لِمَن تضحك القاعة؟ مشاهد من السخرية في الحملات الانتخابية الأمريكية
"لا نملّ سماع ضحكتها الجميلة". هكذا علّق دونالد ترامب على غياب منافسته كامالا هاريس عن عشاء (آل سميث) الخيري في نيويورك، أكتوبر 2024، قبل أسابيع من الانتخابات الرئاسية. حين قال إنه كان يتمنى حضورها، ثم أردف بتلك العبارة التي تبدو، لو قُرئت وحدها، مجاملةً عابرة. غير أن ترامب كان قد جعل من ضحكة هاريس مادةً للتهكّم في حملته. وحين وصفها تلك الليلة بالجميلة، ترك للسّامعين أن يفهموا من المديح ما لم يقله صراحةً(١).
في الخطاب السياسي والدبلوماسي، قد تختصر صورة مألوفة موقفًا يحتاج شرحه إلى كلام طويل، وقد تحمل عبارة عابرة تلميحًا يلتقطه السامع ممّا يعرفه عن المقام. وفي الإنجليزية، كما في العربية، قد تكفي جملة قصيرة لأداء هذا المعنى، لأن السامع يستدلّ على بعضه من السياق.
ومن وجوه التهكّم أن يصوغ المتكلّم نقده في هيئة مديح، فيدع السامع يلتقط المفارقة بين الثناء وما يعرفه عن الموقف. وقد تكفي المبالغة في المدح لكشف المقصود، وقد يظلّ الكلام محتملًا للجدّ حتى تأتي كلمة واحدة فتغيّر معناه. وفي العربية لهذا الأسلوب وجوه كثيرة، من بيتٍ في الهجاء يرفع صاحبه خصمه بالمديح حتى يبدو الثناءُ تعريضًا به، إلى حكايةٍ في النثر يترك فيها الكاتب للشخصية أن تمدح نفسها، فيما تكشف أفعالها للقارئ وجه السخرية.
منذ قدومي إلى الولايات المتحدة الأمريكية قبل أربع سنوات، وأنا أتابع تجربتها الانتخابية عن قرب. ومع كل حملة كنتُ أجدني أُصغي أكثر إلى ما يجري بين المرشّحين حين ينتقلون من الحديث عن برامجهم ووعودهم إلى تبادل التعليقات الساخرة. وما استوقفني في عبارة ترامب عن هاريس (أن ضحكةً يعرفها الناس) من ظهورها العلني أمكن أن تصبح، بكلمتين، جزءًا من الصورة التي يريد منافسها أن يرسّخها عنها. ومن هنا أخذت أتابع أيضًا كيف يردّ خصومه، على اختلاف أجيالهم، حين يحاول أن يختصر أحدهم في اسم أو صفة أو طريقة في الكلام..
وكان دونالد ترامب في صدارة هذا المشهد بألقابه الساخرة وتعليقاته على خصومه. ووجدتُ نفسي أتابع، بالقدر نفسه من الاهتمام، كيف يردّ عليه سياسيون من أجيال مختلفة، من باراك أوباما، الذي عرف من موقعه مرشّحًا ورئيسًا معنى أن يتحوّل اسمه إلى مادة للسجال، إلى زهران ممداني وعبد الرحمن السيد، اللذين واجها، كلٌّ في سباقه، خطابًا جعل من الهوية والانتماء قضية انتخابية. ومن هذه المتابعة خرجتُ بسؤال يلخّص ما أردتُ قوله في هذا المقال. كيف يستطيع سياسيّ، بعبارة ساخرة واحدة، أن يغيّر السؤال الذي يريد خصمه من الناس أن يطرحوه؟
في ديترويت، أجاب باراك أوباما عن ذلك بطريقته: "سبق أن شاهدنا هذا الفيلم. كنتُ بطله". بهذه العبارة استعاد أوباما، أمام جمهور انتخابي في ديترويت أواخر أكتوبر 2026، شيئًا من حملته الرئاسية الأولى.
كان قد جاء لدعم عبد الرحمن السيد، المرشّح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ميشيغان، في مواجهة الجمهوري مايك روجرز. وفي الأسابيع الأخيرة من الحملة، وصف دونالد ترامب السيد بأنه "جهادي عنيف"، وهو اتهام رفضته حملته. وحين وقف السيد أمام الجمهور نفسه، استعاد الاعتراض على اسمه في عبارة "لكن اسمه عبد"، وردّ عليها بالموازاة نفسها "لكن اسمه باراك". وبعد أيام، فاز السيد على روجرز، وفازت الديمقراطية جوسلين بنسون بمنصب حاكمة الولاية على الجمهوري جون جيمس(٢).
في كلام أوباما، أحالت كلمة "الفيلم" إلى قصة يعرف الجمهور نهايتها. فقد سبق أن استُخدم اسمه وأصله للتشكيك في انتمائه إلى الولايات المتحدة، ثم انتُخب رئيسًا. وحين قال إنه كان بطل الفيلم، جعل من نفسه موضوع النكتة وأعاد تقديم الهجوم على السيد بوصفه مشهدًا مألوفًا. وأكمل السيد الردّ بطريقته. أبقى الجملة كما هي وغيّر الاسم وحده، فصار الاعتراض الذي يُراد به استبعاده يستدعي إلى الأذهان اسم رجل سبق أن بلغ البيت الأبيض. والسخرية هنا تقوم على أن السامع يستطيع أن يكمل الحُجّة بنفسه(٣).
