الأحد 8 نوفمبر 2026
  • الرئيسية
  • التَّجربة الدِّيمقراطية والحزبية في اليمن

التَّجربة الدِّيمقراطية والحزبية في اليمن

ارتبطت المَدَنِيَّة، والحَدَاثَة، وكُلّ معاني التَّجديد والإصلاح، بالحرب العَالمَيِّة الثَّانية؛ وَتَحدِيدًا في المستعمرة عدن.

وكانت الصَّحَافة: «فتاة الجزيرة»، 1941، هي القابلة الأولى لولادة الحركة النقابية العُمَّالية، وبداية التَّعليم الحديث، والنَّشاط التجاري، وَتَفَتُّح الحياة المَدنِيَّة، ونشأة المطالب السِّياسية، والتَّكوينات المَحَليَّة: «الجَمعيَّة العَدَنِيَّة» التي تَحوَّلَت إلى أحزاب مَحَلِيَّة.

الصَّحافة والهجرة مِدمَاكَان أساسِيَّان في كُلِّ التَّطورات السِّياسيَّة؛ بما فيها التَّفتُّح الدِّيمقراطي، وولادة الأحزاب، والمجتمع المدني، بشكل عام. هذا في الجنوب، وَامتدَّ التَّأثير إلى المتوكليَّة اليمنيَّة: «حزب الأحرار»، 1944، و«الجمعية اليمنية الكُبرى»، 1946، و«صوت اليمن»، 1946، وكانت البداية في الشَّمَال: التَّعليم الحديث في «المدرسة العِلمِيَّة»، 1940، وإرسال بعثتين: عسكريَّة، ومَدنِيَّة إلى العراق، عام 1936، و«بعثة الأربعين»، إلى لبنان، عام 1947.

كانت البداية الباكرة لِلحِزبِيَّة والدِّيمقراطية في الجنوب؛ وَتَحديدًا في المُستَعمَرَة عدن المحكومة بالوجود الاستعماري، ولكن نشاط المجتمع المدني: الصَّحافة، والنَّقابات، والجمعِيَّات، والأحزاب، تجاوز حُدُودَ السَّماح البريطاني، وامتد النَّشَاط إلى الشَّمال (المتوكلية اليمنية)؛ بلد الأمِيَّة التي تتجاوز الـ95%؛ حسب كتاب «الأحزاب والتنظيمات السياسية في اليمن»، للدكتورة إلهام محمد مانع.

أمَّا الأمِيَّة المعرفِيَّة، فَأعمّ وأشمل، والنَّشَاط السِّياسِي محدود ومحصور، والمعارضة إمَّا وسط الفئات الحاكمة المتنافسة على الحُكم، أو من القضاة، وكبار المشايخ الرَّافضين لحصر الحكم في أسرة، أو انتقادات الشَّباب: محمد المحلوي، وعشرات.

فالمعارضة في الشَّمال تقليدية، والحزبية في الجنوب معلولة، ومحاصرة بالأمِيَّة بمعنييها، وبالارتباط بالمركز القومي، أو الأممي، ومُحَاطة بالمكائد البريطانية. والمأزق الحقيقي أنها آتية من أعلى، ومصابة بعلل السِّريَّة، أو الطبيعة العسكرية: «تنظيم الضُّبَّاط الأحرار».

أسئلة الندوة أسئلة السَّاعة، والعصر، والمكان.

التجربة اليمنية في الجنوب

نجحت المراحل الأولى في الَّتفَتُّح، والتسامح، والتعايش، والقبول بالاختلاف، وتأسس في الجنوب ما يقرب من سبعين صحيفة ومجلة، وتأسَّسَت عشرات النقابات، والأحزاب، وَشُجِّعَت المرأة على الخروج، والمطالبة بالحقوق، والمشاركة في الحياة السياسية بمستويات معينة، ونجحت في الانشقاق عن الحكم، وتبني المطالب الشَّعبية.

وهناك ترافد عميق بين المجتمع المدني، ومفرداته الحزبية والنقابية، والصحافة، وللهجرة تأثير على كُلَّ ذلك في اليمن. ففي المهاجر الحضرمية؛ في جنوب شرق آسيا، صَدرَ ما يقرب من أربعين صحيفة، وكان لهذه الهجرة تأثير كبير على اليمن، والجزيرة والخليج.

