الإثنين 1 يونيو 2026

الوطن: إستعادة المُتخيل

إن استعادة مفهوم الوطن عبر بوابات الحنين المعاصر لا تعكس مواجهة مباشرة مع الحقيقة التاريخية، بل تمثل عملية إعادة تشكيل جذرية للماضي بما يخدم حاجات الحاضر ويرمم تصدعاته، ذلك أن «كل استعادة لمفهوم الوطن اليوم ليست إلا عملية تجميل عنيفة لذاكرة المكان».

هنا لا يُفهم الوطن بوصفه معطى جغرافيًا أو أرضًا أو حدودًا، بل بوصفه بناءً رمزيًا يتشكّل عبر الصورة المتخيلة عنه داخل الوعي المعاصر.

إن تكرار الاستدعاء العاطفي للوطن، والحديث المتكرر عنه، والحنين إليه، في محاولة لإعادة إنتاج معناه وحضوره، يقتضي الفصل بين واقعية الخطاب السياسي والإعلامي، وبين محاولاته لتكييف الواقع وفق أولوياته.

ويمتد هذا التكييف إلى الدفع نحو استمرارية الواقع بالشكل الذي يخدم أولويات النخب السياسية المنفصلة تمامًا عن واقعها، وكأنه واقعٌ يُعاد تثبيته وإدارته بدلًا من مساءلته أو تغييره.

لا يعكس هذا التصور مواجهة مباشرة مع الواقع أو الحقيقة كما هي، بل يشير إلى عملية إعادة تشكيل للذاكرة؛ ذاكرة تُعاد صياغتها لترميم الحاضر وتوليد هوية انتقائية أكثر قابلية للاستدعاء العاطفي.

وفي هذا السياق، تتحول الذاكرة إلى فضاءات رمزية مشحونة بالدلالات، تُحلّ محل الواقع بتناقضاته، بينما يُعاد إنتاج التجربة الماضية عبر حذف عناصرها الصادمة وتضخيم لحظاتها المتصالحة مع الرغبة ( الخطاب السياسي والإعلامي بعد وفاة عبدربه نموذجاً).

وهكذا لا تتم استعادة الوطن بوصفها فعلًا واعيًا، بل عبر إكراهٍ رمزي للذاكرة يقوم على نسيانٍ موجّه، وترميم التصدعات، وإخفاء الخيبات والهزائم التي طبعت المكان.

إننا أمام محاولة لتجريف الواقع لصالح استدعاء الماضي، بحيث تتحول الذاكرة إلى نسخة منقّحة من ذاتها، بينما لا يتطابق الخطاب مع الوقائع، بل يُعاد تأويلها بما يخدم عملية تزييفها.

بمعنى أن الوطن المستعاد هنا ليس إلا بناءً وهميًا وتجربة متخيلة أعادت صياغتها الذاكرة، بحيث يصبح قابلًا للحب والحنين أو قابلًا للعيش قبل كل شيء، وفي ذلك قدرٌ من العنف الرمزي الموجّه نحو الحقيقة.

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تفكيك هذا التصور، لأن الإشكال لا يتعلق بالذاكرة وحدها، بل بالطريقة التي يُعاد بها إنتاج الواقع داخلها.

وبهذا المعنى، يكون الوطن المستعاد بناءً ذهنيًا أكثر منه واقعًا حاضرًا، إذ يُعاد تعديل الحقيقة وإخفاؤها بما يجعلها قابلة للتعايش، دون إحداث تحول حقيقي في واقع هذه الأوطان.

فلا يمكن لأي استعادةٍ للوطن أن تتم دون توصيفٍ حقيقي للحاضر، بدلًا من إعادة إنتاج الذاكرة داخل حدود خطابٍ يسعى إلى ضبط الواقع بدل مساءلته. فالوطن هنا لا يظهر كحقيقة مكتملة، بل كأثرٍ يُعاد تشكيله في كل مرة بما يسمح باستمرار وهم القابلية للتصديق، حتى لو كان ذلك على حساب مواجهة الواقع كما هو.