مرحلة الدراسة الجامعية
لم أستمر بالدراسة كثيرًا بالمعهد؛ بسبب بدء الدراسة الجامعية. ولو خيرت الآن بين المعهد، والجامعة، لما ترددت في اختيار مواصلة الدراسة في المعهد على الدراسة في الجامعة.
أثناء التنسيق بالجامعة في كلية الآداب، وقع اختياري على دراسة الأدب الإنجليزي، وخضعت مع الطلاب المتقدمين لاختبار قبول.
وَلمَّا جئت اليوم التالي لأرى النتيجةَ في الكشوفات المُعَلَّقَة في سَاحة الجامعة، لم أجد اسمي ضِمنَ المَقبولين. وَفِيمَا أنا جالس على أحد المقاعد قَريبًا من الكافتيريا، سَألني أحدهم؛ وكان الأخ حسين الورد الذي أصبح زميلي، وصَارَ دكتورًا جامعيًّا فِيمَا بعد= عن نتيجتي، فأخبرته بأني لم أوَفَّق في الاختبار، فقال لي: وأنا كذلك.
ثُمَّ سألني عمَّا أنا صانع؟ فقلت له: سوف أتقدم لقسم اللغة الفرنسية. فسألني إن كُنت على معرفة باللغة الفرنسية؛ فأجبته أنه ليس لدي أدنى فِكرة عنها، لكن الأمر سهل، فالقبول في هذا القسم لا يخضع لاختبار قبول؛ وإنما هي مقابلة شخصية وأسئلة عامة تجرى لا تتعلق باللغة نفسها، بل مجرد أسئلة نحو: الأسباب التي دفعت المتقدم للالتحاق بالقسم، وعن الطَّريقة التي سَمِعَ بِهَا عن هذا القسم الذي تَمَّ افتتاحه قَريبًا، وأشباه ذلك.
فأبدى سروره وقال: إذن سنسجل سَويًا. وَتَمَّت المقابلة واجتزناها، وتَمَّ قبولنا في القسم.
في تلك الفترة حدثت معي حادثة المسجد التي تحدثت عنها سَابِقًا، وبدأت بالمواظبة على الصلاة، وأدائها في المسجد، وعزمت على حفظ القرآن، فكنت أحفظ كُلَّ يوم أربع صفحات بعد الفجر، وأراجع محفوظي بين المغرب والعشاء. فحفظت سورة البقرة، وآل عمران، والنساء.
ولم يَأتِ رمضان إلا وكنت أنبِّه الإمام -بعض الأحيان- حين يخطئ في قراءته في صلاة التراويح.
لم أستطع التوفيق بين نزوعي الديني الجديد والمتعطش، ودراستي للغة جديدة كُلَّ الجِدَّة، وبدا لي مع مرور الوقت أنها أكثر صعوبة من الإنجليزية، في قواعدها وطريقة نطقها، وقواعد التأنيث والتذكير المختلفة عن لغتي الأصلية.
كَمَا أنَّ علاقتي سَاءت بالأستاذة التونسية «مدام زينب»، وكانت أستاذة كُفأَة ومخلصة ومتمكنة، لكنها صَارِمَة وجَافَّةَ المشاعر.
لا سِيَّمَا أنَّ بعض محاضرات «مدام زينب» كانت تبدأ مع الساعة الثانية عشر ظُهرًا، وكنت أتأخر عن الحضور بسبب التزامي بالمحافظة على صلاة الجماعة التي تقام في مسجد الجامعة.
وبعد إتمامي الصلاة أتجه إلى قاعة المحاضرات، وتكون المدام زينب قد بدأت محاضرتها، فتسألني عن سبب تأخري، فأجيبها بأني كنت بالمسجد لأداء الصلاة؛ فتعتذر عن إدخالي وتقول: بإمكانك أن تصلي بعد الأذان، أو أدائها بعد الانتهاء من المحاضرة؛ وكنت لا أعلم جواز ذلك، مع أنَّ بعض الطلاب كانوا يقيمون الصلاة بعد الآذان مباشرة حتى لا تفوتهم المحاضرات.
وَتَأكَّدَ لي عدم الجواز؛ خَاصةً بعد سؤالي لدكتور عراقي ذي لحية سوداء وكان يرتدي بدلة رسمية وكرفتة اسمه الدكتور كاظم؛ وكان أحد الدكاترة المحاضرين في قسم الدراسات الإسلامية؛ فَأوجَبَ علي المحافظة على الجماعة الأصلية.
وهكذا ضَاعَ عَلَّي كَثيرُ من الوقت، وأنا مشتت الذهن، مُوزَّعَ الخاطر، بين نزعة دينية جارفة يعوزها الفهم، وينقصها الوعي والتوجيه السليم، ودراسة تَتطلَّبَ كَثيرًا من المثابرة والجهد والتركيز والاستقرار النفسي.