وكان نجاح العمل الحزبي المساهمة في اتِّسَاع رُقعَة التَّعليم الحديث، وتحقيق الاستقلال، وإسقاط الحكم الإمامي، وقيام جمهورية اليمن الديمقراطية الشَّعبية في الجنوب.

وَالدِّفاع عن الثورة والجمهورية في الشَّمال، وحماية الاستقلال في الجنوب. والأهم بناء كيانين وطنيين حَقَّقَا إنجازات في التنمية والبناء؛ رغم شح الإمكانيات، والعوائق، والصِّراعات.

سقوط الإمامة في صنعاء

تُعَدّ ثور السَّادس والعشرين من سبتمبر 1962، وقيام النظام الجمهوري الإنجاز الوطني لليمن، وللأمة العربية، وكان الإنجاز الثاني طرد الاستعمار، وبناء الكيان القومي (جمهورية اليمن الدِّيمقراطية الشَّعبية)، والوصول إلى الوحدة اليمنية في الـ22 من مايو 1990؛ عبر الحوار السِّلمي الديمقراطي.

أمَّا الفشل، فهو عدم التَّمَكُّن من تحقيق الوحدة بعد الاستقلال مُباشَرةً؛ لاختلافٍ في طبيعة الخامس من نوفمبر 1967 عن نهج قيادة الرابع عشر 1967، والحصار المفروض على صنعاء من قبل الملكيين. وكان قرار القاضي عبدالرحمن الإرياني بالاعتراف بدولة الاستقلال حَكيمًا؛ في حين أنَّ المشايخ، وكبار الضباط كانوا ضِدَّ هذا الاعتراف.

كانت الخطيئة الكبرى الحرب؛ وهي مشتركة ومتبادلة بين كبار المشايخ، وكبار الضُّباط، والسياسيين الانتهازيين في الشمال، وبعض قادة الجبهة القومية المتطرفين والمغامرين الذين يعتقدون أنَّ البندقية هي المطلق، ومن فوهة البندقية تنبع السُّلطة السياسية؛ فأججوا الصراع الدامي ضِدَّ الخصم السياسي (جبهة التحرير)؛ و (حزب الشعب الاشتراكي)؛ ثُمَّ ضِدَّ بعضهم، وتبنوا الكفاح المُسَلَّح ضد عُمَان، والخليج، وفرضوا ألوان التأميمات الجائرة، وصادروا حرية الرأي والتعبير، وقمعوا الديمقراطية والمختلف، وتبنوا الحزب الواحد، والرَّأي الواحد.

أقروا الحُرِّيات الفردية، وحَقَّقوا قَدرًا من المساواة، وحققت المرأة مَكَاسِبَ لا يُستهان بها في مجال الحقوق؛ عبر «قانون الأسرة» الدِّيمقراطي، وقطعوا شَوطًا في مكافحة الأمية، وفي توحيد اثنين وعشرين ما بين سلطنة ومشيخة. وأدَّت العداوة للمختلف، والقمع الدموي، والصِّراع على السلطة، إلى تآكل منجزاتهم، وقتلها في أحداث يناير 1986، وفي حرب 1994.

حرب السَّبع السنوات في الشَّمال أعاقت التَّنمية والبناء والتَّحديث؛ والأخطر أنَّهَا عَطَّلَت تأسيس كيان الدَّولة، وَتَرتَّبَ على أحداث أغسطس 1968 صِرَاعات دامية.

المصالحة الوطنية عام 1970 فتحت الباب أمام حرب الشَّمَال والجنوب، وحرب كبار المشايخ وكبار الضباط، مع التَّيارات الحِزبيَّة والحديثة في الجيش والأمن والحياة المدنية.

حركة 13 يونيو 1974 طرحت قضية بناء الدَّولة العَصرِيَّة الحديثة، وفرض هيبة النِّظَام والقانون، وَالحَدّ من نفوذ المشايخ، وَحَقَّقَت إنجازات طَيِّبَة في التَّنمِية والبناء، ومَدَّت الطرقات، ومشاريع المياه والكهرباء، وقامت ببناء المدراس، والمستوصفات، وربطت الرِّيف بالمدينة عبر التَّعاونيات، ولكنها وُئِدَت بَاكِرًا.

