ثلاثون عاماً رفقة حاتم أبو حاتم
مرّت ثلاثون سنة منذ أن بدأت علاقتي بحاتم أبو حاتم، ولم أشعر يوماً أنها مجرد صداقة عابرة. كانت رفقة وأخوّة وصحبه حقيقية، معرفة لا تهتز مع تغير الأيام والمسافات. يصعب الكتابة عن ثلاثين عام ممتدة من المعرفة، من التتلمذ، ومن الاستفادة من الخبرة السياسية والحياتية التي لا تضاهيها تجربة أخرى.

عندما حان موعد زواجي، عام 1998 لم يكن استئجار قاعة عرس أمر أستطيع تحمل تكاليفه، فكان بيت حاتم قاعة العرس، وأولم لمجموعة من الأصدقاء كما عمل مع أولاده، وتكرر الامر عند زواجي للمرة الثانية بعد وفاة زوجتي الأولى وكان بيته المكان الذي يجمع نخبة من ألمع شخصيات المجتمع، ولم يكن هذا أمر محصور فيني، ولكن بيت حاتم كان مقر من يحتاج.
جمعتنا رحلات كثيرة، داخل اليمن وخارجه. من طرق اليمن الجبلية إلى مدن بعيدة خارج الوطن، كنا دائماً معاً. في السفر تظهر معادن الناس، ومع حاتم لم أرَ إلا الأصالة والكرم وطيبة النفس. كان نعم الأخ إذا احتجت سنداً، ونعم الصديق إذا احتجت ضحكة تخفف عنك الطريق، ونعم الرفيق إذا طال السفر وتعب الجسد. من زنجبار الى عدن، ومن تعز حيث شاركنا في أربعينية عبدالحبيب سالم في 1995م. جنازة الأستاذ احمد محمد النعمان 1996م في كل فعالية أو حدث اتعلم من حاتم جديد، نظرة مختلفة للأمور، معنى مختلف للأحداث.

في أغسطس 1995م سافرنا ضمن وفد كبير من الأحزاب والتنظيمات السياسية، الى طرابلس لحضور مؤتمر كبير، والمشاركة في احتفالات الفاتح من سبتمبر، وخلال تلك الرحلة الرائعة، كانت تجربة سياسية ورحلة تعليمية تجذبني لشخصية حاتم المتميزة، وأشهد ثقافته الواسعة وهو يتناقش مع رئيس جامعة عدن خلال الثمانينات الذي كان ضمن الوفد، سالم بكير، ويتبادل معه الأشعار والأحداث التاريخية. وحوارات حاتم مع محمد صالح الرويشان رئيس تحرير صحيفة الصحوة، ويبرز ثقافته وقراءاته الدينية والاجتماعية العميقة.
ما يميز حاتم ليس كثرة الكلام، بل الأفعال. مواقفه تشهد له قبل لسانه. يتمتع بصفات إنسانية نادرة في زمننا هذا: الوفاء، التواضع، حب الخير للناس، وقلب لا يعرف الحقد. يجلس معك فتشعر أنك أمام رجل يحمل همّ غيره قبل همّه، ويفرح لفرحك كأنه فرحه هو.

في بداية العام 2000م أصيبت بنت شريك حاتم في المزرعة التي يملكها في البلاد بالسرطان، وكان الدواء متوفر في المستشفى الجمهوري مجاناً، وطوال خمس سنوات كانت المهمة التي يتابعني فيها هي متابعة المستشفى للحصول على العلاج، وعندما تأخر تزويد المستشفى بالعلاج، سارع الى تجميع قيمة الجرعة من الصيدليات الخاصة.
العلاقات التي تصمد 30 سنة لا تُبنى على المجاملة. تُبنى على المواقف، على العشرة وحاتم كان كذلك دوماً رجل مواقف.
في أحد الأيام كنت بحاجة لوساطة لتوظيف أخي، طلبت من حاتم أن يذهب معي للتوسط لدى رئيس الجهة التي يعمل بها أخي كمتعاقد، تواعدنا على اللقاء في مكتب رئيس هذه الجهة، وعند ما وصلت بوابة الجهة الحكومية، كان رئيس الجهة الحكومية قد وصل ووجد حاتم واقفاً عند بوابة الدخول بانتظاري، أخذ حاتم معه وطلب من الحراسة أن يدخلوني عندما أصل. عندما دخلت مكتبه، قال لي من أنت حتى ينتظرك حاتم في البوابة؟ قلت له هذا حاتم السباق في خدمة الاخرين ولا أستطيع مجاراته، قال لي اعتبر اخوك قد توظف، فلا أستطيع أن ارفض طلب لحاتم أبو حاتم.

اليوم وأنا أكتب هذه الكلمات، أجدني ممتناً أن القدر جمعني به. ليس كل إنسان يحظى برفيق درب يمشي معه أكثر من نصف عمره، ويبقى على نفس العهد. ولكنه المرشد والمبادر والموجه، في بيئة سياسية متحركة ومتسارعة.
حاتم اللاذع في نقده، واللاذع في النكتة، كان يقابله حاتم الانسان الجميل، الصادق والمتواضع، والعاطفي، الذي يمكن ان تنزل دموعه ويتأثر لموقف انساني بسهولة.

عندما كنت أقول له أننا أشعر بالفخر لمصاحبته والتتلمذ على يديه، كان يرد على ذلك بأنه من يشعر بالفخر أن جهوده لم تذهب سدى وأنه قدم خلاصة تجربته واستفاد منها شباب كثير أمثالي.
