سردية الحصار.. قراءة في تجربة القاص أحمد قاسم العريقي ورواية "عرس على صفيح ساخن"

تعد رواية أحمد قاسم العريقي "عرس على صفيح ساخن" نصاً إشكالياً بامتياز؛ فهي لا تكتفي برصد الواقع، بل تعيد إنتاجه جمالياً عبر بوصلة سردية تتحرك بين سكونية "قاعة العرس" وحركية "الصفيح المشتعل" في الخارج.
الرواية التي تتكون من (214)صفحة موزعة على ثمانية فصول اطلق عليها الكاتب بالمشاهد اسم "المشاهد" كبناء يمنح الرواية طابعاً درامياً وحركياً، وكأن القارئ يشاهد لقطات سينمائية متتابعة ترصد تفاصيل "العرس" كبؤرة زمنية ومكانية تنفجر من خلالها القضايا والهموم.
أستطيع القول أنها رواية ناجحة بدليل أنه عند التشريح النقدي المعمق لبنيتها الفنية ودلالاتها السوسيولوجية سيجد أن الكاتب كان ملماً، ومتمكناً إلى حد بعيد من أدواته المعمارية في البنية السردية، والتي سأتي عليها كمحور ثاني بعد تسليط الضوء على تجربة الأديب العريقي.
المحور الأول: إضاءات على التجربة الإبداعية للأديب العريقي
بداية .. أشير إلى أن معرفتي بالأديب القاص والشاعر الدكتور أحمد قاسم العريقي بدأت بأحد أيام عام 2008 عبر الأديب القاص والشاعر محمد عبد الوكيل جازم، وكان بمعية الدكتور العريقي كتابه الأول "مقامات العريقي'، وأتذكر عندما سألته عن صفحة الغلاف أو رسوم داخل كتابه أجابني انه هو من رسمها، وقال لي أنه يأخذ دروساً في الرسم عند أحد الفنانيين التشكيليين اليمنيين.
بعد ذلك توطدت العلاقة أكثر من خلال زياراته لاتحاد الادباء والكتاب اليمنيين، وخاصة بعدما وجدته قارئاً لمجموعة كتاباتي البحثية التي كنت أنشرها بصحيفة الثقافية بتعز، وعلى نحو أخص تلك التي خصصتها عن أُس تشكلات الكتابة السردية، وتقاناتها..... الخ ذلك.
وجدته مندفعاً بوعي كبير لاقتحام مجال الأدب دونما تهيب، وكأنه يريد مطاردة الزمن لتدارك ما فاته من وقت يفترض أنه قد ترك فيه بصمته الإبداعية من كتابات سردية، وشعرية.
نعم وجدته من القلائل الذين قدموا إلى إتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين وهم جاهزون كل الجاهزية ليكونوا ضمن المشهد الثقافي الإبداعي في اليمن، ولا يحتاجون إلى مخالطة الأدباء والمبدعين في مجالسهم كي يتعلموا منهم أسرار الصنعة الإبداعية.
وليس ثمة برهان يؤكد على ما أقوله هنا من مبرهنته الإنتاجية الماثلة أمام أعيننا بمؤلفاته التي تجاوزت عشرة إصدارات إبداعية بين روايات ومجموعات قصصية، ومجموعات شعرية في أقل من عشرين عاما، وحصاده لعدد من الجوائز الأدبية على بعضها، وترجمة بعض منها إلى اللغتين التركية، والإنجليزية.
لا شك أن هنالك روافد ذاتية، وموضوعية شكلت في مجملها المعمار الفكري الإبداعي للدكتور أحمد قاسم العريقي، ومكنته من الإقتدار عن جدارة في غزارة الكتابة السردية والشعرية المائزتين عن تجارب أخرى متزامنة مع تجربته خلال العشرين سنة الأخيرة، ومن تلك الروافد على سبيل المثال لا الحصر أنه أكاديمي في مجال الصيدلة التي يمتاز دارسيها عن غيرهم في معرفة تركيب العناصر الكيمائية الدوائية، والتداخلات المعقدة في تركيباتها، والعوامل المؤثرة سلباً، وإيجاباً على وظائفها، وأغراضها، ولا شك أن تمكن مبدعنا العريقي من ذلك أفاده كثيراً في معاييرة المعطيات الإجتماعية والسياسية، والثقافية، واتصالاتها بحياة الناس، وتأثيراتها عليهم.