تَوَاصُل الحرب في السَّلطة وعليها، والصِّراعات القبلية، وحربا 1972، و1988 بين الشمال والجنوب، وداخل كُلّ شطر على حِدَة= كارثة الكوارث، وسبب ما تعيشه اليمن اليوم؛ إضافةً إلى الانقلابات، والاغتيالات، والتَّصفيات، وَ«قَبْيَلَة» الدَّولة في الشمال بعد الـ 5 من نوفمبر 1967، و«مَلشَنَتهَا» في الجنوب؛ خُصوصًا بعد أحداث يناير 1986.

بدأت التجربة الحزبية في الجنوب بالسَّماح، وَالتَّعَدُّد، وآلت إلى الحزب الواحد. أمَّا في الـ ج. ع. ي، فَكُلّ الدساتير المؤقتة والدَّائِمة التي صَدَرَت بعد ثورة الـ 26 من سبتمبر، حَرَّمَتْ الحِزبِيَّة، واعتبرتها خيانةً وطنية، ولكن دستور دولة الوحدة: المادة (36)، أقَرَّ الحزبية، وحُرِيَّة الصَّحافة.

هناك نجاحات أشِيرَ إلى بعضها، وإخفاقات مشتركة: حزب واحد في الجنوب، وتجريم الحِزبِيَّة في الشمال.

في الشَّمَال تتماهى السُّلطة مع القبيلة، وفي الجنوب امتزج الحزب بالمليشيات، والقوة العسكرية. فالاستبداد، والعِدَاء للدِّيمقراطية، ومصادرة حُرِيَّة الرَّأي والتعبير، قاسم أعظم بينهما.

في الجمهورية العربية اليمنية اختُزِلَت السلطة في رجل، وفي الجنوب أختزِلَ الحزب في واحد، وهما يتشاركان حَدَّ التَّمَاهي في الاعتقالات، والإخفاء القسري، وتصفية الخصم السِّياسي، وغياب المُسَاءلة، والإفلات من العقاب، وتهميش القضاء.

والسُّؤال المؤرق: كيف للأحزاب الناشئة في بيت السَّمع والطاعة؟ يُربَّي الطفل عليها من أمِّه وأبيه، ويُلَقَّنَها في المدرسة، ويسمعها صباح مساء من إمام المسجد، ومن أترابه؛ والإعلام في بيئة تحكمها الأمِيَّة.

يهرب الشباب إلى الحزبية؛ كإعلان تمرد وعصيان. ليس ضِدَّ القمع الذي تمارسه الأجهزة الأمنية فحسب، وإنَّمَا أيضًا ضِدَّ قمع المجتمع، والبيئة، والأسرة أحيانًا.

فالحزبية في الشمال قبل الوحدة، وفي الجنوب بعد الاستقلال مغامرة سِرِّيَّة محفوفة بالمخاطر، وذات طبيعة عسكرية. وقد يكون أخوك أو أختك معك في الحزب، ولا تعرف عنهما، أو يعرفا عَنكَ شَيئًا.

والحديث عن الدِّيمقراطية المركَزيَّة «حديث خُرَافة». فَالمركَزيَّة رَفْض للدِّيمقراطية، وأحدهما ينفي الآخر كضدين. فالحزبية لا تواجه قمع الأجهزة الأمنية فقط، وَإنَّمَا أيضًا قمع المجتمع والأسرة.

فَالسرية نفي للديمقراطية. وأحزاب البلدان المختلفة صُورة من صُوَر المجتمع؛ وفي أحايين كثيرة صورة طبق الأصل للحكم.

أليس غَريبًا أن تكون في حزب قومي عربي تطالب بالدِّيمقراطية في اليمن، بينما قيادتك في سوريا، أو العراق، أو ليبيا ضِدَّهَا، أو أن تكون في حزب شيوعي تدعو للديمقراطية، بينما القيادة في الاتحاد السوفيتي، أو الصِّين الشعبية ضِدَّها.

وَكُنَّا في أحزاب يسارية في الـ ج. ع. ي، ندعو للحُريَّة، ونطالب بالدِّيمقراطية، بينما النِّظَام في الجنوب، وقياداتنا ليسوا مع الديمقراطية.

