الأحد 8 نوفمبر 2026
  • الرئيسية
  • أدوات الحـ...وثيين في إعادة تشكيل اليمن الجمهوري

أدوات الحـ...وثيين في إعادة تشكيل اليمن الجمهوري

معرفة أدوات الحـ..وثيين في إعادة تشكيل اليمن الجمهوري لا تحتاج إلى عناء بحث، ولا إلى جهد ذهني، فهي ماثلة أمام كل يمني في تفاصيل حياته اليومية. ومعرفة هذه الأدوات ليست ترفًا فكريًا، بل هي ضرورة لفهم طبيعة المشروع الذي يواجهه اليمنيون، وكل الناس تعرف أن سلطة الحوثيين في صنعاء تقوم على ثلاثة مسارات مترابطة:

المسار الأول هو الجباية: إذ توسعت مصادر الإيرادات لتشمل عوائد الاتصالات وفوارق المشتقات النفطية المغشوشة، وجبايات الموانئ، والجمارك، والضرائب، والزكاة، والأوقاف، مع قطع رواتب موظفي الدولة، وفرض جرع متتالية، وتشير شكاوى التجار وأصحاب المهن والحرف والمحامين والمحاسبين، وصغار الباعة وحتى أصحاب العربيات، إلى فرض رسوم متعددة من جهات مختلفة خارج إطار القانون، ونتيجة لهذه الجبايات المفرطة فإن الواقع اليوم يشهد مغادرة المستثمرين، وهروب رأس المال الوطني، وإفلاس العديد من أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة؛ كالمطاعم والصيدليات وتجارة الملابس ومواد البناء، والأدوات الصحية وغيرها.

والحقيقة التي لم يعد يجادل فيها أحد أن حكومة صنعاء ليس لها مثيل بين حكومات الأرض قاطبة في نهجها المنظم، والممنهج في تجويع الناس، وإفقارهم، بتعدد صور ومسميات جباياتها، وبجرعاتها المفرطة والمتتالية التي كان آخرها في نوفمبر 2026 رفع أسعار الوقود المغشوش الذي يدمر مركبات وآلات الناس، وسرقة أسعار "مادة الأوكتان " الذي تعمدوا عدم إضافته إلى البترول كالعادة، وعدم إضافته يسبب تدمير المركبات والآلات، ورفع تعرفة الكهرباء والماء.

فبحسب فواتير متداولة في أحياء صنعاء، فالمواطن الذي كان يدفع خمسة عشر ألف ريال للماء والكهرباء، أصبح مجبرًا على دفع ثلاثين ألفًا في نفس الشهر، وفي المقابل لم يعرف شعب في الأرض كلها هذا القدر من الصبر لدى الشعب اليمني على سياسة ممنهجة في إذلاله وتجويعه وتزييف وعيه وتجهيل أبنائه!

فإلى متى ستظل السلطة تتمادى في اختبار صبر الناس؟!

المسار الثاني هو الحرب: إذ يتم توظيف الحرب في ثقافتهم وتثقيف الأطفال والشباب كركن عقائدي لا كحالة استثنائية؛ فالخطاب الرسمي يقسم الجهاد إلى مستويين؛ جهاد ضد من يصفهم بالمنافقين، وهم المخالفون لهم من اليمنيين، وجهاد آخر ضد أعداء مفترضين من غير اليمنيين. وبهذا يصبح استمرار الحروب في عقيدتهم ضرورة مقدسة لإثبات الشرعية الدينية، وقيام الولاية، والحرب الدائمة تحتاج تمويلا دائما، وهو ما يبرر استمرار الجباية وتعدد صورها.

ثم يأتي المسار الأخطر؛ فهل سألتم أنفسكم كيف يقتنع المواطن اليمني الجمهوري أن يقاتل من أجل الولاية؟

هنا يبدأ تزييف الوعي بجانب التجويع، وهو ما سأبينه في المسار الآتي:

المسار الثالث: هو تزييف الوعي، وهو إعادة صياغة المجتمع من مجتمع جمهوري واعٍ يتطلع إلى التنمية إلى مجتمع معبأ بثقافة كراهية الآخر، مجتمع ينجر إلى الحروب دون أن يعي مدى عواقبها، ويتم ذلك عبر المناهج الدراسية ومفردات مسمى الدورات الثقافية، والخطاب الإعلامي، وخطب منابر المساجد، وجوهر كل هذا وذاك تقديم مقولة الهوية الإيمانية كبديل للهوية الوطنية الجمهورية.

