الأحد 24 مايو 2026
  • الرئيسية
  • اليمن في قبضة الانقسامات والمصالح الخارجية

اليمن في قبضة الانقسامات والمصالح الخارجية

تأتي مناسبة الاحتفال بالوحدة اليمنية في هذا العام 2026، واليمن يعيش واحدة من أكثر مراحله تعقيدًا وانقسامًا. فبعد عقود من إعلان الوحدة، أصبح اليمنيون اليوم يعيشون واقعًا مختلفًا تمامًا، حيث تبدو مظاهر التقسيم أكثر حضورًا في الحياة اليومية من فكرة الدولة الواحدة نفسها. ولم تعد الحدود النفسية والسياسية بين مناطق النفوذ مجرد حالة طارئة فرضتها الحرب، بل تحولت مع الوقت إلى أمر مألوف اعتاد عليه كثير من الناس، حتى أصبح الحديث عن الوحدة لدى بعضهم أقرب إلى ذكرى بعيدة أكثر منه مشروعًا قائمًا يمكن استعادته.

لم يعد الحديث عن تقسيم اليمن مجرد مخاوف سياسية أو تحذيرات يطلقها بعض المثقفين، بل تحول مع مرور السنوات إلى واقع يتسلل بهدوء إلى حياة الناس، وهذا هو الخطر الحقيقي؛ حين يعتاد المجتمع على التشظي، وتصبح الجغرافيا المقسمة أمرًا طبيعيًا في الوعي العام. فالقضية لم تعد فقط صراعًا على السلطة، بل تحولًا عميقًا يهدد هوية اليمن ووحدته ومستقبله، والأجيال القادمة قد تنشأ وهي لا تعرف معنى الدولة الواحدة التي كانت تجمع اليمنيين.

القوى التي تمتلك مصالح في اليمن لا تريد لهذا البلد أن يكون مستقرًا وقويًا؛ لأن اليمن القوي يمتلك موقعًا استراتيجيًا وثروة بشرية وتاريخًا يجعل منه رقمًا صعبًا في المنطقة. ولذلك كان استمرار الضعف والانقسام أفضل وسيلة لضمان بقاء النفوذ الخارجي، والسيطرة على القرار السياسي والاقتصادي والعسكري. وقد وجدت هذه القوى في الصراعات الداخلية والأزمات المتراكمة فرصة لتحويل اليمن إلى ساحات نفوذ متنازعة، تتحكم بها المصالح الإقليمية والدولية أكثر مما يتحكم بها اليمنيون أنفسهم.

المؤلم أن كثيرًا من اليمنيين لم يدركوا حتى الآن حجم الفخ الذي دخلوا فيه، فكل طرف اعتقد أنه يستطيع تحقيق مكاسب خاصة أو الانتصار على خصومه عبر الاستقواء بالخارج، لكنه لم ينتبه إلى أن الجميع خسر الدولة، وخسر الاستقرار، وخسر الاقتصاد، وخسر الإنسان اليمني الذي أصبح يدفع ثمن الحرب والانقسام والفقر والتهجير والانهيار الاجتماعي، بينما تتوسع الهوة بين أبناء الوطن الواحد، وتزداد مشاعر الكراهية والانقسام يومًا بعد آخر.

أما الذين يحكمون اليوم بوصفهم أدوات لمشاريع خارجية، فلن يستمروا في السلطة إلى الأبد، فالتاريخ أثبت أن القوى المرتبطة بالخارج تسقط عندما تنتهي الحاجة إليها أو تتغير المصالح التي جاءت بها. وما يبدو اليوم نفوذًا ثابتًا قد يتحول في لحظة إلى عبء يتم التخلص منه، لكن الكارثة الحقيقية لن تكون في سقوط هذه السلطات، بل في بقاء نتائج الانقسام راسخة في وعي المجتمع، وفي مؤسسات الأمر الواقع التي قد تجعل استعادة الدولة الموحدة أكثر صعوبة وتعقيدًا. واليمن لا يحتاج اليوم إلى شعارات موسمية عن الوحدة بقدر ما يحتاج إلى مشروع وطني حقيقي يعيد بناء الثقة بين اليمنيين، ويعيد للدولة معناها، وللوطن حضوره، قبل أن يصبح التقسيم واقعًا دائمًا لا يمكن التراجع عنه.