والأخطر أنَّ المجتمع اليمني، رغم مضيّ أكثر من نصف قرن على الثَّورة اليمنية: سبتمبر، وأكتوبر لم يشهد الاندماج الوطني.

المجتمع اليمني يَتَّسم بالتَّفاوت في المناطق، من ناحية التطور، والنمو، ومناطقه مذرورة ومنثورة في أكثر من مئة وعشرين ألف قرية وبيت؛ وهي ضعيفة التَّوَاصُل، ويغيب عنها الاندماج؛ في مجتمعها القبلي، والأهلي، والمدني، والقبلي. والقبيلة، وإن ضعفت كبنية، إلا أنَّها حاضرة كقيم، وتقاليد، وعادات، وذهنية، وسلوك، وتقوى بالصِّراعات البينية، بالإضافة إلى التَّدخُل الخارجي.

الأحياء الجديدة في صنعاء، وعدن، وتعز، وإب، والمكلا، والحديدة تكونت من الوافدين من الرِّيف؛ فسكن أبناء القرية الواحدة جوار بعضهم؛ فانتقلت القُرَى إلى المدن؛ وهي حقل الانتماء الحزبي.

الأحزاب الجديدة القومية، واليساريَّة، والتيار الإسلامي امتداد لأحزاب عربية، أو أممية، وقد ابتدأت من عدن، ثُمَّ تعز، وحضرموت، ثُمَّ إلى المناطق الأخرى.

المُدُن الأكثر حصولًا على التَّعليم الحديث، وتواصلًا مع الخارج، وحَداثةً في بنيتها، هي التي استقبلت الحِزبِيَّة. وكان العُمَّال والطلاب هم المهيؤون أكثر. وللرَّوَابط الأسَريَّة وَالمناطِقِيَّة والزَّمَالة أثر في الانتماءات الحزبية؛ وللبعثات الطلابية، وبلدان الدراسة تأثيرها.

وقبل ذلك وبعده، فالصِّرَاعات السِّياسية، وصراع الشَّمال والجنوب، والمظالم الاجتماعية، وفساد الحكم واستبداده، مناخ خصب لازدهار المعارضة، وانتشار الحزبية.

وطوال ما يقرب من ثلث قرن من ولادة الحزبية بقيت الحزبية تجربةً مٌحاصرةً بالقمع، والأمِيَّة، وبصراعاتها؛ وَخُصوصًا القَبَليَّة.

والمأساة أنَّ خلافات الأحزاب في المراكز: بيروت، وسوريا، والعراق، ومصر، انتقلت إلى فروعها، وكانت اليمن الأكثر تَأثرًا، وَتَضررًا بنقل الوجود المصري خلافات القيادة المصرية مع أحزابها في الدَّاخل، وخلافاتها مع البعث؛ في سوريا، والعراق، إلى اليمن الأكثر احتياجًا إلى التَّفتُّح، وَالتَّسامُح، ومساعدة الجميع.

أمَّا الدُّروس المستخلصة، فالاهتمام أولًا، وقبل كل شيء، بالعمل على وقف الحرب. فوقف الحرب الحرف الأول في أبجدية نجاة اليمن واليمنيين.

فالإخفاق الكبير هو الحرب؛ وهي جذر الأشياء جَميعًا كما يقول هرقليطس. فما لَحِقَ بالتجربة شَمَالًا وجنوبًا سَببهُ الصِّراع، والاقتتال بين الشَّمال والجنوب، وداخل كُلِّ شطر على حدة، والقمع، ومصادرة الحريات.

إنَّ عدم تحقيق التنمية والبناء والحداثة، وبناء الكيان الوطني الديمقراطي سَببهُ الصِّراع الكالح في السُّلطة وعليها.

صراع التجربتين الثوريتين اليمنيتين قَوَّى عضلات القبيلة والرِّيف ضِدَّ المدينة، وأصاب المدينة في مقتل، وقضى على الدِّيمقراطية، وحرية الرأي والتعبير، وَمَهَّدَ الطريق للعودة باليمن إلى مكوناتها الأولى، وَتَسَيُّد دعوات «الحق الإلهي»، و«الاصطفاء»، وحكم الغَلَبَة والقوة، وَأدَّى إلى تفكيك اليمن، وتجزئتها، وتمزيق نسيجها المجتمعي.

