العلاقات الاقتصادية اليمنية الصينية والتطلع إلى شراكة استراتيجية واعدة
تتسم العلاقات الاقتصادية والتجارية بين اليمن والصين بالعمق التأريخي والإرث الحضاري منذ ما قبل الميلاد وبعده، وفي العصر الحديث، تطورت العلاقات بين البلدين منذ منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، واستمرت في الإزدهار حتى منتصف العقد الماضي عندما دخل اليمن في أتون حرب مدمرة، وفي ضوء التغيرات الإقليمية والدولية، فإن اليمن لا بد أن يتطلع إلى تمتين أواصر العلاقات السياسية والاقتصادية والتجارية والثقافية والعلمية مع الصين في العقود والقرون القادمة. فالاقتصاد الصيني، في عصرنا الحاضر، يمثل النموذج المحتذى في مسار التنمية الاقتصادية والاجتماعية وفي مجالات التقدم الصناعي والتكنولوجي، فقد تمكن خلال أربعة عقود من الزمن أن يكون ثاني أقوى اقتصاد في العالم، وكل التوقعات والمؤشرات تدل على إمكاناته الواعدة لريادة الاقتصاد العالمي خلال العقود القادمة.
ورغم الظروف السياسية والاقتصادية التي يمر بها اليمن في الأزمة القائمة، وما تبع ذلك من وجود سلطتين في كل من عدن "حكومة شرعية" يعترف بها المجتمع الدولي وفي صنعاء "حكومة أمر واقع"، إضافة إلى تشطير الاقتصاد بين مناطق عدن ومناطق صنعاء، إلا أن وضعا كهذا قد يكون محفزا للتطلع إلى مستقبل زاهر ومستقر يسوده السلام والوئام في ظل يمن موحد، والسعي لوضع مداميك البناء الاقتصادي والتنموي باستلهام التجربة الصينية من خلال توثيق أسس وقواعد الشراكة السليمة بين الاقتصاد اليمني والاقتصاد الصيني، القائمة على مبدء رابح - رابح، فاليمن لديه من الإمكانات ليكون قيمة مضافة في المبادرات الصينية الاقتصادية العالمية بما يتمتع به من موقع استراتيجي في خطوط التجارة الدولية بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، وما يمتلكه من ثروات طبيعية وبشرية، ولدى الصين الكثير من إمكانات الدعم التنموي والفني لرفد اليمن والتعاون معه لتجاوز التحديات والصعوبات التي يمر بها وصولا إلى تحقيق الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي المنشود وتحريك عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية لمعالجة قضايا البطالة والفقر وتحسين مستوى معيشة المواطنين أسوة بما أنجزه الصين في تأريخه الحديث.
لماذا الشراكة مع الصين؟
هناك متطلبات أساسية وضرورية يتحتم على اليمن القيام بها لضمان نجاح الشراكة الاستراتيجية مع الصين وهذا يشمل جنوح أطراف الصراع في اليمن إلى السلام وتبني برامج إصلاحات اقتصادية ومؤسسية وتهيئة البيئة المواتية للاستثمار حتى تتمكن الدولة اليمنية الموحدة من إعادة الإعمار وتعافي الاقتصاد وتنمية العلاقات الاقتصادية مع الصين والدول الأخرى،
وفي ضوء سيناريو تحقق السلام في اليمن، فإن على الحكومات اليمنية المتعاقبة أن تسعى جاهدة لبناء شراكة استراتيجية مع الصين لأسباب عديدة، يمكن تركيزها في سببين رئيسيين:
الأول: أن التجربة الاقتصادية الصينية خلال الأربعة عقود الماضية مثلت نموذجا مبهرا في معالجة التحديات الاقتصادية التي يواجهها الصين بضخامة حجم سكانه ومساحته والندرة النسبية لبعض الموارد الطبيعية، فقد تمكن الصين من خلال برامج الإصلاحات والسياسات الاقتصادية الهادفة والمتدرجة في إعادة هيكلة الاقتصاد، المعتمد على آليات السوق الليبرالية وفقا للخصائص الصينية، وحقق نجاحات ملموسة في إدارة الموارد وتخصيصها وتوزيعها بما لا يتعارض مع توجهات الدولة وإلتزاماتها، واستطاعت الحكومة الصينية إيجاد بيئة جاذبة وحاضنة للاستثمار الوطني والأجنبي المباشر وتوسيع فرص النمو في قطاعات الصناعة المتنوعة والزراعة والطاقة الكهربائية وشبكات النقل والاتصالات والتكنولوجيا واستكشاف الفضاء، مع الاهتمام بقطاعات التنمية البشرية كالتعليم والصحة والحماية الاجتماعية، وحققت قفزات كبيرة في مجال التجارة الدولية وتنويع الصادرات لتصل إلى معظم الأسواق العالمية، إضافة إلى بناء جهاز مصرفي وتمويلي فعال لجذب المدخرات وتقديم الإئتمان للمستثمرين في المجالات المختلفة.
