الاستبداد وإعادة إنتاج التخلف الاجتماعي
يعد التخلف آفة مجتمعية بكل المقاييس، وعائقا سيكولوجيا يحد من وتيرة تقدم المجتمع ويكبح مسارات تطوره. ولا يقف أثره عند حدود التأخر المادي أو العجز التنموي، بل يتحول مع الزمن إلى بنية ذهنية وثقافة متجذرة في الوعي الجمعي، بفعل ديمومة الاستبداد واستمرار أنماط القهر الممارسة على الإنسان عبر التاريخ.
وقد أشار عبدالرحمن الكواكبي، في تحليله العميق لطبيعة الاستبداد، إلى أن الطغيان لا يفسد السياسة وحدها، بل يمتد أثره إلى الأخلاق والعلم والوعي والعلاقات الاجتماعية، حتى يغدو الاستبداد ثقافة عامة تتسرب إلى تفاصيل الحياة اليومية. فالمستبد لا يحكم بالقوة المجردة فقط، بل عبر خلق مجتمع خائف، مطيع، فاقد للمبادرة، حيث يعاد إنتاج القهر بصورة تراتبية، فيمارس الأقوى سلطته على الأضعف، وتتحول الهيمنة إلى سلوك اجتماعي متبادل داخل مختلف طبقات المجتمع.
وإذا كانت القاعدة السيكولوجية تؤكد أنه لا وجود لمجتمع ساكن بصورة مطلقة، حتى وإن غرق في التقليد والجمود، إذ تظل هناك دائما حركات احتجاجية ومحاولات تغيير تظهر بين الحين والآخر، مهما كانت البنية الاجتماعية شديدة المحافظة، فإن هذه المحاولات غالبا ما يتم احتواؤها أو قمعها بسرعة، بسبب قوة البنى السلطوية وهيمنة أدوات الإخضاع النفسي والاجتماعي.
إن التخلف، بوصفه ثقافة جمعية، لا يقتصر على الفئات المقهورة وحدها، بل يمتد أيضا إلى الطبقات التي تبدو أكثر قربا من مراكز النفوذ والسيطرة. فهذه الفئات، وإن ظهرت بمظهر الحداثة والتقدم، تمارس في كثير من الأحيان أنماطا مختلفة من التخلف في علاقتها بالآخر، سواء في الداخل أو الخارج. فهي تمارس الاستبداد تجاه الفئات الأضعف محليا، حرصا على استمرار البنية التقليدية التي تمنحها امتيازاتها، وفي الوقت ذاته تبدي خضوعا رمزيا للآخر الخارجي الذي تنظر إليه بوصفه مصدر القوة وشرعية البقاء.
وفي علم الاجتماع يطلق على هذه الحالة مفهوم "أثر الاستعراض"، أي تقليد المظاهر الخارجية للتقدم في بعدها الاستهلاكي والشكلاني، دون امتلاك الأسس الإنتاجية أو العقل الابتكاري الذي يشكل جوهر الحداثة الحقيقي. ولذلك كثيرا ما نجد مجتمعات متخمة بمظاهر التكنولوجيا والاستهلاك، لكنها ما تزال أسيرة بنى ذهنية تقليدية ونظرات متخلفة إلى الإنسان والمعرفة والوجود.
ولا يختلف حال كثير من المتعلمين في البلدان النامية، ومنها اليمن، عن هذه الصورة؛ فخلف المظهر العلمي والمعرفي قد تستمر البنية الذهنية التقليدية ذاتها، بما تحمله من نزعات إقصائية واستعلائية وخضوع للموروث غير النقدي. إذ إن امتلاك الشهادات لا يعني بالضرورة امتلاك الوعي النقدي أو التحرر من البنية النفسية للتخلف.
من هنا، فإن تجاوز التخلف ليس أمرا يسيرا أو عملية شكلية يمكن إنجازها عبر تغييرات سطحية أو استعراضية، لأن جذوره ضاربة في أعماق النفس الفردية، ومتغلغلة في مختلف مستويات البنية الاجتماعية، رأسيا وأفقيا. ولذلك فإن أي مشروع حقيقي للتقدم يقتضي جهدا طويل الأمد على المستوى الاجتماعي، وعملية وعي دؤوبة على المستوى الفردي، بهدف تفكيك البنى النفسية والثقافية التي تعيد إنتاج التخلف بصورة خفية ومستمرة.
فالتقدم لا يتحقق بمحاكاة المظاهر، بل ببناء الإنسان القادر على التفكير الحر، والنقد، والإبداع، والتحرر من علاقات القهر والاستلاب، وصولا إلى مجتمع يؤمن بقيمة العقل والعمل والعدالة بوصفها الأساس الحقيقي لأي نهضة حضارية.