وترجحت النزعة الدينية الساذجة علي شخص غِرّ مثلي، لا يعرف من حقيقة الدِّين سِوى بضعة أحاديث يسمعها من هنا وهناك: من الخطيب في صلاة الجمعة أو من محاضرات بعض الوعاظ بين المغرب والعشاء، أو من أشرطة الكاسيت التي كانت تأتي بشكل غزير من المملكة السعودية.
وأنا الآن حين ألتفت للوراء مُتأمِلاً في تلك المرحلة التي مَررتُ بها، وَالصِّرَاع النفسي والانقسام الرهيب الذي وجدت نفسي فيه؛ بين الدِّين وأشواقه ومتطلباته التي لا حَدَّ لها، والدنيا واحتياجاتها وتطلعاتها الفطرية والواقعية= يتجلى لي بوضوح وبشكل مؤسف كلام الإمام الغزالي حين شَبَّهَ الدِّين والدنيا بضرتين، متى أرضيتَ إحداهُمَا، أسخَطتَ الأخرى، أو ككفتي ميزان؛ مَهمَا رَجُحَت إحداهُمَا؛ خَفَّت الأخرى، أو كالمشرق والمغرب؛ مَهمَا اتجهت إلى أحدهما، ابتعدتَ عن الآخر.
لم يكن الأمر بالنسبة لي يحتاج لشيء من التريث، حين يتعلق الأمر بالدين، أو ما كنت أحسبُهُ دينًا.
فقط ليس على «الشخص المشفق» و«الناصح الأمين» ذي العينين المكحلتين كبومة، واللحية الطويلة، والسِّوَاك، والثوب المرتفع المبرز لنصف السَّاق، والذي ألتقيه في إحدى وسائل المواصلات العَامَّة بِالصُدفَة= أن يروي لي حَديثًا يقول إنَّ: «أسفل الكعبين في النار»؛ حتى أبادرَ مُستجيبًا، وعن طيب خاطر، برفع بنطالي؛ بحيث لا يُجَاوِز كعبي؛ حتى أتجنب سخط الله، ودخول جهنم وبئس المصير!
في تلك الفترة أطلقت العنان للحيتي بِناءً على أحاديث أيضًا. وَلمَّا كُنتَ في ريعان شبابي، أشعر بما يشعر به أيّ شخص في مثل سِنِّي من الميل الطبيعي إلى الجنس اللطيف من الحُبِّ والإعجاب، لم أتقبل هذا الشعور الإنساني الفطري الطبيعي، وَقَرَّرت مُعاقبتها بأن ذهبت إلى الحلاق ليحلق شعري كله بالموس، وصرت أصلع الرأس.
وحين بكرت في اليوم التالي إلى الجامعة؛ وَهَلَت مدرستي مدام زينب وصُعِقَت عند رؤيتي، وَأبدى زملائي وزميلاتي الطُّلاب الاستغراب والدَّهشَة للمنظر الذي آل إليه شكلي، وَشَعرت بانكسار وحزن غريب بِداخِلي، لكني -مع ذلك- كَابرتُ بِعِنَاد، وأبديت عدم الاكتراث والمبالاة. فللإيمان باب وطريق لا يراه ولا يسلكه إلا أفراد قليلة من الناس؛ مِمَّن امتحن هؤلاء الوعاظ الخَطِرون قُلوبَهُم وفِطرتَهُم لتقوى زائفة لا يقوى عليها أي إنسان ذي فطرة سليمة.
لقد كانت تلك المواعظ التي يلقيها أنصاف المتعلمين على رؤوسنا كفيلة بأن تشوه فطرتننا، وتقضي على أجمل ما فينا، بل إنَّهَا أحالت حياتنا جَحِيمًا لا يُطاق بقائمة المُحرَّمات التي لا يُعرف لها أي حَدّ أو نهاية.
وإنِّي لأذكر الأخ ياسر الحداد الآن، ولا أستطيع ان أكِفَّ نَفسِي عن الضَّحِك، وهو يُحدِّثُني؛ وهو زميل لي منذ أيام الدِّرَاسَة المُبكِّرَة= يذَكَر أنَّهُ سَمِعَ في تلك الأيام حَديثًا من بعض الخطباء يقول فيه: إنَّ مَن نَكَحَ يده (مَارسَ العادة السِّريَّة)؛ فَكأنَّما زَنَى بِأمَّهِ سبعينَ، أو ثمانين، أو مِئةَ مَرَّة، وَأنَّهُ يأتي يوم القيامة، ويده حُبلَى، على رُؤُوس الأشهاد!
قال: فَكُنتُ -بِحكِمِ سِنِّي، وفورة شَبابي- لا أستطيع أن أمنع نَفسِي عن ذلك، وبعد أن أمارسَ تلك العَادَة؛ ينتابني شُعور فضيع بالذَّنب، وتأنيب مُبرِّح للذَّات إلى حَدٍّ لا يُطَاق، بحيث يصعب عَليَّ احتماله؛ فآخذ حزام البنطال، وأقوم بجلد نفسي في غرفتي؛ حتى أتخففَ من هذا الشُّعور المُمِضّ الذي يجثم على صدري، ويأكلني في أعماقي.
(للحديث بقية).