وفي ديترويت أيضًا، تخيّل أوباما أن الإعلانات التي تصوّر الديمقراطيين خطرًا على أسلوب الحياة الأمريكي ستنتهي بتحذير الناس من شرطة تأتي لإجبارهم على "أكل التوفو بدلًا من الهامبرغر". وقد اختار صورتين مألوفتين من المائدة الأمريكية ليجسّد المبالغة في لغة التخويف. وفي موضع آخر من التجمع، أثار اتهامه لترامب باستغلال الرئاسة للإثراء الشخصي صيحات استهجان تحوّلت إلى هتاف يدعو إلى التصويت. يكشف المشهد كيف يمكن للخطيب أن ينتقل في دقائق من المزاح إلى التعبئة. أما نتائج ميشيغان فتبيّن أن حملة الهجوم لم تمنع فوز السيد، ويبقى تحديد وزن السخرية في قرار الناخبين سؤالًا آخر(٤).
وعندما عاد عبدالرحمن السيد إلى المنصّة ليلة الفوز، بدأ بما يُقال عادةً في أول لقاء: "اسمي عبدالرحمن محمد السيد"! كان الجمهور يعرف اسمه، لكنّ ذكره كاملًا صار جزءًا من الردّ، بعدما تهكّم ترامب على طريقة نطقه واستعمل اسم (محمد) في معرض التشكيك من انتمائه. ثم انتقل السيد من "إن شاء الله"، التي كان يقولها حين يُسأل عن فرص الفوز، إلى "الحمد لله". وحين خاطب ترامب، عرض عليه صيغةً أسهل إذا ظلّ الاسم يشقّ عليه: أن يناديه (السيناتور). وبين التعريف بالاسم واقتراح اللقب تتجلّى المفارقة. فالاسم الذي أراد خصمه أن يجعل منه عبئًا انتخابيًا صار أول ما اختار الفائز أن يقوله وهو يعلن أنه سيمثّل ميشيغان في مجلس الشيوخ.
وفي مينيابوليس، اتخذ المشهد صورةً أخرى. فبعد فوز إلهام عمر بولاية خامسة في مجلس النواب، رقصت مع المحتفلين على أنغام أغنية صومالية في مركز (كارمل) التجاري. وكان ترامب قد هاجمها قبل الانتخابات وطال هجومه بلدَ مولدها، الصومال. وفي ضوء ذلك السجال، يمكن أن تُقرأ الرقصة بوصفها ردًّا أدّته الموسيقى وحركة الجسد. فما جعله خطاب الهجوم مادةً للازدراء ظهر في الاحتفال جزءًا من حياة الناس وفرحهم. ولعلّ في الرقصة شيئًا من التحدّي، وفيها من الفرح ما يكفي لأن تُفهم في ذاتها.
وفي تكساس، استعار الديمقراطي الشاب جيمس تالاريكو لغة السوق ليعلّق على فوزه بمقعد مجلس الشيوخ على الجمهوري كين باكستون، الذي تلقّى دعمًا انتخابيًا واسعًا من إيلون ماسك عبر لجان إنفاق سياسي. قال تالاريكو في اليوم التالي: "تكساس ليست للبيع" (Texas is not for sale). تقوم حدّة العبارة على أنها تتعامل مع الإنفاق الضخم كما لو كان عرضًا للشراء، ثم تمنح الناخبين الكلمة الأخيرة في الصفقة المتخيَّلة. وفي اختصارها شيء من التهكّم، إذ يكفي أن نضع إلى جوارها ما أُنفق من ملايين حتى نفهم مَن كان المقصود بها.
وقبل ذلك بعام، في ليلة فوزه بانتخابات بلدية نيويورك، قال زهران ممداني إنه يعلم أن ترامب يتابعه، ثم خاطبه كما لو كان يجلس أمام جهاز التلفزيون قائلًا "ارفع الصوت". فضجّت القاعة بالتصفيق. وفي تلك الأثناء، كتب ترامب على منصته "وهكذا يبدأ الأمر". وفي سياق خطاب تناول كلفة السكن والمعيشة، اكتسبت عبارة ممداني معنى آخر. فالناخبون الذين تحدّث عن همومهم أرادوا أن يُسمع صوتهم أيضًا. ومن هنا تنبع طرافة المشهد. فالرئيس الذي هاجم ممداني في الحملة صار في خطاب الفائز مشاهدًا يُطلب منه أن يُصغي.
