التعيينات الأخيرة.. إعادة تدوير الفشل بدلًا من المحاسبة
ليس أكثر ما يثير الاستغراب أن يفشل مسؤول في أداء مهامه، فالفشل وارد في أية إدارة، لكن الغريب أن يتحول الفشل إلى طريق للترقية، وأن يُكافأ المسؤول الذي أخفق في موقعه بمنصب جديد، بدلًا من مساءلته ومحاسبته.
وهذا ما أثار استغراب الجميع عقب صدور قرارات تعيينات وإقالات طالت بعض المسؤولين المدنيين والقادة العسكريين، ممن ارتبطت فترات مسؤوليتهم بإخفاقات كبيرة، واتهامات بالفساد وسوء الإدارة، وأضاعوا من الفرص والإمكانات أكثر مما حققوا من إنجازات.
كان المنتظر أن تكون هذه القرارات بداية لمراجعة جادة، وأن يُحال من تحوم حولهم شبهات فساد أو يثبت تقصيرهم إلى جهات التحقيق المدنية والعسكرية، وأن تتم محاسبة كل من أساء استخدام منصبه أو تسبب في الإخفاق، ليكون ذلك رسالة واضحة لكل من يتولى مسؤولية عامة. لكن المفاجأة أن بعض هذه القرارات بدت وكأنها مكافأة للفاشلين، بمنحهم مواقع جديدة، وكأن المشكلة لم تكن في أدائهم، وإنما في الكراسي التي كانوا يجلسون عليها!
والأكثر إثارة للتساؤل أن تصدر مثل هذه القرارات في وقت تتراجع فيه الأوضاع العسكرية والميدانية، وتتساقط بعض الجبهات، وتتفاقم معاناة المواطنين، وكأن ما يحدث في الميدان وما يعانيه الناس لا يدخل ضمن حسابات من يتخذون قرارات التعيين والإقالة.
وهنا يبرز السؤال الأهم: من المسؤول عن هذا الفشل المتكرر؟ وهل أصبح الشعب هو من يتحمل وحده نتائج إخفاق الآخرين؟ وهل كُتب عليه أن يدفع ثمن الانقلابات والصراعات وسوء إدارة مؤسسات الدولة، ثم يقبل فوق ذلك أن تُفرض عليه قيادات لا تقدم له سوى مزيد من الإخفاق؟
إن المواطن اليمني لم يعد ينتظر من هذه المنظومة مجرد تغيير الأسماء والمناصب، وإنما ينتظر دولة حقيقية يشعر فيها أن المسؤولية تكليف وليست امتيازًا، وأن المنصب العام ليس غنيمة يتقاسمها أصحاب النفوذ والمحسوبية.
فما جدوى الحديث عن الشرعية إذا لم تنعكس على حياة المواطنين إنجازات وخدمات وأمن واستقرار؟ وما قيمة التضحيات التي يقدمها الأوفياء والشجعان والأبطال في الجبهات، إذا كانت نتائجها تصب في مصلحة مجموعة تتعامل مع مؤسسات الدولة وكأنها ملك خاص، لا مسؤولية وطنية وأمانة في أعناق من يتولون إدارتها؟
ونقول لمن يملك سلطة إصدار قرارات التعيين والإعفاء: إذا كان رئيس الحكومة أو الوزير أو القائد العسكري قد أخفق في موقعه، فإن مجرد إبعاده أو نقله إلى موقع آخر لا يعني معالجة المشكلة. بل إن إعادة تدوير المسؤول الفاشل تعني في كثير من الأحيان إعادة إنتاج الفشل نفسه، وربما بصورة أشد.
فالمشكلة لا تتوقف عند شخص مسؤول، وإنما قد تكون في طبيعة المنظومة التي تنتج المسؤولين وتختارهم. فعندما تكون الأولوية للولاء الشخصي والمحسوبية، لا للكفاءة والخبرة والنزاهة، يصبح اختيار المسؤول قائمًا على مدى قربه ممن عيّنه، وقدرته على تنفيذ رغباته، لا على قدرته على إدارة المؤسسة وتحقيق أهدافها.
وفي مثل هذه البيئة، لا يُنظر إلى المسؤول الكفء بالضرورة باعتباره مكسبًا، بل قد يصبح مصدر إزعاج إذا امتلك الإرادة والاستقلالية والقدرة على كشف الأخطاء ومواجهة الفساد. وهكذا تتقدم الاعتبارات الشخصية على المصلحة العامة، وتتراجع الكفاءة، وتتحول مؤسسات الدولة تدريجيًا إلى حلقات من المجاملة وتبادل المصالح.
وعندما يغيب الحزم والمساءلة من قمة الهرم الإداري، يشعر بقية المسؤولين بأنهم بمنأى عن المحاسبة، فيتسع الإهمال، وتنتشر الاختلالات الإدارية والمالية، ويصبح تبادل الاتهامات وإلقاء المسؤولية على الظروف أو على الآخرين وسيلة للهروب من نتائج الإخفاق.
وعند وقوع الأزمات، نرى تبادل الاتصالات والتبريرات، ونتابع إلقاء المسؤولية من وزير إلى آخر، ومن مؤسسة إلى أخرى، بينما تظل المشكلة قائمة، ولا يجد المواطن من يسأله عن حقوقه أو يقدم له تفسيرًا مقنعًا لما يحدث.
وهكذا تنفصل الحكومة عن هموم الشارع، وتصبح المحافظة على المناصب وتأمين المصالح الضيقة أولوية تتقدم على واجبات الحكم والإدارة وخدمة المواطنين.
والأخطر من ذلك أن استمرار هذا النهج لا يضعف أداء الحكومة وحده، بل يضعف ثقة الناس بالدولة ومؤسساتها، ويجعل المواطن يفقد الأمل في إمكانية الإصلاح، عندما يرى أن الفشل لا يعاقب عليه، وأن النجاح والكفاءة ليسا بالضرورة معيارًا للوصول إلى مواقع المسؤولية.
إن الشعب اليمني لا يطالب بالمستحيل، ولا ينتظر مسؤولين معصومين من الخطأ، وإنما يريد مسؤولًا يعمل ويحاسب، ويخطئ فيعترف بخطئه، ويُسأل عن نتائج قراراته، ولا يتحول منصبه إلى حصانة تحميه من المساءلة.
لقد آن الأوان أن تتوقف سياسة تدوير الفشل، وأن تصبح التعيينات مبنية على الكفاءة والنزاهة والخبرة، وأن تخضع الإقالات والتعيينات لمعايير واضحة، وأن يُحاسب كل من يثبت فساده أو تقصيره، أيًا كان موقعه أو الجهة التي تقف خلفه.
فالدولة لا تُبنى بتغيير الكراسي وتبادل المناصب، ولا تُستعاد هيبتها بتكريم من أخفقوا في إدارتها، وإنما تُبنى بالمسؤولية والمحاسبة والعدل.
فإلى متى يظل الفشل بلا حساب، ويظل الشعب وحده يدفع الثمن؟



