرَتْ ثروة بالثقة بعد الانتقال إلى العَوَالي، وَرَأت البَحر، وَذَكَرت بَحرَهَا الأزرق.. غَضِبت مِنْ سَفَر زوجها دُونَ أخْذِهَا مَعَه.
النِّسَاء في هذه البلاد لا يُبلغنَّ الرِّجَال بِالحَمل. وقدرة المرأة أكبر من قُدرة الرَّجُل؛ تستطيع أن تتعلم مَا لا يستطيعه الرَّجُل في سِنينَ؛ لأنها تَدفع الثَّمَن.
تَنصَحُهَا أمُّهُا بالاهتمام بِالطِّفلِ الكَبير، وتترك لَهَا الطِّفلَ الصَّغِير.
يَكتب هاملتون في «مذكراته»: «إنَّ الشرقيين مَفتونونَ بِالحديث عَن الجِنس أكثر مِنْ مُمَارَسَتِه؛ بل وَإلى الظِّلال، وَالطُّقُوس التي تُحِيط بِه. وَقَد تَكونُ أكثرَ أهَميَّة، ويتساءل: هل للأمر علاقة بِالشِّعر، أو بِالتُّرَاث، والاعتماد على الأذن أكثر من العين؟».
وَيُلاحِظ الحضور لِلجنس مُنذ الرُّومَان؛ وَالفرد العادي في أوروبا لا ينشغل به تَمامًا. وَيُشَدِّد على أهمية زواج فنر.
العَوَالي التي ظَلَّتْ تستقبل السُّفُن، وَالغُرباء، وَالأخبار، وامتلأت ذاكرتها بِكَلمَات الحُكَّام: الأتراك، وابن ماضي، وخريبط؛ مع وُعُودِه، وَسُيوفِه= رَأتْ المُلوكَ يأتون، ويذهبون، وَمَعهُم المَوت، وَالحِصَار، وَالجُوع. وتظل متأكدة أنَّ الذين يَأتونَ حَديثًا لا يَعنونَ ما يقولون(22).
وَمَعَ القِصص التي تُروَى، والأخبار التي تُنقَل تُصبِح النِّكَات أكثرَ وُضُوحًا وَحِدَّة، وَالأغاني تُشعِلُ الأحزَان، وتفتح كُوىً صَغِيرةً في النَّفس؛ لِيَكُوَن الغَدَ أفضلَ، وَالحُكَّام يُشبِهُونَ السُّيول: تأتي، وتذهب؛ ويبقى البحر، وتبقى العوالي(23).
تَعتزُّ العَوَالي بِالغِنَاء، وتعتبره سَلوتَهَا، وَطَريقتها في الفَرح؛ ومغنيها الكبير عمر زيدان يَصِل إلى مِصرَ وَالشَّامَ؛ لِيغَنِّي هناك، لَكِنَّ الحَربَ حَجَزتهُ، وَجِبال الصَّد أصبَحَت حَاجِزًا.
بَكَى حِينَ أمرهُ أحد مرافقي السُّلطَان أن يَذهبَ؛ لِيغني في المقابر. قال له التُّركِي: «لا نُغَنِّيْ إلا لِمَن نُحِبُّهُم، أمَّا مَنْ يُغَنِّي لِلمُلوك؛ فَإنَّهُ يَبقَى أسِيرَ قُصُورِهِم»(24).
يَصف الحَالةَ البَائِسةَ بَعدَ سُلطَان موران، وجماعة خريبط: «النَّاس الخوف قاطع قلوبهم.. كُلُّهُم يَعشَقُون، وَيُغَنُّون بِالسِّر»(25).
الهوامش:
(1) مدن الملح؛ بادية الظلمات، عبدالرحمن منيف، ص8.
(2) المصدر السابق، ص11.
(3) المصدر السابق، ص12.
(4) المصدر السابق، الصفحة نفسها.
(5) المصدر السابق، ص12.
(6) المصدر السابق، ص15.
(7) المصدر السابق، ص24.
(8) المصدر السابق، ص26.
(9) المصدر السابق، ص26-27.
(10) المصدر السابق، ص27-28.
(11) المصدر السابق، ص29.
(12) المصدر السابق، ص33.
(13) المصدر السابق، الصفحة نفسها.
(14) المصدر السابق، ص32.
(15) المصدر السابق، ص41.
(16) المصدر السابق، ص54.
(17) المصدر السابق، ص62.
(18) المصدر السابق، ص66.
(19) المصدر السابق، ص67.
(20) المصدر السابق، ص71.
(21) المصدر السابق، ص90.
(22) المصدر السابق، ص100.
(23) المصدر السابق، ص100-101.
(24) المصدر السابق، ص103.
(25) المصدر السابق، ص104.