وَقْف الحرب يَفتح السَّبيلَ أمامَ القضايا الكبيرة؛ أمام اليمن واليمنيين للحوار، والتَّصالُح، والعدالة الانتقالية، ويتيح الفُرصة لمطالب العدالة، والدِّيمقراطية، والمساواة، وحقوق الإنسان، وَالتَّعددية، والحرية.

والأسئلة الأهم -بعد وقف الحرب طَبعًا- إعادة قراءة تجارب الماضي اليمني: سبتمبر 1962، وأكتوبر 1963، ونوفمبر 1967، و13 يناير 1986، وأحداث أغسطس في صنعاء، وتجربة 13 يونيو 1974، والوحدة اليمنية 1990، وحرب 1994، وحروب صعدة السِّتَّة، والرَّبيع العربي في اليمن، وانقلاب 21 سبتمبر، والحرب المستدامة، وما أعقبها، ونجم عنها، ومَا تَعيشهُ اليمن اليوم.

نقد الأحزاب الكبيرة لنفسها، والابتعاد عن وهم الحسم العسكري، في حرب يتمازج فيها الأهلي، بالإقليمي، بِالدَّولي، وتضعف العوامل الدَّاخِليَّة، لصالح العوامل الخارجية أمر مُلِحّ.

الاستفادة الحقيقية تكون بتشخيص الدَّاء، وتوافق الإرادة اليمنية الجمعيَّة على الحوار.

وإذا ما أعدنا قراءة التجربة، واستخلصنا النَّتَائج؛ فَإنِنَّا نلاحظ عَدمَ الاهتمام بالدِّيمقراطية، والأبعاد الفكرية والإبداعية لِمُعطَى الحرية، وغيابها في علاقة الحاكم بالمحكوم، وعلاقة الأحزاب بالأحزاب، وعلاقتهما بالشَّعب، وقضاياه..

وَالسَّؤال: كيف فهمت الأحزاب الدِّيمقراطية؟ وكيف كان التَّطبيق والممارسة الواقعيَّة؛ سواء في العلاقة بالجماهير، أو ببعضها، ومدى الأثر والتَّأثير في الواقع، ولا عِبرةَ بالنُّصُوص الدُّستوريَّة ولا ببرامج الأحزاب، وإنَّمَا بِمَا يتجلَّى في الواقع، وتجسيد الممارسة.

ولا بُدَّ من الإشارة إلى أنَّ حَصرَ الدِّيمقراطية في العدالة الاجتماعِيَّة قد خَيَّبَ الآمال، وأضاع العدلَ الاجتماعي والسِّياسي مَعًا. وللأسف كانت تجربة العمل النقابي متماهية، أو مندغمة في العمل الحزبي.

النَتِيجَة التي وصلنا إليها بعد ثلثي قرن من المعاناة والمآسي أنَّهُ يستحيل في اليمن أن تنفرد منطقة، أو جهة، أو طائفة، أو قبيلة أو قبائل، أو حزب سياسي، أو أسرة بحكم اليمن؛ ولا خِيارَ ولا سَبيلَ أمام اليمنيين إلا بالتَّوافُق، وَالتَّشارُك، وَالقبول قَولًا، وفِعلًا بحرية الاختيار، والاحتكام إلى صندوق الاقتراع، وحقّ التَّعدُّد الحزبي، والسِّياسي، وحُرِيَّة الاعتقاد؛ فلا معنى لِلدِّيمقراطية، ولا لِلحُرِيَّة، ولا لِلحِزبِيَّة، بدون التَّعدُّديَّة، وحرية الرَّأي والتَّعبير والاعتقاد.

وَحَقًّا؛ فِإنَّ مَا أعاقَ فاعليَّة وتأثير الدِّيمقراطية، إضافةً إلى المحاصرة من الحاكم، هو غياب المصداقية من قِبَلِ الأحزاب، سواء في علاقاتها بالشَّعب، أو ببعضها، أو حتى بأعضائها، ولم نسأل أنفسنا: لماذا فشلنا؟ ورغم العناوين العِلميَّة، وَالمُسمَّيَات العصرية، إلا أنَّ أمراض التركيبة المجتمعية حاضرة.

