الخميس 28 مايو 2026
  • الرئيسية
  • نحو مسار "حوكمة" حقيقي لمنح دعم الكهرباء.. لماذا يتدهور قطاع الكهرباء رغم كل هذا الدعم؟

نحو مسار "حوكمة" حقيقي لمنح دعم الكهرباء.. لماذا يتدهور قطاع الكهرباء رغم كل هذا الدعم؟

لا يمكن الحديث عن صمود الدولة اليمنية في ظل الظروف الراهنة دون الإشارة بتقدير وعرفان إلى الدعم الأخوي الصادق والمستمر الذي تقدمه المملكة العربية السعودية. إن هذه المنح الوقودية ليست مجرد أرقام أو كميات، بل هي "شريان حياة" يلامس كل بيت يمني، ويمثل جسراً حيوياً للحفاظ على استمرارية الخدمات الأساسية. إن هذا الموقف النبيل يعكس عمق الشراكة التاريخية والمصير المشترك بين البلدين.

إن استقرار قطاع الكهرباء ليس هدفاً خدمياً فحسب، بل هو العمود الفقري للاقتصاد الوطني. إن توفير طاقة مستقرة يعني:

خفض تكاليف الإنتاج: مما يؤدي إلى خفض أسعار السلع والخدمات محلياً.

استقرار سعر الصرف: من خلال تقليل الضغط على النقد الأجنبي الذي كان يُوجه لاستيراد الوقود التجاري بأسعار مرتفعة، وتوجيه الموارد المالية المتاحة لتعزيز الاقتصاد المحلي.

تحسين جودة الحياة: وهو الأثر المباشر الذي يلمسه المواطن في بيته وفي محيطه المعيش

إن المتتبع لحجم ما قُدّم من مساعدات ومنح، وخصوصاً من الأشقاء في المملكة العربية السعودية، لتعزيز قطاع الكهرباء والطاقة في المحافظات المحررة خلال السنوات الماضية، سيجد نفسه أمام أرقام ضخمة واستثنائية. هذه الموارد، لو أنها أُديرت ووُظّفت الاستخدام الأمثل وفق معايير التخطيط السليم، لكانت كفيلة بإحداث نهضة ملموسة في قطاع الطاقة الحكومي. ومع ذلك، يحدثنا الواقع بعكس ذلك تماماً؛ إذ يلاحظ المتابع غياب الأثر الإيجابي، بل وتدهور الخدمة بشكل يثير الحيرة والاستغراب.

إنها مفارقة مؤلمة: كل هذا الدعم المالي والوقودي، ومع ذلك لا يوجد أثر حقيقي أو فعلي على الأرض يلمس فيه المواطن تحسناً ملموساً في ساعات الإضاءة أو استقرار الخدمة. إن استمرار هذا الهدر والتبديد لأموال المنح بهذا الشكل، دون انعكاس إيجابي على تطوير قطاع الكهرباء أو تحقيق الاستقرار النسبي، هو أمر غير معقول وغير مقبول، ويضعنا جميعاً أمام تساؤلات مشروعة عن مصير هذه الموارد وعن مكامن الخلل.

لقد تعاملت الإدارة الحكومية طويلاً مع منح الوقود كمسكنات آنية، وهو نهج أثبت فشله وأدى إلى استنزاف الموارد دون بناء أصول. إننا اليوم بحاجة إلى "قطيعة معرفية وإدارية" مع تلك الأساليب التي أثبتت عقمها. إن المطلوب ليس مجرد "ساعات إضاءة" مؤقتة، بل استراتيجية وطنية تهدف إلى تحويل جزء من هذه الموارد –عبر إدارة كفؤة– لإعادة تأهيل البنية التحتية، وتطوير محطات التوليد، لضمان استدامة الخدمة، لا مجرد إطالة أمد الأزمة.

إن إدارة المنحة ليست مجرد عملية فنية، بل هي عملية قانونية وإدارية تتطلب تطبيق معايير الحوكمة الرشيدة التي تفتقدها المؤسسات حالياً. ولتحقيق ذلك، يجب تبني إطار رقابي صارم يرتكز على محورين أساسيين:

-الرقابة المسبقة تبدأ من وضع خطط التوزيع، مروراً بمعايير التعاقد والشفافية في نقل الوقود، وصولاً إلى التدقيق الدقيق في احتياجات المحطات الفعلية، لضمان أن كل لتر وقود يذهب لمستحقيه، بعيداً عن تغوّل لوبيات الفساد التي تقتات على العجز.

-الرقابة اللاحقة وتتمثل في التقييم الدوري والتدقيق المالي والفني للأداء، ومساءلة القائمين على إدارة الوقود عن أي هدر.

نحن نطالب ببيانات أداء معلنة تقيس كفاءة الاستخدام، ومستويات الفاقد، والتحصيل المالي، بدلاً من إلقاء اللوم على "نقص الوقود" وحده.