ولهذا التحول في وجهة الكلام سابقةٌ في المناظرات الرئاسية الأمريكية. ففي عام 1984، سُئل رونالد ريغان، وكان في الثالثة والسبعين، عمّا إذا كان تقدّمه في السن يؤثّر في قدرته على أداء مهام الرئاسة. فأجاب بأنه لن يستغلّ لأغراض سياسية “شباب منافسه وقلّة خبرته”، فضحك الحاضرون، وبدا الردّ في ظاهره تعهّدًا بترك مسألة العمر جانبًا، لكنّ ريغان، في الجملة نفسها، جعل من عمر منافسه (والتر مونديل) مدخلًا للتشكيك في خبرته. فكلمة "شباب"، التي قد توحي بالتجديد، اكتسبت بمجاورتها "قلّة الخبرة" دلالةً أخرى، وفي اللحظة التي ضحكت فيها القاعة، انتقل انتباهها من سنّ ريغان إلى خبرة مونديل.
وفي مناظرة عام 2012، أستدلّ (ميت رومني) على ضعف البحرية الأمريكية بتراجع عدد سفنها مقارنةً بعام 1916. فردّ (أوباما) بأن لدى القوات المسلحة أيضًا "خيولًا وحرابًا أقلّ"، ثم أشار إلى حاملات الطائرات والغواصات، كانت السخرية هذه المرّة امتحانًا لمعيار الخصم، ولو كان العدد وحده مقياسًا للقوة، لكان تراجع عدد الخيول دليلًا على ضعف الجيش، ضحك بعض الحاضرين، بينما وصف بيانٌ من حملة (رومني) التعليق بأنه إهانة للبحّارة. وهكذا امتدّ السجال من معنى الرقم إلى معنى الضحكة نفسها.. هل كان موضع السخرية طريقةَ قياس القوة أم مَن يخدمون في البحرية؟
حين نقرأ هذه العبارات بالعربية، يسهل أن نفهم كلمات مثل "الفيلم" و" ارفع الصوت" و"الخيول والحراب". لكننا نحتاج إلى معرفة ما قيل قبلها حتى ندرك كيف غيّرت مجرى الكلام. فمن يسمع ردّ ريغان وحده قد يفوته أن السؤال كان عن سنّه هو. ومن يقرأ عبارة أوباما عن الفيلم من دون أن يعرف ما قيل عن اسمه في حملته الأولى، قد يمرّ على الاستعارة من غير أن يدرك لماذا تصلح ردًّا في الهجوم على عبد الرحمن السيد. وأحيانًا تكفي جملة قصيرة تستعيد سياق العبارة لتُبيّن للقارئ وجه الطرافة فيها..
لقد أعاد أوباما في ديترويت بسؤال الانتماء إلى مَن يطرحه، كما أعاد في مناظرته مع رومني سؤال القوة إلى المعيار الذي تُقاس به. وبينهما تظلّ نكتة ريغان مثالًا على قدرة السخرية في صرف الانتباه عن سؤال مشروع.
وفي الحملات الانتخابية، حيث تُقتطع العبارة الطريفة ويُعاد تداولها وحدها، يستحقّ الأمر أن نعود أحيانًا إلى الثواني التي سبقت الضحكة. هناك يمكن أن نعرف أيَّ سؤال أجابت عنه النكتة، وأيَّ سؤال أعفت صاحبها من الإجابة عنه.
وبعد إعلان النتائج، بدا لي أن القاعة اتّسعت لتشمل منصّات التواصل، حين علّق أحد المستخدمين على فوز مرشّحين عرب ومسلمين بعبارة ساخرة مفادها "استعدّوا، أمريكا مسلمة!". وفي منشور آخر، أبدت (لورا لومر)، على سبيل التهكّم، أملها في أن يكون الجميع قد شرعوا في (تعلّم العربية). فردّ عليها بعض المغرّدين بأقصر درس ممكن في اللغة التي أثارت سخريتها: "إن شاء الله".
عند تلك الإجابة عدتُ إلى سؤال العنوان. حين ضحكت القاعة لريغان، كان السؤال عن سنّه، لكنّ ردّه جعل الحاضرين يضحكون من قلّة خبرة منافسه. وفي قاعة الحملة، يستطيع الخطيب بجملة واحدة أن يصرف الأنظار عن نفسه ويوجّهها إلى خصمه. ولعلّ ما يبقى في ذاكرة الحاضرين بعد انفضاض القاعة هو الردّ الذي أضحكهم، فيما يتراجع السؤال الذي استدعاه.
وعلى منصّات التواصل، قد تبدأ الحكاية بعبارة تُقال على سبيل التهكّم من فوز مرشّحين عرب ومسلمين، ثم يتلقّفها آخرون ويعيدون تداولها كما لو كانت تهنئةً بذلك الفوز. تظلّ الكلمات هي نفسها، لكنّ مَن يروي النكتة يتغيّر، ومعه تتغيّر الجهة التي يتوجّه إليها الضحك. وحين تخرج النكتة من القاعة، قد يكملها الجمهور بنفسه، وقد يكون صاحبها أوّل من تفاجئه النهاية.
الإحالات:
١ (رول كول) و(واشنطن بوست).
٢ (واشنطن بوست، ووكالة أسوشيتد برس، وإيه بي سي نيوز).
٣ (واشنطن بوست).
٤ (إذاعة ميشيغان العامة، وصحيفة واشنطن بوست، ووكالة أسوشيتد برس).