وخلاصة هذا المسار كله تتمحور حول الترويج الممنهج لفكرة الولاية؛ إذ يتم تقديمها كأصل ديني ومبدأ حاكم بديل للنهج الديمقراطي الذي تربى عليه الشعب اليمني واعتاد عليه منذ عقود كأفضل طريق توصل إليها العقل البشري عبر الصندوق لاختيار من يحكم البلاد من بين أبناء الشعب، وهو المبدأ الذي تقوم عليه الجمهورية، ويتم في هذا السياق تكريس فكرة مؤداها أن فئة محددة بذاتها هي صاحبة الحق في الحكم، وتولي المناصب العليا، والأنشطة الاقتصادية، والمصرفية، وأن طاعتها على بقية أبناء الشعب، وهم الأغلبية، واجبة دينًا.

هذه المسارات الثلاثة تغذي بعضها، فالجباية تمول الحرب، والحرب تبرر الجباية، وكلاهما يحتاجان إلى تزييف الوعي لتبريرهما من جهة، ولتكريس مقولة الولاية من جهة أخرى.

غير أن خطورة هذه المسارات لا تقف عند تدمير الدولة ومصادرة الجمهورية وتحويل الاقتصاد إلى جباية، وتمزيق النسيج الاجتماعي بطبقية مقدسة، بل تتجاوز ذلك لتسحق الإنسان اليمني نفسه في حياته وكرامته. وتتجلى هذه المأساة في أكثر من وجه أبرزها وجهان:

الوجه الأول هو ملف الأسرى والمعتقلين والمخفيين قسريًا، فآلاف اليمنيين يقبعون لسنوات دون مسوغ قانوني، لفقت لهم تهم ملفقة، وقدم بعضهم للمحاكمة أمام محكمة جزائية استثنائية خاصة غير دستورية ولا قانونية، وصدرت في حقهم أحكام جائرة لترهيب المجتمع وضمان عدم مقاومة مشروع إعادة تشكيل البلاد ونظامها الجمهوري الديمقراطي.

والوجه الثاني أنهم لا يعبؤون بالأعداد المهولة من ضحايا حروبهم العبثية منذ انقلابهم على الدولة، من القتلى، والجرحى، والمعاقين، والأيتام، والأرامل، والثكالى، والمهجرين، ولا يلتفتون إلى ما خلفته تلك الحروب من تدمير لمقدرات البلاد وما تحقق لها من بنى تحتية منذ قيام ثورة السادس والعشرين من سبتمبر وإعلان النظام الجمهوري.

ومن المهم التذكير بأن نصائح كثيرة وجهت إلى قائد الحوثيين من داخل بيئته ومن خارجها، فلم تجد آذانًا صاغية، فالأستاذ صالح هبرة، وهو من القيادات المؤسسة والمنشقة عن الجماعة، خاطبه في أكثر من منشور، ومما أتذكره أن أحدها كان قبل سنتين تقريبًا بعنوان "من صالح هبرة إلى السيد أبو جبريل"؛ فقد نبه فيه بصراحة إلى أن الشعب اليمني تحت قيادته يعاني الفاقة والجوع وقسوة المعيشة، وحذره هو ومسيرته من خطورة سياسة إفقار الشعب وتجهيله، وأن سياسة الجباية والإفقار والتجهيل، واتساع الفساد وتغليب الولاءات الضيقة، تدمر ما تبقى من ثقة الناس، وتعري الحركة عن أي ادعاء للعدالة. وهذه شهادة مهمة لأنها كيفما كان وضع كاتبها اليوم، فهي من داخل صفهم الأول، وتؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن الخلل لم يعد خافيًا حتى على أقرب المقربين.

لقد عاش اليمنيون في ظل النظام الجمهوري، الديمقراطية والحرية وحراكًا تنمويًا ملموسًا، على الرغم مما شابه من اختلالات، أما اليوم، وبفعل انقلابهم المشؤوم، وما ترتب عليه من حروب، وجبايات، ومصادرات، وعبث بالوعي والهوية الوطنية، فقد صار مجرد الحديث عن استعادة الحد الأدنى من ذلك الهامش حلمًا بعيد المنال.

لذلك، فإن المطلوب ليس فقط وقف الجبايات المجحفة أو الحد منها، بل وقف مشروع الحرب الدائمة، والاعتراف الصريح بكلفتها البشرية، والمادية، وتحمل المسؤولية عنها، وجبر ضرر ضحاياها، ووضع حد لحالة الاستهانة بدماء المواطنين، وإنهاء ملف الأسرى والمعتقلين، والكف نهائيا عن تزوير الأدلة، واختلاق التهم ضد المعارضين، والكف كذلك نهائيًا عن الترويج للولاية كبديل للديمقراطية ومصادرة لجوهر النظام الجمهوري، والجنوح إلى سلام بإرادة يمنية خالصة.

وبقي وجع لا بد أن يقال:

إلى متى سيظل المواطن في صنعاء صامدًا في وجه العدوان، وصامتًا في وجه عدوان وعبث السلطة وعدم مبالاتها بأوجاعه، وهو الذي يمدها بروحه وبفلذات أكباده في كل معاركها؟

وإلى متى ستظل السلطة سائرة على خطاها وخطئها في اختبار مدى صبره..؟

والله من وراء القصد.