الدم ليس مشروعًا سياسيًا
نسمع اليوم أصواتًا تتحدث عن مؤامرة على الجنوب، وأخرى تخرج مهددة ومتوعدة باقتحام عدن، بل وصل الأمر بالبعض إلى الحديث عن أن الدم “سيسيل إلى الركب”، وكأن سفك الدماء أصبح مشروعًا سياسيًا أو وسيلة مشروعة لفرض الأفكار وإخضاع الناس.
هذا الخطاب الخطير لم يولد من فراغ، بل تشكل عبر سنوات طويلة من التحريض والكراهية والعنصرية بين الشمال والجنوب، حتى تحولت القضية السياسية عند البعض إلى حالة من التقديس الأعمى، وأصبح المختلف في الرأي عدوًا يجب تخوينه أو إقصاؤه أو حتى استهدافه.
لكن الحقيقة التي يجب أن ندركها جميعًا أننا لسنا في معركة وجود بين شعبين، ولسنا أمام حرب مقدسة، بل نحن مختلفون حول مشروع سياسي بين الوحدة والانفصال. وهذا الخلاف، مهما كان عميقًا، لا يبرر أبدًا تحويل الوطن إلى ساحة عنف مفتوحة.
قبل الوحدة كان الشمال والجنوب يعيشان أزمات وتمزقات وصراعات، وعندما جاءت الوحدة استقبلها اليمنيون بفرحة كبيرة لأنها مثلت حلمًا بالخروج من حالة الانقسام نحو مستقبل أفضل. لم يكن الناس يكرهون الوحدة، بل كانوا يرون فيها قيمة وطنية وإنسانية عظيمة، لكن المشكلة بدأت حين أُديرت الوحدة بعقلية الصراع والغلبة والنفوذ.
القوى السياسية والعسكرية التي تولت إدارة المرحلة لم تكن بمستوى المشروع الوطني، فتحولت الوحدة من فرصة لبناء دولة حديثة إلى صراع على السلطة والثروة. ومن هنا بدأت الشروخ تتوسع، ليس فقط بين الشمال والجنوب، بل حتى داخل الجنوب نفسه، حتى وصلنا اليوم إلى حالة تشعر فيها كل منطقة بأنها مظلومة أو مهمشة أو مستهدفة.
حضرموت تبحث عن خصوصيتها، وعدن تفكر بمكانتها الاقتصادية والمدنية، وأبين تشعر بالإقصاء، وشبوة تعاني من صراعات النفوذ، وغيرها من المناطق تحمل هواجسها الخاصة. وهذا يكشف أن الأزمة ليست مجرد شعار وحدة أو انفصال، بل أزمة عدالة وشراكة وإدارة دولة.
المؤلم أننا ما زلنا نعيد إنتاج نفس الصراعات القديمة بنفس الخطاب المتشنج، وكأننا لم نتعلم شيئًا من كل هذا الخراب. فحين يخرج من يهدد باقتحام مدينة أو سفك الدماء، فهو لا يبحث عن حل، بل يعيد إشعال الحرب بطريقة أخرى.
العالم من حولنا خاض حروبًا أكثر قسوة من حروبنا، لكنه أدرك في النهاية أن الأوطان لا تبنى بالكراهية، وأن السلام ليس ضعفًا، وأن التعايش ليس هزيمة، وأن الاختلاف السياسي لا يعني العداء الأبدي.
أما نحن فما زلنا نعيش أسرى للثارات والخوف والتحريض، ولم نصل بعد إلى قناعة بسيطة مفادها أن الوطن يتسع للجميع، وأن لا أحد يستطيع إلغاء الآخر بالقوة.
إن الدم ليس مشروعًا سياسيًا، والعنف لا يصنع وطنًا، والكراهية لا تبني دولة. وما يحتاجه اليمن اليوم ليس مزيدًا من التحريض، بل خطاب عقلاني يؤمن بالحوار والتفاهم والشراكة، ويبحث عن وطن يحمي الجميع بدل أن يتحول الجميع فيه إلى ضحايا.
فإما أن ننتصر لفكرة الوطن والدولة والإنسان، أو نظل ندور في نفس الحلقة المظلمة من الصراع والانهيار.
