حين تفقد الحكومات معناها في نظر اليمنيين
لا يختلف اثنان على أن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة جاء محمّلًا بخطاب التغيير وضخ دماء جديدة عبر بعض الوجوه التي قُدِّمت بوصفها تكنوقراط، غير أن هذا الوصف سرعان ما بدا شكليًا أكثر منه جوهريًا؛ فمعظم هذه الأسماء إما موالية لأحزاب سياسية، أو محسوبة على مكونات نافذة، أو مرتبطة باعتبارات مناطقية وعلاقات شخصية، وهو ما جعل مفهوم الكفاءة المستقلة مجرد غطاء لغوي لا يعكس حقيقة ما جرى على أرض الواقع.
غياب الاهتمام الشعبي بتشكيل الحكومة لم يكن من فراغ؛ فاليمنيون الذين أنهكتهم الحرب والأزمات المعيشية فقدوا ثقتهم منذ وقت طويل في أي تشكيل حكومي لا يقوم على معايير واضحة للمحاسبة والفاعلية. بل إن حالة اللامبالاة تحولت في كثير من الأحيان إلى تندر وسخرية، تعكس شعورًا عامًا بأن ما جرى ليس سوى إعادة تدوير لذات الوجوه والسياسات التي فشلت في إدارة الدولة وتخفيف معاناة الناس.
اللافت أن بقاء عدد من الوزراء الذين ارتبطت أسماؤهم بالفشل والفساد في مواقعهم، دون أي مساءلة أو تقييم جاد للأداء، عزز هذا الانطباع السلبي؛ فبدلًا من أن يكون التغيير مدخلًا لاستعادة الحد الأدنى من الثقة، بدا وكأنه رسالة معاكسة مفادها أن الإخفاق لا يترتب عليه ثمن، وأن المناصب لا تزال محكومة بمنطق الحصص والنفوذ، لا بمنطق المسؤولية والنتائج.
المحاصصة السياسية التي حكمت تشكيل الحكومات المتعاقبة في اليمن لا تزال العائق الأكبر أمام أي إصلاح حقيقي؛ فهي أقصت الكفاءات الوطنية المستقلة التي لا تنتمي لأحزاب أو شبكات مصالح، وحرمت الدولة من طاقات قادرة على إحداث فرق فعلي في الأداء العام. كما كرست ثقافة الولاء على حساب المهنية، وجعلت الحكومة انعكاسًا لتوازنات ضيقة، لا لتطلعات شعب يتطلع إلى دولة عادلة وفاعلة.
في ظل هذا الواقع، لم يلمس المواطن اليمني أي تغيير حقيقي في حياته اليومية؛ فلا الخدمات تحسنت، ولا الأوضاع الاقتصادية شهدت انفراجًا، ولا مؤسسات الدولة استعادت دورها الطبيعي. ولهذا لم يعد تشكيل الحكومات حدثًا يستحق المتابعة أو الرهان، بل أصبح بالنسبة لكثيرين فصلًا مكررًا في مسلسل أزمة طويلة، عنوانها غياب الرؤية واستمرار إدارة البلاد بذات الأدوات التي أوصلتها إلى هذا المأزق العميق.