ورافد أخر أن العريقي متحصل تحصيلاً كبيراً على كل ما يحتاجه الكاتب كمبدع من ثقافة شاملة مفتوحة على كافة جوانب، ومجالات الحياة، فلا حد سيقف أمامه، ولا يقتحمه، و يعيش تفاصيله، بل ويستمتع بالتماهي معه سواء في الموسيقى، والغناء التراثي، والحداثي، المحلي، والعربي، أو في السينما، والمسرح، والفنون الجميلة، وكل الإرث الثقافي اليمني والعربي، والإنساني، بكل ما يحمله مصطلح الثقافة من محمولات ومدلولات، وجميعها جعلته مكتضاً معرفياً وثقافياً.
ومن الروافد التي شكلت تجربته الإبداعية أيضاً الرافد الذاتي المتمثل بحضور البداهة، أو الذكائين العقلاني، والعاطفي على حد سواء باعتباريهما من شروط وأساسيات الكاتب المبدع، إلى جانب روافد الهمة، والرغبة، والاستعداد للمغامرة، والمغايرة في الكتابة الإبداعية.
كل تلك الروافد وغيرها كثيرة هي ما يجب ان يعرفها ويدركها القارئ الشغوف للروايات أو الشعر قبل القارئ المتخصص في الكتابة الإبداعية او النقدية، وهو يقرأ قصص، وروايات، وأشعار الدكتور أحمد قاسم العريقي حتى يبقى مطمئناً من أنه لا يهدر وقته سدىً في قراءة أي مؤلف من مؤلفات العريقي، ومن أنه يقرأ لأحد الأدباء والكتاب الكبار.
أديب استطاع ــ رغم العوائق والعقبات والظروف القاسية التي تشهدها البلاد ــ في أقل من عشرين سنة أن يرفد المكتبة اليمنية، والمشهد الثقافي الداخلي بعناوين في منتهى الإبداع هي:
- مقامات العريقي، شعر، مركز عبادي للنشر والتوزيع، 2006م.
- غلطة قلم (مجموعة قصصية)، عبادي. للنشر والتوزيع، 2012م.
ــ الرماد الأخضر، (ديوان شعر)، عبادي للنشر والتوزيع، 2013م.
- كُرات الثلج، مجموعةمَجْموعةٌ قصصيَّةٌ مِن وحْيِ التُّراثَيْنِ العَرَبيِّ والإِنْجليزي صدرت عام 2017م.
ــ يوم مات الشيطان رواية صادرة عن دار هنداوي بالقاهرة عام 2017 مترجمة للغة التركية.
- دعوة الحقول، (ديوان شعر)، 2019م
- تعرية، رواية تغُوصُ في أعماقِ المجتمعِ اليَمَني صدرت عن دار مقام القاهرة، 2018م.
- زُربة اليمني، رواية، مؤسسة هنداوي، 2019.
- رواية زهر الغرام، تأهلت إلى القائمة الطويلة في جائزة الشيخ راشد بن حمد عام 2020م.
ـ رواية "عُرس على صفيح ساخن" فازت بالمركز الثاني في جائزة السرد اليمني 2021 ـ (حَزَاوي) في دورتها الأولى لعام 2022م. وصدرت عام 2023م.
ــ باهوت يفرس أيام أحمد بن علوان ولياليه رواية صدرت عام 2023.
ــ جمهورية الكلاب رواية صدرت عام 2025 عن مكتبة خالد بن الوليد بالقاهرة.
ــ سيرة كوبي رواية صدرت عام 2025 عن مكتبة خالد بن الوليد بالقاهرة.
ــ أوراق من مملكة سبأ رواية صادرة عن دار الكتب اليمنية 2026.
كل هذه العناوين تعكس إلى حد بعيد مدى انتماء الكاتب لبيئته، وسعيه الدؤوب لتأصيل واقعه من ناحية، ومن ناحية أخرى للتعبير عن تطلعات مجتمعه في حياة مثلى غير الحياة السوداء التي جُبل عليها رهبة لا رغبة.