تَتَوحَّد القبيلة في الشَّيخ، والحزب في الأمين العام، وَالدَّولة في الزعيم الأوحد، ولا يمكن للحزب أن يقوى، ويتسع نفوذه، دون أن يسمح بتعدد الآراء داخله، وأن تسود أجواء التَّفتُّح، وَالتَّحرُّر، وحق الاختلاف. ولكن ظروف القمع، والملاحقة، تفرض انغماس الأحزاب في العمل السِّرِّي، وَيَتَّخِذ بناؤهُ التنظيمي الطَّابع العسكري، والحرمان من حَقِّ عقد المؤتمرات، وحرية المناقشات المفتوحة، وتداول الآراء، والالتقاء بالآخرين، ومحدودية التَّعامُل مع الآخر، وَالتَّوجُّس الأمني الدَّائِم.

وربما كانت الخطيئة فرض الوحدانية، ومصادرة حق التَّنوُّع وَالتَّعدُّد؛ وهو ما سارت عليه التجربة العربية في بلدان الثَّورة العربية كلها، وَاتَّسمَ السَّماح بعد الوحدة بصراعات الأحزاب الكبيرة، وعقلية المنح والمنع، وديمومة الصِّراع. ومن جديد الاحتكام إلى الغلبة والقوة؛ فَكَانت حَرب 1994 الكَارِثة المُمتَدَّة آثارها التَّدمِيريَّة حَتَّى اليوم.

الانتخابات والدستور

حزب الأحرار سَمَّى نفسه «حزب الأحرار الدُّستوري»، وَصَدرَ قبل الثورة سبتمبر،1962 وأكتوبر 1963 عِدَّة دساتير في المستعمرة عدن، وفي المحميات: السَّلطنة القعيطية، ولحج، وبيان دستور اتحاد الجنوب العربي عام 1952.

وكان الأهم «الميثاق المُقَدَّس»، عام 1948 والذي نَصّ لأولِّ مرة على قيام شُورى من سَبعينَ شَخصًا.

حَدّدَ الميثاق منهم مجلس الوزراء، ومديري الوزارات، والمستشارين العموميين. والباقي يَتَّفِق على تعيينهم مجلس الوزراء، وحضرة الإمام، بمجرد الانتهاء من وضع الدُّستور المادة (14).

ويتضمن الميثاق َتفصيلًا، ومواد مُهِمَّة لدستور مُهِمّ بمقاييس العصر، وفي «مملكة الموتى»؛ كَمَا سَمَّاها الرَّحَالة الإيطالي سلفادور أبونتي. وكانت حركة 1948 في صنعاء أول حركة دستورية في الوطن العربي كله.

جرت انتخابات شكلية بعد ثورة 1962، وكان أهمها: انتخابات العام 1971، ولكنها أيضًا لم تلتزم المعايير الدَّولية للانتخابات الدِّيمقراطية.

في مبحث للدكتور قائد طربوش بعنوان «الدَّسَاتير اليمنية»، تناولَ فيه نظام الحكم في الوثائق الدُّستورية اليمنية، ويرى أنَّهُ لم تُحَّدَّد طبيعة النِّظام البرلماني في الوثائق الدُّستورية المَلكِيَّة، ويستثني دستور مستعمرة عدن، لعام 1962.

ويشير إلى سَنِّ دستور دولة الوحدة للَّتعدُدية الحِزبِيَّة وَالسِّياسِيَّة والحُرِّيَات الدِّيمقراطية. (الموسوعة اليمنية: 2/ 1304).

الانتخابات الرِّئاسية وَالتَّشريعِيَّة والمجالس المَحَليَّة في الشَّطرين شَكلِيَّة. وكانت البداية الحَقيقية لِلتَّحَوُّل الدِّيمقراطي هو قيام دولة الوحدة، وإقرار الدُّستور المُستَفتَى عليه. ولكن نهج التَّقاسُم، وامتداد الصِّرَاع، وَالرِّهان على الغلبة والقوة؛ أطاحَ بِالتَّجرُبة. فحرب 1994 فتحت الباب أمام عودة الحروب المتواصلة؛ عدوة الحُرِيَّة والحياة وَالدِّيمقراطية، والرَّبيع العربية في اليمن كان الأمل الموءود في المهد.