الإثنين 18 مايو 2026

ما بعد الزيارة

ترى، هل كان ترامب يدرك جيدًا أن الصين تجيد رقصة التانغو كما تجيد جدًا الرقصة الجماعية؟ فالصين، سكانًا وأراضي شاسعة، علمت الصينيين أشياء كثيرة، منها جماعية العمل والرقص. الصين عمق تاريخ وأفكار وفلسفات، ليست جغرافية طارئة، وليست نظامًا طارئًا خرج من رحم الغزو والتوزيع وإبادة الآخر. الصين التي زارها ترامب تمتلك تحديات التاريخ والجغرافيا وصراعات آفاق مستقبل جديد للبشرية. أما أمريكا فهي الطارئة على التاريخ والجغرافيا، ومن هنا تأخذ الزيارة التاريخية التي أداها ترامب للصين مؤخرًا معناها.

ولا أدري، هل تعبد ترامب بمعبد التاريخ السماوي الذي زاره، أم أخذ عبرة من المعنى التاريخي لسور الصين العظيم المقاوم للغزوات؟ فالتاريخ يظل نهر حياة وتحديات تتجدد. ومن هنا كانت ابتسامات العم ماو على محيا الرئيس شي بينغ تعني: فكر جيدًا أيها الزائر، أنت في الصين تاريخًا وموقعًا.

ترامب ذهب إلى الصين زائرًا ليبتعد أكثر عن منغصات عرشه الداخلي المهتز؛ فلا مغامرات دون كيشوت أنجحته، ولا حرب إيران أسعفته، ولا استيلاؤه على نفط فنزويلا هدّأ من روع حالة التضخم بالأسواق الأمريكية، ولا سعر الدولار استقر، ولا شعاره الفذ "to make America great again" صعد سلم المجد متربعًا على عرش العالم.

ها هي إيران تنازل أمريكا، وها هو مضيق هرمز يحرك التهديدات العسكرية ويخنق اقتصاد العالم، وها هي أمريكا تفقد الحليف تلو الآخر، أولهم الحليف الأوروبي. وما تبقى لديه غير أخطبوط نتنياهو، لكن الصورة قاتمة؛ فحالة سندات الخزانة الأمريكية حرجة، ووضع الدولار بات على محك الهاوية. فالصين تلوّح بعملة اليوان القابل للتحويل، والقابل لأن يكون وسيلة للسداد والاحتفاظ به كعملة ملاذ آمن. والصين لها أذرع كالتنين يتمدد طولًا وعرضًا ضمن توافقات كونية، الكل له مصلحة بمجرى سيل التجارة الكوني الذي يرسمه مستقبل الحرير والطريق الرابط القادم بين قارات وأسواق وموانئ العالم.

هذه الصين التي باتت تقلق اليانكي الأمريكي، منافسًا يمتلك بهدوء كل مجالات ومآلات المنافسة. ومن هنا تدرك الإدارات الأمريكية وأساتين المال والتكنولوجيا الذين رافقوا ترامب ماذا تعني الصين؛ إنها تعني بالنسبة لهم ولترامب ما يلي:

  • بلد ذو تاريخ وإمكانات وسوق داخلية استيعابية منافسة لإمكانات وقدرات أمريكا المختلفة.
  • الصين بلد الفائض التجاري الكبير مع أمريكا.
  • الصين طاقة شمسية وكهرمائية يندر منافستها.
  • الصين بحاجة لأمريكا ببعض المجالات وفق مبدأ تكافؤ المصالح، لكنها تمتلك ما تريده أمريكا من سوق استيعابية ومواد أولية نادرة تشهق لها النفس التكنولوجية الأمريكية، ومن هنا وسائل الضغط المتبادل.

هي زيارة تاريخية لترامب لبلد تاريخ عريق وجيوسياسي تعمل له أمريكا ألف حساب؛ فالتنين قد أفاق من سباته، وبات يدرك كيف يتقلب على أسرة مساء وضحى عالم باتت الصين أحد علاماته الكبرى، وهو ما يدركه ترامب حين قام بزيارته التاريخية وخطط لها.

لكن التاريخ والمستقبل لم تعد تصنعهما الابتسامات البلهاء ولا الضغوط الممكن امتصاصها. لذا ردد ترامب بأنه لم يطلب من الصين تدخلًا ضاغطًا ضد إيران، وحسب قوله، فمن يطلب عليه أن يلبي ما يطلبه الآخر القوي. لذا فضل المراوحة والبقاء بمنطقة بين البين التي تعكس تفاهمات متبادلة لمصالح مشتركة، لا يتخلى أحدهما عن ثوابته.

فالصين لن تهادن أو تفتح مجرد ثغرة أو نافذة ليتسلل منها هواء إلى جزيرة تايوان خارج مجرى الهواء والهوى الصيني، ولا معنى لمد تايوان بالأسلحة؛ فالصين لم تعد تلك الصين التي أغرقها ذات مرة اليابانيون والإنجليز بالمخدرات. إنها الصين التي بات ترامب، قبل غيره، يعمل لمكانتها وقوتها ألف حساب.

زار ترامب الصين، وقفل راجعًا إلى البيت الأبيض يتحسس أوضاع ما قبل التجديد النصفي، ليراها مضطربة تشكل له هاجسًا إلى جانب هاجس الحرب الإيرانية ومشاكل مضيق هرمز. أسئلة وهواجس ما حسنتها زيارة الصين، حتى وإن تجلت في سماء المصالح المشتركة عناوين تسويات ذات طابع تجاري بحت.

كلا الطرفين أيقن جيدًا أنه بحاجة إلى الآخر وفق تفاهمات لا ضغط فيها ولا أوامر، ولا عصا أمريكا الغليظة بات لها المعنى ذاته في قاموس السياسة والمصالح العليا للصين، من أول تايوان مرورًا بطريق الحرير، والمعاني الكامنة وراء الزيارات المكوكية لوزير الخارجية الإيراني إلى بكين، ناهيك عما تحمله وستخرج به زيارة الرئيس بوتين لبكين يومي 18 و19 من الشهر الحالي.

إنها صين سور الصين العظيم، ولا عزاء للماجا وسيد البيت الأسود ترامب.