السبت 30 مايو 2026

الذاكرة المراوغة

ماذا لو كان نظامنا التعليمي، ونظامنا الحيوي (نسبة إلى الحياة) يقومان على ذاكرة موحدة للتعلم والتألم، وتسير وفق مبدأ المراوغة؟

بحثت عن هذا المصطلح في محرك البحث؛ وكان الجواب أنَّ هذا المصطلح (evasive memory) ليس مَفهومًا مِعياريًا في علم الأعصاب، وَأنَّ من المحتمل أن هناك خلطًا بين مفهومين مختلفين:
الذَّاكرة اللإرادية، والمحتوى المراوغ.
لا شك أنِّي حين كتبت هذا العنوان أو المصطلح لم أقصد ما ذكره البتة. فما أرمي إليه هو التالي:
في فضاء التعليم المفتوح والحر يعالج المتعلم المعلومة التي يتلقاها سواء كانت: رياضية، أو فيزيائية، أو كيميائية، أو لغوية، أو اجتماعية، أو تاريخية، أو جغرافية، أو طبية، أو بيولوجية، أو نفسية، أو دينية، أو فلسفية...= بطريقة يستفيد منها؛ ولو بشكل جزئي، وفي الجانب الذي يهمه ويجيده أكثر من أي شَيءٍ آخر، ويستطيع أن يسير به إلى أبعد مدى في تخصصه الذي نَذَرَ نفسه له.
في هذا النوع من التعليم، لا تكون هذه المواد عبئًا على الطالب، بل سُلَّمًا يرتقي به في التخصص الذي يحبه ويميل إليه.
إنَّ الشيء الذي نعلمه اليوم، قد يقف حجر عثرة أمام تعليمنا وفهمنا في الغد. فالعالم يتطور بشكل متسارع، و لا تزال مفاهيم جديدة تتشكل وأدوات ومناهج حديثة تحل محل القديمة التي ستصير -ولا شك- في خبر كان.
فكل ما نحتاجه هو التحلي بالشجاعة، والقدرة على التخلي عن كُلِّ ما ثبت عدم جدواه في عصرنا الراهن. فَإذا لم تتحلَّ عقول النشء بمرونة وقدرة على التكيف إزاء هذه المتغيرات؛ فسيصابون بالصدمة والخيبة والشلل.
كل ما نريده هو هضم ما نعرفه بشكل جيد، وفتح عقولنا لكل جديد نافع ومفيد مع التحلي بالحس النقدي والقدرة على ممارسة الأحكام.
أمَّا ذاكرة التألم، فيكون الألم بالنسبة للشخص بمثابة التطعيم بالنسبة للأطفال حديثي الولادة. إنها جرعة ضرورية عليهم أن يتناولوها؛ لتقيهم من أمراض خطرة تتهدد صحتهم وحياتهم.

نعم إنهم بعد تناول جرعة التطعيم يمرضون ويصابون بحُمَّى بسيطة لبعض الوقت، لكنهم يخرجون منها بمناعة وقدرة على مواجهة الأمراض الأكثر خطورة التي قد تفتك بهم.
خَاتِمَة

في إحدى زيارات الرئيس السابق علي عبدالله صالح إلى تهامة، صَادفَ في طريقه أحد التهاميين البسطاء، فَوقفَ للحديث معه، وَخَتمَ هذا التهامي حديثه قَائلاً له: «أنت ألمتنا، واحنا مِنَّك نتألم!».
وَوقفَ الرئيس صالح حَائرًا في مغزى الكلمة التي عَبَّر بها هذه التهامي: هل يأخذها بأصلها اللغوي الفصيح؛ وهو الألم، فتكون توبيخًا وَنقدًا له، أو يحملها على معناها في المحكية التهامية التي تقلب العين هَمزًا؟!