إن هذا التغيير الجذري في نهج الإدارة يقع مباشرة على عاتق *الحكومة برئاسة رئيس مجلس الوزراء، ووزارة الكهرباء، ووزارة المالية، والأجهزة الرقابية،

إننا أمام اختبار حقيقي للمسؤولية الوطنية؛ فاستمرار العجز في ظل وجود الدعم يضع المسؤولين في موقف حرج يحتم على رئاسة الوزراء والوزارات المعنية القيام بواجباتهم إزاء هذه المعضلة التي ارقت الخزينة العامه وبددت الدعم المقدم من المانحين

فرئاسة الوزراء مطالبة بتشكيل لجنة لإدارة منح الطاقة، تتمتع بصلاحيات رقابية نافذة، وتعمل وفق مبدأ الفصل بين سلطة إدارة الوقود وسلطة رقابته، لضمان الشفافية التي تفتقدها العملية الحالية.

وزارتا الكهرباء والمالية ينبغي عليهما التحرر من الأنماط البيروقراطية التقليدية، واعتماد "الشفافية الرقمية" في تتبع مسار المنح، ونشر تقارير دورية تطلع الرأي العام والمانحين على أوجه الصرف، مما يعزز الثقة ويحمي الموارد من التبديد.

كما ينبغي على الأجهزة الرقابية أن تضطلع بدورها الفاعل في الرقابة والمساءلة القانونية. إن كل إخفاق في إدارة هذه المنحة هو تضييع لفرصة إصلاح وطني، وتقصير في حق المواطن اليمني، وإساءة لتقدير سخاء الأشقاء في المملكة العربية السعودية.

إن الشكر الحقيقي لهذا الدعم لا يقف عند حدود استلام المنحة واستنزافها، بل يكمن في كيفية تعظيم أثرها. إننا أمام فرصة استراتيجية يجب ألا تضيع، وهي ضرورة تحويل هذا الدعم من "وقود للحرق" إلى "رافعة للتطوير". إن حصر الهدف في "زيادة ساعات الإضاءة" هو طموح قصير المدى؛ بينما الهدف الأسمى يجب أن يكون تطوير قطاع الطاقة الحكومي؛ عبر صيانة المحطات، وتأهيل الشبكات الوطنية، والانتقال التدريجي نحو حلول طاقة أكثر استدامة، وهو ما يضمن مع الوقت تقليل الاعتماد على المنح الخارجي.

ختاماً فان النقد وحده لا يبني دولة، والتشخيص لا يُصلح قطاعاً ومن منطلق المسؤولية القانونية والوطنية، نضع

أمام الحكومة، ممثلة برئيس الوزراء د. شائع الزنداني والجهات الوزارية والرقابية المعنية، بعص الافكار العملية لإدارة منح الطاقة بما يضمن الانتقال من عقلية الاستهلاك إلى عقلية الإدارة الرشيدة

على النحو التالي :

1-تشكيل لجنة عليا لحوكمة منح الطاقة": لجنة فنية وقانونية مستقلة، تتبع مكتب رئيس الوزراء مباشرة، وتتمتع بصلاحيات الرقابة على سلاسل الإمداد، وتكون مهمتها الفصل بين "الجهة المستفيدة" (المحطات) و"الجهة المديرة" (وزارة الكهرباء) لضمان عدم تضارب المصالح.

2.-اعتماد "الرقابة الرقمية المفتوحة بناء منصة رقمية تتيح تتبع مسار المنحة الوقودية لحظة بلحظة، من لحظة التفريغ في الميناء وحتى وصولها إلى خزانات التوليد، مع ربطها بمعايير استهلاك فنية واضحة، وإتاحة هذه البيانات للجهات الرقابية والمواطن.

3-تفعيل آلية الرقابة اللاحقة والمسبقة: مراجعة خطط التشغيل اليومية للمحطات للتأكد من الحاجة الفعلية للوقود ومطابقتها للطاقة المولدة، وإخضاع تقارير الأداء للتدقيق القانوني والمالي الدوري، ومساءلة أي جهة يثبت فيها هدر أو تلاعب، واعتبار ذلك جريمة إهدار للمال العام وللدعم المقدم من الاشقاء او غيرهم .

4.-ربط المنح بمعايير الإصلاح المؤسسي: يجب أن يكون استمرار تدفق المنح مرتبطاً بـ "خطة إصلاح هيكلي" لقطاع الكهرباء، تشمل تحسين التحصيل المالي، وتقليل الفاقد، ورفع كفاءة الشبكات؛ بحيث يلمس المانح والأشقاء أن دعمهم قد تحول إلى أصل وطني مستدام.

إن الشفافية ليست خياراً، بل هي الطريق الوحيد لإنقاذ قطاع الطاقة من براثن الفساد، وتحويل الدعم إلى أصول وطنية تُبنى عليها الدولة. إن المسؤولية التاريخية تحتم علينا اليوم أن نكون أمناء على هذا الدعم، وأن ندير هذه الموارد بعقلية المؤسسات لا بعقلية المنتفعين، لنُنهي هذا اللغز المحير: "لماذا يتدهور القطاع رغم كل هذا الدعم؟".