السبت 30 مايو 2026
  • الرئيسية
  • هل يغفر اليمنيون لعبدربه منصور هادي؟

هل يغفر اليمنيون لعبدربه منصور هادي؟

هل يغفر اليمنيون لعبدربه منصور هادي؟

برحيل الرئيس اليمني السابق عبدربه منصور هادي، لا يغادر رجل السياسة المشهد فحسب، بل تغادر معه مرحلة من أكثر مراحل اليمن اضطراباً وتعقيداً. مرحلة بدأت بوعود الانتقال السلمي بعد الثورة الشبابية عام 2011، وانتهت بحرب مفتوحة وتمزق جغرافي وسياسي لا يزال اليمن يعيش تداعياته حتى اليوم.

عبدربه منصور هادي
عبدربه منصور هادي

شغل هادي منصب نائب الرئيس منذ عام 1994، وكان يُعتبر شخصية هادئة وغير صدامية داخل نظام صالح.انتخب رئيسا توافقيا لليمن في انتخابات شكلية تم التنظيم لها في 25 فبراير ٢٠١٢ عقب ثورة ٢٠١١ ضد الرئيس السابق علي عبدالله صالح. تمت الانتخابات بإشراف خليجي عبر ما عُرف بـ"المبادرة الخليجية"، وهي تسوية سياسية رعتها دول الخليج بدعم دولي لإنهاء الأزمة اليمنية بعد ثورة الشباب والاحتجاجات الشعبية الواسعة ضد نظام علي عبدالله صالح حيث تنحى صالح بموجب تلك المبادرة عن السلطة مقابل منحه الحصانة ونُقلت صلاحيات الرئاسة إلى نائبه عبدربه منصور هادي.

اثناء تسليم صالح لهادي السلطة
اثناء تسليم صالح لهادي السلطة

حين وصل هادي إلى السلطة، لم يكن يُنظر إليه بوصفه زعيما او قائدا، حيث لم يصل عبر قاعدة شعبية قوية أو مشروع سياسي مستقل ، بل وقع الخيار عليه كرجل تسوية رئيس توافق وطني انذاك. جاء في لحظة انهيار سياسي حاد لتجنب انهيار الدولة أو اندلاع حرب أهلية شاملة، بعد تنحي صالح.

كان من المفترض منه إدارة مرحلة انتقالية قصيرة لا تتجاوز عامين، تُكتب خلالها مسودة دستور جديد، وتُجرى انتخابات رئاسية حقيقية، ويتم تفكيك مراكز النفوذ التي أنهكت الدولة اليمنية لعقود.

. تسلّم هادي بلداً حكمه صالح لثلاثة عقود بمنطق "الرقص على رؤوس الثعابين"، أي بالتوازنات الهشة والتحالفات المتقلبة والمؤسسات المجوّفة من الداخل، بالإضافة إلى جيش منقسّم بين ولاءات قبلية وشخصية. ناهيك عن اقتصاد على حافة الانهيار، وجنوب يغلي بمطالب الانفصال، والحوثيون يسيطرون في الشمال كقوة بديلة

في سبتمبر 2014، دخل الحوثيون صنعاء دون مقاومة تُذكر وفي يناير 2015 أُحكم عليه الحصار في قصره، ففرّ إلى عدن، ثم إلى الرياض، وأطلق نداء الاستغاثة الذي أدخل اليمن في حرب لم تنتهِ بعد. وسرعان ما تمددت المرحلة الانتقالية، وتعقدت الملفات الأمنية والسياسية، وتحوّل هادي من رئيس مؤقت إلى رئيس دائم بلا انتخابات، وبلا قاعدة شعبية حقيقية، وبلا مشروع واضح يستطيع فرضه على الأرض. وفي المقابل، كانت جماعة الحوثي تتوسع تدريجياً مستفيدة من الانقسامات الداخلية، وضعف الدولة، والتحالفات المتغيرة.

وهنا تبدأ النقطة الأكثر قسوة في إرث هادي السياسي.

كثير من اليمنيين يرون أن خطيئته الكبرى لم تكن الفساد، ولا حتى الفشل الإداري، بل غياب القيادة. لم يظهر كرجل دولة قادر على اتخاذ قرارات حاسمة في اللحظات المصيرية، ولم ينجح في بناء مؤسسة عسكرية موحدة أو جبهة سياسية متماسكة. ويتهمه خصومه بأنه سلّم صنعاء عملياً للحوثيين، أو على الأقل سمح بانهيارها دون مقاومة حقيقية.

في المقابل، هناك من يعتبر أن تحميل هادي وحده مسؤولية ما حدث تبسيط مخلّ للأزمة اليمنية، فالرجل تسلم بلداً مثقلاً بالصراعات القبلية والعسكرية والفساد والانقسام، بعد عقود من حكم علي عبد الله صالح، وفي ظل ثورة شعبية وانقسام داخل الجيش نفسه.

كما يشير مؤيدوا هادي إلى أنه حاول تمرير مخرجات الحوار الوطني، وإعادة هيكلة الجيش، والحفاظ على الدولة اليمنية، لكنه واجه تمرداً مسلحاً معقداً وتدخلات إقليمية وصراع نفوذ دولي تجاوز قدرته السياسية والعسكرية.

ويضيف آخرون أنه كان محاصراً بشبكات النفوذ القديمة،وضعيفاً أمام تعقيدات الداخل والتدخلات الإقليمية، حيث اعتبر امتداداً غير مباشر لعهد علي عبدالله صالح، وأنه لم يتحرر فعلياً من إرث النظام السابق، بل بقي جزءاً من معادلاته وتوازناته، ولهذا لم يستطع إنتاج دولة جديدة بعد الثورة، بل وجد نفسه يدير انهيار الدولة القديمة فقط.

ثم جاءت اللحظة التي غادرت فيها الحكومة اليمنية بأكملها إلى السعودية، لتبدأ سنوات طويلة من المنفى السياسي، والمفاوضات غير الحاسمة، والتسويات المؤجلة، فيما كانت الحرب تتوسع، والدولة تتشظى، والمواطن اليمني يغرق أكثر في الكارثة الإنسانية والاقتصادية.

ومع ذلك، فإن تحميل هادي وحده مسؤولية سقوط اليمن قد يكون تبسيطاً مفرطاً لمأساة شديدة التعقيد. فاليمن لم يسقط بسبب شخص واحد، بل بسبب تراكمات عقود من الفساد والانقسامات والصراعات الإقليمية والانهيار المؤسسي وقد كان هادي جزءاً من الأزمة، لكنه لم يكن الأزمة كلها.

لهذا يبقى السؤال الصعب: هل يغفر اليمنيون لعبدربه منصور هادي؟ والإجابة على الأرجح لن تكون موحدة، فهناك من سيذكره كرجل ضعيف أضاع فرصة تاريخية لإنقاذ اليمن ومنعها من الانهيار أو بناء سلطة قادرة على احتواء الكارثة، وهناك من سيراه مجرد رئيس انتقالي وجد نفسه أمام عاصفة أكبر من قدرته ومن قدرة الدولة نفسها. وبين هذا وذاك، سيظل اسم عبد ربه منصور هادي مرتبطا بمرحلة من أكثر الفترات اضطراباً في تاريخ اليمن الحديث حيث انهارت فيها الجمهورية وتبدلت فيها ملامح اليمن بصورة قد لا تعود كما كانت أبداً.