عن ساكني صنعاء..
لو أن عبدالرحمن الآنسي، الشاعر العاشق لفن صنعاء وتفاصيلها، لا يزال بيننا، لأدرك جمال قصيدته عن ساكني صنعاء: "حديثك هات وافوج النسيم".. وهز رأسه ألف مرة كلما يستمع السنيدار يردد أبياتها بجمال أداء لا يوصف، ما يجعلني، وعلى الدوام، وأنا أفتتح جلستي في الزاوية يوميًا، بها أطوف على بساتينها وسبل مائها ومقاشمها وسماسرها وأسواقها وعيون جميلاتها، ودندنات العود تسمعها نفسك الشفافة في كل زقاق، خاصة في الليالي العابقات بالهمسات والشوق أعياني…

تمنيت لو أنني وجدت في زمن الآنسي؛ لأسأله عن اللحظة التي اكتسحه فيها شيطان ليكتب تلك القصيدة، وهو يتوسد على قمر الليل في ربى صنعاء… سقى الله صنعاء…
نفس السؤال يراودني كلما سمعت أحمد السنيدار: "عن ساكني صنعاء"، لا زلت أتمنى أن أسأله عن اللحظة التي اكتشف فيها عوده، وراح يدندن لحنًا بها حتى اكتمل، لتشهق صنعاء عندما سمعتها جوهرة، تلك التي كانت تطبخ أجمل طبيخ في صنعاء يوم أن كانت حنونة، وتخبز ملوجها وخبزها وبنت صحنها، وصحون السوسي يتلذذ به كل من يقدر على تذوق ما يأكل… لا يأكل فقط، بل يموسق الأكل في فمه…لا يزال السؤال بدون جواب، والجواب هناك في قاهرة المعز، حيث يتكئ الفنان الكبير أحمد السنيدار على كتف النيل…
هل رأيتم أو سمعتم بمن يستمع لأغنية كل عصر يوم؟
أنا.
وكل مرة أدندن مع السنيدار: "عن ساكني صنعاء"، أردد على طريقة قريتي وعمتي: "سُعيدكم" يا أهل صنعاء، من شعر لمدينتكم الآنسي، وغنى لكم السنيدار…
"يا حي يا قيوم… يا عالم بما تخفي الصدور… يا رازق المحروم…"، يا إلهي، أي إلهام ومن الملهم لذلك الشاعر الفارس على ظهر الكلمة، يمتشق الأحرف كما يمتشق الفارس سيفه…
كان الآنسي، بالتأكيد، عاشقًا، ولإحدى الطيرمانات المطلة على بساتينها كتب، لعيون وجلة تخترق ذات ستارة إلى فضاء الله، حيث يسكن الجمال زرقة السماء، وأي صنعاء خاطبها وعرفها وعشقها ومارس حبه فيها كلمة وحرفًا….
أتخيل أن كلماته، ولحن السنيدار وصوته، يتجولون أمام كل عاشق لصنعاء في أزقتها وحواريها وزواياها وضحكات حسانها، وتسكن الكلمة لهجتها المحببة التي وجدت لتعبر عن وله العاشق للمعشوق…
كلما استمع لساكني صنعاء، أسكن أحزمة البيوت وشهقات الأطفال وصوت قطرات المطر تستكب غناءً من رأس غيمان إلى حيث أودع الله سره همس الفاتنات المبين…
ويظل السؤال:
كيف، وكيف، ومتى، وفي أي لحظة إلهام كتبها الرجل وغناها أحمد السنيدار؟
ولا أزال أنتظر الجواب…
لمن اشتاق القاضي الآنسي؟
ولمن دندن السنيدار شوقًا؟؟؟
ولا أزال أدندن: يا حي يا قيوم…