إن ما أشرت إليه أعلاه ليس سوى فيض من غيض الدكتور أحمد قاسم العريقي اقتضت الضرورة هنا إحاطة القارئ به كيما يكون على دراية كافية بصاحب رواية عرس على صفيح ساخن التي سأتناولها بالنقد، والدراسة بغية تسليط الضوء على عوالمها الجمالية في المحور التالي.
المحور الثاني: معاينة نقدية في رواية "عرس على صفيح ساخن"
تعد رواية عرس على صفيح ساخن من أروع الروايات التي كتبها العريفي، وكيف لا وقد
فازت بالمركز الثاني في جائزة السرد اليمني (حَزَاوي) في دورتها الأولى لعام 2022م.
فياترى.. ما هي المعايير التي نستطيع من خلالها قياس مدى نجاح هذه الرواية، وكاتبها الذي أبدع فيها أيما ابداع..؟
الإجابة... تلك المعايير تتمظهر فيما يلي:
1. الحبكة والمتن الحكائي: "تزمين الوعي" بين اللحظة والتاريخ
اعتمد الكاتب ما يمكن تسميته بـ "الحبكة العنقودية المكثفة" أو حبكة "الموقف الوجودي".
الحدث المركزي هو (يوم العرس)، لكن العريقي قام بعملية تزمين للوعي، حيث لم تكن الأحداث مجرد خيوط متسلسلة، بل كانت بؤرة تنفجر منها ذكريات وصراعات.
بنية الاسترجاع:
لم يكتفِ الكاتب بالتسلسل الخطي، بل استخدم "الفلاش باك" كدفقات شعورية وضرورة درامية.
على سبيل المثال، مشهد تزيين العروس "نهلة" لا يعمل كوصف مادي، بل كمرآة تستدعي مقارنة بؤس الحاضر بماضٍ كان أكثر تماسكاً قبل أن يمزقه الرصاص.
المنطقية والترابط:
تكمن عبقرية الحبكة هنا في "تلاحم الأضداد"؛ فالتوازي بين مشهد الرقص وهدير الطائرات ليس مجرد صدفة سردية، بل هو تلاحم وجودي يجسد حالة "التيه" اليمني، حيث تصبح "عبثية الأحداث" هي المنطق الوحيد الممكن داخل النص.
2. التقانة السردية: "الراوي العليم" كـ "بانوراما" اجتماعية
لم يكن استخدام "الراوي العليم" (ضمير الغائب) خياراً تقنياً عابراً، بل كان ضرورة نقدية لتحقيق مفهوم "المشهدية الشاملة".
دلالة الاختيار:
لو انحبس السرد في ضمير "الأنا"، لغابت عنا تفاصيل "كواليس" قاعة النساء أو خفايا "مقايل" الرجال.
الراوي هنا يعمل كـ "عين سينمائية" ذكية تخترق الجدران؛ تنتقل بسلاسة من لمعة العقد في جيد العروس إلى غبار المتارس في الجبهات البعيدة، مما يمنح النص قدرة على تأريخ اللحظة من الأعلى، وصهر الفردي في الجماعي (الحرب، القبيلة، المجتمع).
3. عالم الشخصيات:
من "الأرواح المأزومة" إلى "التعميق الدرامي"
رفض العريقي تقديم شخصيات مسطحة، وبدلاً من ذلك صاغ "شخصيات نامية" تعيش مآزقها الخاصة.
العمق النفسي:
نجد شخصية "نهلة" (العروس) التي تتحول من مجرد أيقونة للجمال إلى "جثة حية" تحت أكوام المكياج، تجسد الصراع بين الواجب الاجتماعي والانكسار الداخلي.
أما شخصية "إقبال ناصر التيس"، فهي تتطور من دور المراقب الساخر إلى صوت يعبر عن "أزمة جيل" كامل وجد نفسه في صالة انتظار كبرى تسمى الوطن.
الأبعاد:
أبدع الكاتب في توظيف البعد الجسماني (البذخ، الزينة، الملابس) ليكون قناعاً يخفي خلفه البعد النفسي (القلق، الفراغ).
