السبت 7 نوفمبر 2026
  • الرئيسية
  • حين يُستهدف النسب بدلًا من مساءلة المشروع

حين يُستهدف النسب بدلًا من مساءلة المشروع

- من التعميم المضلل إلى استعادة الوعي الوطني ورتق النسيج اليمني

منذ عام 2015، تصاعد خطاب يسعى إلى تصوير بني هاشم، على اختلاف مذاهبهم وتوجهاتهم السياسية والحزبية ومناطقهم، وكأنهم كتلة واحدة تجمعها عقيدة واحدة وولاءات سياسية ومصير مشترك، وأنهم جميعًا امتداد للمشروع الحوثي وارتباطه بمحور تقوده إيران. وهذا تعميم لا يستند إلى حقيقة الواقع، بقدر ما يعكس قراءة اختزالية خطيرة، تخلط بين النسب والموقف، وبين الانتماء العائلي والاختيار السياسي.

إن خطورة هذا الخطاب لا تكمن في ظلمه للأفراد فحسب، بل في آثاره على المجتمع اليمني كله؛ إذ يحوّل النسب إلى تهمة، والانتماء العائلي إلى موضع اشتباه، ويضع شريحة كبيرة من اليمنيين في دائرة اتهام جماعي لمجرد انحدارهم من أسرة أو سلالة بعينها. وبذلك تتسع الشروخ في النسيج الاجتماعي، وتتغذى مشاعر الإقصاء والكراهية، في وقت يحتاج فيه اليمن إلى ما يجمع أبناءه لا إلى ما يضاعف أسباب الفرقة بينهم.

وليس من الإنصاف، إنكار وجود أفراد من بني هاشم انخرطوا في المشروع الحوثي أو أيدوه أو دافعوا عنه، شأنهم في ذلك شأن أفراد من مختلف الأسر والقبائل والمناطق اليمنية. لكن المسؤولية هنا تُحدد بالموقف والفعل والدور، لا بالنسب. فمن شارك في الانتهاكات أو أسهم في مصادرة حقوق الناس وإرادتهم، يُساءل عن فعله ومسؤوليته، أيًّا كان أصله أو انتماؤه. أما أن يتحول الانتماء العائلي إلى إدانة مسبقة، فذلك خروج عن منطق العدالة ومبادئ الدولة والمواطنة.

ومن المهم أن نفرّق بين نقد المشروع الحوثي، بما يحمله من أفكار وممارسات وسياسات، وبين تحميل جماعة بشرية كاملة مسؤولية ذلك المشروع. فليس كل هاشمي حوثيًا، وليس كل من ينتسب إلى بني هاشم مؤيدًا لفكر الولاية أو مقتنعًا به، كما أن مناهضة المشروع الحوثي لا تمنح أحدًا حق استهداف الناس في أنسابهم أو الانتقاص من حقوقهم بسبب أصولهم العائلية.

وهنا يبرز سؤال يستحق التأمل: هل أسهم خطاب التعميم والاستهداف بسبب النسب، لدى بعض أبناء بني هاشم، في دفعهم إلى الاصطفاف مع الحوثيين طلبًا للحماية أو بدافع الشعور بأنهم مستهدفون جماعيًا؟ لا يمكن الجزم بأن ذلك هو السبب، ولا اتخاذه مبررًا لأي موقف أو اصطفاف، لكنه احتمال يستحق التوقف أمامه؛ لأن السياسات والخطابات الإقصائية قد تنتج أحيانًا نتائج عكسية، فتدفع بعض من تستهدفهم إلى الاحتماء بمن لا يمثلون بالضرورة قناعاتهم أو مصالحهم.

إن مواجهة المشروع الحوثي لمن يناهضه لا تكون بإنتاج مشروع إقصائي مضاد، ولا باستبدال التمييز على أساس المذهب أو الفكر بالتمييز على أساس النسب. فذلك لا يهزم فكرة الاستعلاء، بل يعيد إنتاجها في صورة أخرى. والمطلوب هو مواجهة الأفكار والممارسات التي تنتقص من حقوق اليمنيين، وترفض مبدأ الشراكة، وتفرض الوصاية على المجتمع، أيًّا كان من يتبناها أو يدافع عنها.

وفي هذا السياق، فإن ما يطرحه العقلاء في التمييز بين النسب والموقف، وبين الانتماء العائلي والاختيار الفكري، يستحق التأمل؛ فبنو هاشم وقريش وسائر القبائل والأسر اليمنية، على اختلاف أصولها وامتداداتها، شركاء في الوطن والتاريخ والدين والمصير. ولا ينبغي أن يتحول النسب إلى امتياز سياسي أو حق في الحكم، كما لا يجوز أن يصبح سببًا للإقصاء أو العقاب الجماعي.

لقد آن الأوان لصحوة وطنية تعيد الاعتبار للعقل والإنصاف، وتضع حدًا لخطابات التعبئة التي تستثمر في الأنساب والمذاهب والهويات الفرعية. فاليمن لا يحتمل مزيدًا من التصنيفات والاصطفافات، ولا يمكن إخراجه من محنته بإضافة خصومات جديدة إلى خصوماته القائمة.

إن إنقاذ اليمن يبدأ حين ندرك أن الخلاف ليس مع أنساب أبنائه أو مذاهبهم أو مناطقهم، وإنما مع الأفكار والمشروعات والممارسات التي تنتقص من حقوقهم، وتصادر إرادتهم، وتفرض الوصاية عليهم.

لا يُدان الإنسان بنسبه، ولا يُمنح امتيازًا به؛ وإنما يُحاسب على موقفه وفكره وعمله.

فاليمن وطن الجميع، ولن يستعيد عافيته إلا بالجميع.