التعليم عن بُعد في تعز المحاصرة.. بديل اضطراري يواجه تحديات الواقع

في مدينة تعز المحاصرة، لم يعد التعليم عن بُعد تجربة تعليمية جديدة، بل تحول إلى بديل اضطراري فرضته ظروف الحرب، في محاولة للحفاظ على استمرارية العملية التعليمية، وسط مخاوف متزايدة من اتساع فجوة التعليم وحرمان عشرات آلاف الطلاب من حقهم في التعلم.
وعقب سيطرة جماعة الحوثيين على أجزاء واسعة من محافظة تعز خلال الشهرين الماضيين، وتشديد الحصار على المدينة، توقفت الدراسة في المدارس والمعاهد والجامعات، في ظل تصاعد القصف الحوثي على الأحياء السكنية، وتفاقم المخاطر الأمنية الناجمة عن العمليات العسكرية، الأمر الذي دفع السلطات التعليمية إلى البحث عن وسائل بديلة لاستمرار العملية التعليمية.
تحركات رسمية لاستئناف التعليم عبر المنصات الرقمية
في 25 أكتوبر الماضي، أعلنت جامعة تعز إتاحة التسجيل في نظام إدارة التعلّم الإلكتروني (LMS) لأعضاء هيئة التدريس، داعية إياهم إلى المبادرة بالتسجيل للاستفادة من خدمات النظام في إدارة المقررات الدراسية، ونشر المحتوى التعليمي، والتفاعل مع الطلبة، وتنظيم الأنشطة والتكليفات والاختبارات الإلكترونية، إلا أن التعليم عن بُعد للطلاب لم يبدأ حتى الآن.
وفي 27 أكتوبر الماضي، أقر مكتب التربية والتعليم بمحافظة تعز تفعيل نظام التعليم عن بُعد، في محاولة لاستئناف الدراسة وتعويض الطلاب عن توقف التعليم الحضوري. ونُفذ النظام بشكل محدود في عدد من المدارس، فيما لا تزال غالبية المدارس ترتب لبدء تطبيقه.
ودشن محافظ تعز نبيل شمسان، أمس الخميس، العمل بنظام التعليم عن بُعد في مدرسة الشهيدة نعمة رسام للبنات، إحدى أكبر المدارس بمدينة تعز، ضمن خطة الطوارئ لاستمرار العملية التعليمية.
واطلع المحافظ على سير العمل في المنصة التعليمية ومدى جاهزيتها لاستقبال الطلاب، واستمع من القائمين عليها ومهندسة الموقع إلى شرح مفصل حول آلية بث الحصص الدراسية، والتحكم بالصلاحيات، وإدارة المشاركات، ومتابعة الحضور والغياب، فضلاً عن رفع الواجبات وتصحيحها إلكترونياً، والتسجيل التلقائي للدروس لضمان إمكانية الرجوع إليها عند الحاجة.
ووجّه بسرعة استكمال التجهيزات والانتقال الفوري إلى التطبيق العملي، بما يضمن وصول الخدمة التعليمية إلى الطلاب في المدينة والريف.
من جانبه، أوضح مدير مكتب التربية والتعليم عبدالواسع شداد أن الخطة تعتمد على تفعيل ثلاث منصات للمرحلة الثانوية في ثلاث مدارس موزعة على المديريات، وتقديم الخدمات مجاناً لطلاب الثانوية العامة، مع تنظيم أوقات الدراسة من الساعة الثامنة صباحاً وحتى السادسة مساءً، لمراعاة ظروف الأسر.
ولفت شداد إلى أن الخطة تشمل أيضاً تفعيل التعليم المرئي عبر تطبيقي (Zoom) و(Google Meet)، ومجموعات «واتساب»، وتدريب المعلمين وفق آلية «تدريب المدربين»، بما يسهم في تفعيل التوجيه التربوي ومتابعة الانضباط وتعويض الفاقد التعليمي.
وفي 2 نوفمبر الجاري، أقر مكتب التعليم الفني والتدريب المهني اعتماد التعليم عن بُعد للمواد النظرية، بما يتيح للطلاب مواصلة دراستهم في ظل الظروف الراهنة، إلا أن التطبيق لم يبدأ حتى الآن، ولا تزال الترتيبات جارية لتنفيذه.
وتعكس هذه الإجراءات توجه المؤسسات التعليمية نحو إيجاد بدائل لاستمرار الدراسة، غير أن الانتقال من الفصول الدراسية إلى الشاشات الرقمية يواجه تحديات تتجاوز مجرد توفير المنصات الإلكترونية أو نشر الدروس عبر مجموعات وقنوات «واتساب» و«تلجرام».
إمكانات محدودة تعرقل التحول إلى التعليم الإلكتروني
اصطدم التحول إلى التعليم عن بُعد بواقع تقني ومعيشي معقد، إذ تفتقر المدينة والبلاد عموماً إلى بنية تحتية متكاملة للتعليم الإلكتروني، في ظل ضعف خدمات الإنترنت وعدم استقرارها وارتفاع تكاليفها، إلى جانب صعوبة توفير الأجهزة اللازمة لمتابعة الدروس.
ويواجه الطلاب تحديات متفاوتة في الوصول إلى المحتوى التعليمي، خصوصاً في الأسر التي لا تمتلك سوى هاتف واحد، يضطر أفرادها إلى تقاسمه لأغراض الدراسة والتواصل والعمل، ما يجعل متابعة الدروس في مواعيدها أمراً بالغ الصعوبة، ويحد من قدرة الطلاب على المشاركة والتفاعل المباشر مع المعلمين.