لقد جعل من "الجسد المزين" في الرواية وسيلة لتعميق إحساس القارئ بـ "الروح المهشمة"، مما أضفى واقعية مفرطة على البناء الدرامي.
4. الفضاء الروائي: المكان كـ "زنزانة مزخرفة" والزمان كـ "فخ"
المكان:
قاعة العرس في تعز ليست خلفية جغرافية، بل هي "مكان مغلق".
لقد جعل العريقي من القاعة "وطناً مصغراً" يحاول الانفصال عن الخارج بالبخور، لكن الخارج (الحرب) يقتحم الداخل باستمرار عبر الأخبار والجثث والذكريات.
المكان هنا هو دلالة على "الحصار النفسي" الذي يسبق الحصار المادي.
الزمان:
ثمة براعة في التمييز بين زمن الحكاية (الذي يمتد لسنوات من التحولات منذ 2011) وزمن السرد (الذي تكثف في ساعات يوم 24 نوفمبر 2017).
هذا التمديد للساعة الواحدة في السرد جعل النص يتنفس "ثقلاً زمنياً"، وكأن كل لحظة فرح هي فخ متربص بصاحبه.
5. اللغة والأسلوب: حين تنطق "التقريرية" بلسان "الشعرية"
القاموس اللغوي:
جاءت لغة العريقي كـ "لغة مشهدية" بامتياز. هي مزيج فريد بين الشعرية الرمزية التي تصف مشاعر الفقد، وبين التقريرية الواقعية التي ترصد تفاصيل "المداعة والقات والرصاص".
الحوار:
الحوار في الرواية هو "مختبر الهويات". الكاتب لم ينمّط اللغة؛ بل جعل المثقف يتحدث بوعيه المأزوم، والشخصية الشعبية بلهجتها الفطرية المشبعة بالدلالات.
الحوار هو المحرك الفعلي للحبكة، لأنه يكشف الصراعات الطبقية والسياسية خلف الابتسامات المصطنعة.
6. البنية الفكرية والسوسيولوجية: الرواية كـ "مشرط جراح"
الثيمات:
الثيمة الكبرى هي "هشاشة الوجود".
كيف تعيش "الزغرودة" في جو مشحون بالبارود؟.
استطاع الكاتب تمرير رؤيته للعالم عبر "التشييء"؛ أي جعل الأشياء (البخور، الطقم العسكري، فستان العرس، الرصاص الراجع) هي من تنطق بالرسائل الفكرية بدلاً من الخطابة المباشرة.
النقد الاجتماعي:
تعد الرواية تشريحا لـ "بنية المجتمع اليمني" في لحظة الانهيار.
هي لا تنقد السياسة كأرقام، بل تنقد "العقلية" التي تحاول ممارسة الحياة بينما كل شيء يتداعى.
البنية هنا "مفتوحة على الجرح"، لا تقدم حلولاً وهمية بل تقدم تشخيصاً موجعاً للواقع.
7. الإضافة النوعية والوحدة العضوية: "تأريخ المشاعر"
ويتجلى ذلك من خلال:
الإضافة النوعية:
تكمن في تقديم ما يمكن تسميته بـ "أدب الحصار من الداخل" أو "سردية الهامش".
لقد تجاوز العريقي رواية الحرب التقليدية (الجبهات والأبطال) ليوثق "تاريخ المشاعر" المنسية خلف الجدران.
الوحدة العضوية:
النص يمثل "سيمفونية جنائزية" متناغمة.
كل عنصر، من دلالة اسم الشخصية إلى وصف رائحة البخور المختلطة بالبارود، يخدم الوحدة الكلية للنص.
لا يمكن انتزاع مشهد واحد دون أن يختل التوازن الدرامي للرواية.
خاتمة
إن رواية عرس على صفيح ساخن في تصوري هي صرخة فنية مرسومة بوعي ناقد يدرك أن الرواية هي التاريخ السري للناس.
لقد نجح الكاتب المبدع أحمد قاسم العريقي في تحويل حادثة عرس إلى وثيقة جمالية تدين الحرب وتحتفي بالإنسان في آن واحد، مما يجعلها علامة فارقة في السرد اليمني المعاصر.
