المُطَرِّفية.. عقل أضاء فأطفأته السيوف
فكرة قررت أن تمشي عكس التيار السائد، وأن تبحث عن الخالق عبر التدبر في حقيقة الطبائع وتحولات الطبيعة من حركة البخار وتجمد البرد ودورات الوجود، بعيداً عن صرامة المتون التي حصرت الفضاء العام في سلالة بعيدة. ظهرت المُطَرِّفية في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري في مناطق سناع ووقش وقاعة، وهي بقع جغرافية غدت رئة بديلة للمذهب الزيدي، تفتح أبواب العقل على أسئلة لم تعتدها البيئة المذهبية التقليدية. شيد مُطَرِّف بن شهاب مسجد عرابة فتحول المكان إلى فضاء فكري يقرأ الكون بعيون ترى في المعرفة طريقاً إلى الإيمان، وفي التأمل العلمي عبادة توازي في قداستها الفروض والشعائر.
آمن المطرفية بأن الإمامة استحقاق يمنحه العلم والتقوى وتؤهله الكفاءة، ورأوا في الإنسان مشروعاً مفتوحاً للعدل والمعرفة، متجاوزين حصر الحق في سلالة معينة، ليشكّل رفضهم لشرط البطنين محاولة لكسر قيود تحيط بالمذهب وتكاد تحوله إلى ميراث مغلق، مما جعل أطروحاتهم الفلسفية تتصادم مع الأفكار السياسية السائدة.
في قراهم المعلقة على أطراف صنعاء تشكلت حياة تمزج بين عرق الفلاح وتأمل الفيلسوف. المطرفي يحرث الأرض بيده ويحرث الغيب بعقله، وتتحول المساجد إلى فضاءات لرصد حركة الغيم وتحولات الجو وتجمد الأبخرة في طبقات الهواء. رأوا في الأمراض أسباباً طبيعية تسكن الأرض، وفي تقلبات الطقس دورات فيزيائية تعيد تشكيل الفضاء، مقدمين رؤية علمية نبتت وسط بيئة مثقلة بالجمود والتفسير الغيبي المغلق، وتحركوا في جغرافيا اليمن التاريخية كمن يعيد ترتيب العالم عبر عناصره الأولى من تراب وماء وهواء ونار، باحثين في طبائع الأشياء عن معنى يحرر الروح من قيد النسب وسلالات الدم.
هذا الانفتاح جعل المطرفية جسراً بين عقلانية الاعتزال وروحانية الزيدية، وأكسبها حضوراً واسعاً داخل الهضبة اليمنية، غير أن هذا الصفاء الفكري اصطدم سريعاً بجدار السلطة السياسية. وحين عاصروا الإمام عبد الله بن حمزة، وجد في استقلالهم الفكري ونظرياتهم حول طبائع الكون خطراً على شرعية تقوم على الأحادية، فتحولت الخلافات النظرية سريعاً إلى مواجهات دامية بعد أن ضاق ذرعاً بأسئلتهم التي تفتت مركزية سلطته، فأطلق عليهم أوصاف المارقين والنواصب، وصاغ رسائل مشحونة بالعداء ضدهم لتتحول الفتوى إلى تمهيد مباشر للعنف المسلح.
في مطلع القرن السابع الهجري خرجت الكلمات من الكتب إلى السيوف، وسيقت الجيوش نحو هجرة "قاعة" في واحدة من أكثر لحظات التاريخ اليمني قسوة، فسقطت القرى تحت النار، وهدمت المساجد التي كانت تضج بالنقاشات العقلية، وسويت بيوت سناع ووقش بالأرض رغبة في اقتلاع الفكرة من جذورها. ارتكب جيش عبد الله بن حمزة جرائم واسعة جعلت الأرض تضيق بأهلها، وأجبر الناجون على وضع الزنار علامة للتمييز، في مشهد كشف رغبة السلطة في محو جماعة كاملة من الذاكرة والهوية.
توزع شتات المطرفية بين قمم الجبال ومناطق سيطرة الأيوبيين، تاركين خلفهم سناع ووقش أطلالاً تحكي قصة عقل حاول أن يضيء في ليلة حالكة، وظلت آراؤهم في الطبيعة والسياسة جرحاً معرفياً يرفض الالتئام، يذكر الأجيال بأن العقل اليمني امتلك يوماً شجاعة التفكير الحر، وبأن "مسجد عرابة" كان شاهداً على زمن حاول فيه العلم أن يقود العقيدة نحو ضفاف التحرر. ومع أن القرى هدمت والمساجد أحرقت وامتد الغبار والدم فوق الطرقات، فإن السؤال الذي طرحوه ظل حياً يبحث عن كيفية تحويل الفكرة إلى عدالة مشاعة، وعن سبل ازدهار المعرفة بعيداً عن قيود الهيمنة الضيقة.
ورغم أن تلك الحملة نجحت في تجريف الوجود المادي للمطرفية، فإن أثرهم لم يندثر تماماً من جغرافيا الفكر، إذ بقيت أفكارهم ونظرياتهم في الطبيعة والسياسة مبثوثة في تضاعيف كتب خصومهم التي حاولت تفنيدهم فخلدت مقولاتهم، فضلاً عن تلك المخطوطات النادرة التي نجت لتستقر في بطون المكتبات وخزائن التاريخ كشاهد على عمق تلك التجربة.
يتجاوز حضور المطرفية اليوم حدود المخطوطات القديمة، ليبقى في الوجدان اليمني أثراً لأول محاولة كبرى أرادت أن تجعل المعرفة بديلاً عن الامتياز، والعقل طريقاً إلى العدالة، قبل أن تأتي السيوف لتغلق الباب الذي فتحته الأسئلة.
