العيد
العيد ليس يوماً عابراً في حياة الناس، بل حالة شعورية جماعية تتكرر كل عام لتعيد ترميم ما أفسدته الأيام في النفوس والعلاقات. ولغوياً، جاء اسم “العيد” مشتقاً من العَود، لأنه يعود في موعده كل عام حاملاً معه الفرح واللقاء والتجدد، ومقترناً بلبس الجديد وصلة الأرحام وأكل الأطايب، فضلاً عن كونه فرحة دينية بانتهاء عبادة عظيمة؛ كالصيام في عيد الفطر، أو أداء مناسك الحج في عيد الأضحى. ولهذا ظل العيد، في مختلف الثقافات والشعوب، مرتبطاً بالشعائر الدينية والاجتماعية والوطنية، حتى وإن اختلفت صوره وأسماؤه.
غير أن القاسم المشترك بين جميع الأعياد يبقى قدرتها على صناعة الفرح، أو على الأقل انتزاع الإنسان مؤقتاً من هموم الحياة الثقيلة. ففي العيد يلتقي المتباعدون، ويعود المسافر، وتخف الخصومات، وتُفتح أبواب المسامحة، وكأن المجتمع يمنح نفسه فرصة سنوية لاستعادة إنسانيته.
لكن هذه الصورة المضيئة لا تكتمل لدى الجميع. فهناك فئات يصبح العيد بالنسبة إليها موسماً مضاعفاً للحزن، لأن الفرح فيه يذكّرها بما فقدته أكثر مما يمنحها ما تنتظره.
في مقدمة هؤلاء يأتي المغترب؛ ذلك الذي يعيش بعيداً عن أهله ووطنه وأصدقائه، محاطاً ببيئة لا تشاركه المناسبة ولا تعرف تفاصيلها الوجدانية. وتزداد قسوة العيد حين يكون الاغتراب في بلد لا يقاسمك الأجواء أو التقاليد أو حتى الإحساس باليوم نفسه. فالمغترب في بلد مسلم قد يجد شيئاً من الألفة في أصوات التكبير وازدحام المصلين وملامح البهجة العامة، أما في المجتمعات غير المسلمة فإن العيد يتحول أحياناً إلى يوم عادي يخفي فيه الإنسان حزنه خلف شاشة هاتف ينتظر منها معايدة أو اتصالاً يخفف وحشة البعد.
ثم يأتي الفقير، وخصوصاً في المجتمعات المنهكة اقتصادياً، حيث يصبح العيد امتحاناً قاسياً للعجز. فالفرح في صورته الاجتماعية يحتاج إلى حد أدنى من القدرة المادية؛ ثياب للأطفال، وطعام يليق بالمناسبة، وهدية صغيرة تحفظ كرامة الأسرة أمام الآخرين. وحين يعجز الإنسان عن توفير ذلك، يتحول العيد إلى مرآة للفقر لا إلى مناسبة للبهجة. وتزداد المأساة في البيئات المضطربة التي تعيش الحروب أو الأزمات أو الانقسامات، حيث تفقد المناسبات معناها الطبيعي تحت ضغط الخوف والحاجة والقلق اليومي.
ولا يقل المريض معاناة عن هؤلاء، فالعيد بالنسبة لمن أنهكه المرض ليس مناسبة مكتملة الفرح كما يراها الأصحاء. فالمريض الذي يقضي أيامه بين الألم والعلاج والمستشفيات يشعر أن ضجيج العيد يدور من حوله بينما يقف هو عاجزاً عن مشاركته كما ينبغي. وقد يكون المرض ألماً جسدياً يرهق البدن، أو ابتلاءً نفسياً يستنزف الروح ويجعل حتى الابتسامة عبئاً ثقيلاً. وفي الوقت الذي يخرج فيه الناس للزيارات والتنزه وتبادل التهاني، يظل كثير من المرضى أسرى الأسرة البيضاء أو التعليمات الطبية أو الوهن الذي يسلبهم أبسط تفاصيل البهجة. وبعضهم لا يحزنه المرض بقدر ما يحزنه شعوره بأنه أصبح عبئاً على من يحبهم، أو أنه حُرم من ممارسة طقوس العيد التي اعتادها سنوات طويلة.
وهناك أيضاً اليتيم الذي يستقبل العيد بقلب ناقص، إذ لا تعوضه الألعاب ولا الثياب الجديدة عن دفء أب أو حنان أم غيّبها الموت. فالأعياد بالنسبة للأيتام ليست مجرد مناسبة للفرح، بل اختبار صامت للحنين والفقد.
كما تعيش الأرملة أو من فقد شريك حياته عيداً مختلفاً، إذ تتحول التفاصيل الصغيرة التي كانت مصدراً للفرح إلى ذكريات موجعة. فالمائدة ذاتها، والمكان ذاته، والأصوات نفسها، كلها تذكّر بغياب من كان يمنح العيد معناه الخاص.
أما النازح واللاجئ، فهو يحمل غربته مضاعفة؛ غربة المكان وغربة الشعور. يعيش العيد بعيداً عن بيته ومدينته وطقوسه التي تشكل ذاكرة الإنسان الأولى، فيحاول أن يصنع فرحاً مؤقتاً فوق ركام الفقد وعدم الاستقرار.
ولا يمكن إغفال كبار السن الذين يعيشون الوحدة أو الإهمال، فالعيد بالنسبة لكثير منهم ليس نقصاً في المال أو الطعام، بل نقص في الزيارة والسؤال والشعور بأنهم ما زالوا جزءاً حياً من حياة الآخرين. وقد يكون اتصال قصير أو زيارة عابرة كفيلاً بإحياء فرحة غابت عنهم سنوات.
وكذلك أصحاب الاضطرابات النفسية، كالمصابين بالاكتئاب أو القلق أو آثار الصدمات، إذ تتحول أجواء الفرح الجماعي أحياناً إلى عبء نفسي يزيد شعورهم بالعزلة وعدم القدرة على مجاراة الآخرين. فليس كل من يبتسم في العيد يعيش فرحه الحقيقي.
أما المسجون، فهو ربما أكثر الناس شعوراً بمفارقة العيد لمعناه الحقيقي. ففي الوقت الذي تجتمع فيه العائلات خلف موائد الفرح، يعيش هو عزلة قاسية تتضاعف فيها مرارة الفقد والحرمان. فالعيد داخل السجن ليس سوى تذكير مؤلم بما هو خارج الجدران: الأم، والأبناء، والبيت، والحرية. وإذا اقترن السجن بظلم أو قهر، فإن العيد يتحول إلى مناسبة تستدعي الأسى أكثر مما تستدعي السرور.
لهذا لا يمكن النظر إلى العيد بوصفه مناسبة موحدة التأثير على الجميع؛ فهو عند بعض الناس فرح مكتمل، وعند آخرين اختبار للصبر والحنين والوجع. وربما تكمن القيمة الإنسانية الحقيقية للعيد في قدرته على تذكير المجتمعات بمسؤوليتها الأخلاقية تجاه هذه الفئات؛ فالعيد لا يكتمل بزينة الشوارع ولا بكثرة الموائد، بل بقدرتنا على أن نجعل للغائب نصيباً من الأنس، وللفقير نصيباً من الكرامة، وللمكسور نصيباً من المواساة.
حينها فقط، يعود العيد إلى معناه الأول: عودة الفرح إلى الناس جميعاً، لا إلى بعضهم فقط.
كل عام وأنتم بخير
