الذين خسروا الوطن من أجل المكاسب
تابعت، خلال السنوات الماضية، كثيرًا من الذين تحدثوا عن الفساد، وعن معاناة اليمنيين، وعن ضرورة بناء الدولة والعدالة، وكان الناس ينظرون إليهم باحترام كبير، ويعتقدون أنهم يحملون مشروعًا وطنيًا صادقًا. لكن المؤلم أن كثيرًا من تلك الأصوات سقطت مع أول اختبار حقيقي، وتحولت المبادئ التي كانوا يرفعونها إلى مجرد كلمات للاستهلاك والمساومة، واكتشف الناس أن بعض من قدموا أنفسهم كمدافعين عن الوطن لم يكونوا سوى باحثين عن منصب، أو نفوذ، أو امتيازات.
ومع أول فرصة حصل عليها هؤلاء، ظهرت حقيقتهم بوضوح، فتغيرت مواقفهم، واختفت خطاباتهم السابقة، وأصبحوا يبررون الأخطاء نفسها التي كانوا يهاجمونها، بل إن بعضهم تحول إلى أداة لتلميع الفساد والدفاع عن الفاشلين مقابل الحفاظ على مصالحه الشخصية. وهكذا فقدت كثير من الشعارات معناها، وتحولت الكتابات والخطب التي كانت تملأ الفضاء إلى شيء يشبه السراب، الذي يختفي بمجرد اقترابه من الواقع.
الحقيقة أن الثبات على الموقف والمبدأ في اليمن أصبح ثمنًا باهظًا يدفعه الإنسان من قوت يومه، وراتبه، وعمله، وعلاقاته الاجتماعية؛ لأن من يرفض النفاق والتطبيل، أو يصر على قول الحقيقة، يجد نفسه معزولًا ومحاصرًا، بينما تُفتح الأبواب أمام من يجيدون مجاملة أصحاب القرار، وتبرير الأخطاء، وتغيير مواقفهم بحسب المصالح. ولهذا أصبح كثير من الناس يرون أن الطريق الأسهل للوصول ليس الكفاءة ولا النزاهة، بل القدرة على التلون والانحناء أمام النفوذ، مهما كانت النتائج على الوطن والمجتمع.
هذه الحالة تركت أثرًا خطيرًا على المجتمع اليمني، وعلى وعي الناس؛ لأن المواطن، حين يرى أن كثيرين ممن تحدثوا باسم الوطن باعوا مواقفهم عند أول إغراء، يفقد ثقته بالجميع، ويشعر أن الصدق أصبح استثناءً نادرًا. كما أن الشباب الذين يشاهدون هذه التحولات قد يقتنعون، مع الوقت، أن المبادئ لا قيمة لها، وأن الوصول يحتاج فقط إلى تبديل الأقنعة بحسب تغير الظروف، وهو ما يهدد مستقبل الحياة السياسية والاجتماعية في اليمن.
ورغم كل هذا، تبقى المواقف الصادقة أكثر بقاءً من المناصب والمكاسب؛ لأن التاريخ لا يحترم الذين غيروا وجوههم مع كل مرحلة، بل يحترم الذين حافظوا على كرامتهم وثباتهم رغم الخسائر. واليمن اليوم لا يحتاج إلى المزيد من الخطب والشعارات بقدر حاجته إلى رجال يمتلكون الشجاعة ليقولوا الحقيقة، ويتمسكوا بها حتى عندما تكون مكلفة؛ لأن الأوطان لا تُبنى بالمجاملة ولا بالنفاق، بل بالمواقف الصادقة والتضحيات الحقيقية.