الثاني: أن الصين خلال العقد الماضي أصبح مصدرا مهما ومؤثرا في تمويل برامج ومشاريع التنمية في الدول النامية من خلال عدد من المؤسسات والمبادرات والآليات الهادفة إلى تعزيز فرص التنمية في الدول منخفظة أو متوسطة الدخل في معظم قارات العالم، وهذا يشمل:
أ. إنشاء تجمع "بريكس"، والذي يضم أيضا الهند وروسيا والبرازيل وجنوب أفريقيا، وبدء بالتوسع ليضم سنويا دول أخرى، مؤهلة اقتصاديا ولها وزنها في التجارة الدولية، وبمساهمة دول بريكس، تم إنشاء بنك التنمية الجديد، برأس مال 100 مليار دولار ومقره شنغهاي، ويهدف إلى المساهمة في تمويل مشاريع البنية التحتية والتنمية المستدامة في الدول الأعضاء، وتأسيس شبكة واسعة من الشراكات العالمية مع مؤسسات التمويل الدولية وبنوك التنمية الوطنية،
ب. كما عملت الدولة الصينية وبالتنسيق مع العديد من الدول الأخرى على تأسيس "البنك الأسيوي للاستثمار بالبنية التحتية"، في عام 2015، وبرأس مال 100 مليار دولار، ومقره بيجين، وتعتبر الصين المساهم الأكبر فيه بنسبة 26%، بينما تتفاوت مساهمات الدول الأخرى، وحاليا يبلغ عدد الأعضاء 105 دولة من كل قارات العالم،
ج. تأسيس "صندوق طريق الحرير" عام 2014، برأسمال يبلغ 40 مليار دولار، لتمويل استثمارات البنية التحتية في دول طريق الحرير، مثل دول آسياء الوسطى لتسهيل ربط الغرب الصيني بالأسواق الأوروبية عن طريق القطارات، واستثمارات في عدد من دول آسياء الواقعة على الخط الملاحي التجاري في المحيط الهندي عبر سيريلانكا وكينيا وجيبوتي وصولا إلى اليونان وإيطاليا.
د. تبنت الصين مبادرات أخرى لتمويل مشاريع التنمية في أفريقيا وفي أمريكا اللاتينية وفي باكستان، كما تساهم الصين في تمويل المؤسسات الدولية متعددة الأطراف مثل هيئة التنمية الدولية التابعة للبنك الدولي والتي تقدم الدعم التنموي والفني للدول النامية الأقل دخلا، ومنها اليمن.
كل هذا يحتم على اليمن أن يكون له رؤية مستقبلية للشراكة مع الصين في العقود القادمة والاستفادة من الدروس الماضية، فقد أدت الحرب العبثية بين أطراف الصراع في اليمن إلى ضياع فرصة تأريخية واستراتيجية لليمن وإمكانية مساهمتها في مبادرة "الحزام والطريق" التي أطلقتها الصين عام 2013، حيث تسببت الحرب في حرمان اليمن من الاستفادة من القرض الصيني لتطوير ميناء عدن الدولي والذي يعتبر مركز محوري في خطوط الملاحة التجارية البحرية بين الصين وشرق آسيا من جانب وأفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط وأوروبا على الطرف الآخر، فاليمن يتمتع بمزايا نسبية استراتيجية ليكون عضوا فاعلا في مبادرة "الحزام والطريق" وتساهم في تطوير وتوسيع حجم التجارة الدولية بين الصين ودول في آسيا وأفريقيا وأوروبا.
ما المطلوب عمله؟
هناك مجموعة من الخطوات يجب على الجانب اليمني القيام بها، والذي تقع عليه مسؤولية تأريخية في حدوث إنعطافة قوية للخروج من مرحلة الصراع والحرب إلى مرحلة السلام والاستقرار والحفاظ على اليمن الموحد والتوجه نحو بناء علاقات وشراكات استراتيجية مع دول المحيط الاقليمي والدولي وفي مقدمتها جمهورية الصين الصديقة، وتشمل هذه الخطوات:
- العمل على دخول اليمن الموحد في شراكة استراتيجية مع الصين من خلال العضوية الكاملة في "مبادرة الحزام والطريق" والاستفادة من برامجها في تطوير قطاعات البنية التحتية في اليمن.
- على الحكومة اليمنية الموحدة بذل الجهود للحصول على دعم الصين للإنضمام إلى عضوية البنك الأسيوي للاستثمار في البنية التحتية بهدف حشد الموارد لتمويل مشاريع البنية التحتية في الاقتصاد اليمني.
- أهمية إنشاء إطار مؤسسي ( منتدى أو مجلس) لتطوير الشراكة الاستراتيجية بين اليمن والصين، بهدف استكشاف الفرص وتوسيعها في مجالات التجارة والاستثمار وتعزيز التعاون التنموي والفني بين البلدين، ووضع التصورات والمقترحات بشأنها ورفعها إلى متخذي القرار في حكومتي البلدين، ووضع آلية للمتابعة والتقييم الدوري للتقدم المحرز في تلك المجالات،