كما أن محدودية الأجهزة الإلكترونية وغياب الحواسيب والأجهزة اللوحية لدى شريحة واسعة من الطلاب يضعان العملية التعليمية أمام عقبات إضافية، ويقلصان فرص الاستفادة من الوسائل التعليمية الرقمية.
تسجيل الدروس.. محاولة لتجاوز المعوقات
أمام صعوبة إجراء الحصص المباشرة عبر تطبيقات مثل «Zoom» و«Google Meet»، بسبب ضعف الإنترنت وانقطاعه المتكرر، لجأ بعض المعلمين إلى تسجيل شروحهم للدروس على هيئة مقاطع فيديو وإرسالها إلى الطلاب عبر مجموعات وقنوات «واتساب» و«تلجرام»، باعتبارها وسيلة أكثر ملاءمة تتيح للطلاب تحميل المحتوى التعليمي في الأوقات التي تتوفر فيها خدمة الإنترنت ومشاهدته في أي وقت، كما تساعد الأسر التي فيها أكثر من طالب لا يمتلكون سوى هاتف واحد.
ورغم أهمية هذه الطريقة في تجاوز بعض المعوقات التقنية، فإنها لا تخلو من صعوبات، أبرزها صعوبة تحميل مقاطع الفيديو الطويلة بسبب مشكلات الإنترنت، إضافة إلى ارتفاع كلفة استهلاك الإنترنت، فضلاً عن غياب التفاعل المباشر بين الطلاب والمعلم أثناء شرح الدروس.
كما أن إرسال الدروس المسجلة لا يعالج جميع المشكلات المرتبطة بالتعليم عن بُعد، إذ يتطلب الأمر توفير محتوى تعليمي عبر منصات احترافية وتفاعلية، وتنظيم عملية إرسال الواجبات واستقبالها، ومتابعة الطلاب بصورة مستمرة، إلى جانب إيجاد آليات لتقييم مدى استيعابهم للدروس.
الأطفال في الصفوف الأولى.. تحديات تتجاوز الوصول إلى الدروس
تبدو معوقات التعليم عن بُعد أكثر تعقيداً بالنسبة للأطفال في الصفوف الدراسية الأولى، الذين يحتاجون إلى متابعة مباشرة ومستمرة من المعلمين وأولياء الأمور، خصوصاً في المراحل التي تتطلب تعلم القراءة والكتابة والحساب واكتساب المهارات الأساسية.
ففي هذه المرحلة العمرية، لا يستطيع كثير من الأطفال التعلم من المنصات الإلكترونية أو متابعة الدروس المسجلة بصورة مستقلة ولفترات طويلة، ما يجعل اعتمادهم على أولياء الأمور أمراً ضرورياً.
كما يواجه الأطفال صعوبة في الحفاظ على التركيز أثناء متابعة الدروس عبر الشاشات، خصوصاً مع غياب البيئة الصفية التي تساعدهم على التفاعل والمشاركة والتعلم من خلال الأنشطة الجماعية.
ويؤدي تكرار الجلوس أمام الهاتف أو شاشة الحاسوب، ومحدودية الأنشطة التعليمية التفاعلية، إلى شعور بعض الأطفال بالملل وتراجع اهتمامهم بالدروس، خصوصاً عندما تتحول الحصة التعليمية إلى مجرد مشاهدة تسجيلات مصورة دون مشاركة أو تواصل مباشر.
ولا يقتصر أثر ذلك على التحصيل الدراسي، بل يمتد إلى الجانب النفسي والاجتماعي، إذ يحرم الأطفال من التفاعل مع زملائهم والمشاركة في الأنشطة المدرسية واكتساب المهارات الاجتماعية التي توفرها البيئة التعليمية التقليدية.
وتبرز هنا أهمية تطوير أساليب تعليمية تراعي احتياجات الأطفال، من خلال تقديم دروس قصيرة ومتنوعة، وإدماج الأنشطة التفاعلية والألعاب التعليمية المناسبة، وتشجيع التواصل المباشر بين المعلم والطلاب، بما يساعد على الحد من الملل وتعزيز التركيز والاستيعاب.
متطلبات التعليم الرقمي تفوق إمكانات المعلمين
ولا تقتصر التحديات على الطلاب وحدهم، إذ يجد المعلمون أنفسهم أمام تجربة جديدة لم يسبق أن تلقوا تدريباً كافياً عليها، في ظل غياب برامج التأهيل اللازمة لإعداد الدروس الإلكترونية وإدارة الفصول الافتراضية وتقييم أداء الطلاب عبر الوسائط الرقمية.
كما يواجه المعلمون أعباء مالية إضافية، في ظل تدني رواتبهم وارتفاع تكاليف الإنترنت، فضلاً عن أن غالبية المعلمين لا يمتلكون هواتف مزودة بكاميرات حديثة تتيح لهم تصوير مقاطع فيديو بجودة مناسبة لشرح الدروس.
وتبرز أيضاً تحديات تتعلق بتوفير المتطلبات اللوجستية اللازمة لتسجيل الدروس، مثل السبورة والأقلام ومكان مناسب للتصوير والشرح، ما يضيف عقبات أخرى أمام المعلمين الذين يحاولون مواصلة أداء دورهم التعليمي في ظل الإمكانات المحدودة.



