المدنيون ضحايا الحرب
يدفع المدنيون الثمن الأكبر للحروب، رغم أنهم لم يختاروها، ولم يشاركوا في صنع قراراتها. وبينما تنشغل أطراف الصراع بحسابات القوة والنفوذ والسيطرة، يجد الأبرياء أنفسهم في مواجهة الموت والجوع والنزوح وفقدان المأوى، وكأن حياتهم تفصيل هامشي في معارك لا تنتهي.
المدنيون هم الوجه الإنساني الأكثر مأساوية للحروب؛ أطفال يُحرمون من طفولتهم، ونساء يواجهن الخوف والفقد، وأسر تفقد منازلها ومصادر رزقها، ومرضى يعجزون عن الوصول إلى العلاج، وشيوخ يجدون أنفسهم بلا مأوى أو رعاية. ولا تتوقف المأساة عند القتلى والجرحى، بل تمتد إلى الناجين الذين يحملون في ذاكرتهم ندوب الخوف والفقد والحرمان، وإلى أجيال تنشأ وسط العنف، فتدفع ثمنًا نفسيًا واجتماعيًا قد يستمر طويلًا بعد توقف القتال.
ومع تحول المدن والقرى إلى ساحات للمواجهات، واتساع دائرة الدمار لتطال المنازل والمدارس والمستشفيات وشبكات المياه والكهرباء، تصبح الحياة اليومية معركة أخرى يخوضها السكان من أجل البقاء. ويجد كثيرون أنفسهم مضطرين إلى مغادرة منازلهم، تاركين وراءهم ذكرياتهم وممتلكاتهم ومصادر رزقهم، بحثًا عن مكان أكثر أمنًا، من دون ضمانات تحميهم من النزوح المتكرر أو العودة إلى واقع أشد قسوة.
وتتفاقم المأساة حين يُستخدم التجويع أو الحصار أو حرمان السكان من الخدمات الأساسية وسيلةً للضغط وتحقيق المكاسب. فالغذاء والدواء والماء ليست أوراقًا للمساومة، وحياة المدنيين لا يجوز أن تتحول إلى أدوات في صراع على السلطة أو النفوذ. وتعمد استهداف المدنيين أو تجويعهم أو معاقبتهم جماعيًا لا يكشف عن خلل في إدارة الحرب فحسب، بل يمثل اعتداءً على أبسط القيم الإنسانية، وقد يشكل انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي، بحسب طبيعة الفعل وظروفه.
وتتضاعف خطورة الحروب حين يرافقها خطاب ينزع الإنسانية عن الضحايا؛ إذ يُصوَّر المدنيون باعتبارهم امتدادًا للطرف الذي يعيشون تحت سلطته، أو يُحمَّلون مسؤولية مواقف لم يتخذوها، أو تُبرَّر معاناتهم بذريعة الانتماء السياسي أو الجغرافي أو المذهبي. وهكذا يصبح التحريض وسيلة لتبرير الانتهاكات، ويغدو الانتماء ذريعةً لاستباحة الحقوق. فالمدني لا يفقد حقه في الحماية بسبب مكان إقامته، ولا يصبح هدفًا مشروعًا لمجرد اختلاف هُوِيّته أو موقفه عن هُوِيّة المتحاربين ومواقفهم.
ومن هنا، فإن حماية المدنيين ليست مسألة أخلاقية فحسب، بل التزام قانوني ومسؤولية سياسية وإنسانية. فقواعد القانون الدولي الإنساني تفرض التمييز بين المدنيين والمقاتلين، وتحظر استهداف المدنيين بصفتهم هذه، وتوجب اتخاذ الاحتياطات اللازمة لتجنب إلحاق الأذى بهم وتقليله. كما تحظر الهجمات العشوائية، وتقيّد الهجمات التي يُتوقع أن تُلحق بالمدنيين أضرارًا مفرطة مقارنة بالميزة العسكرية الملموسة والمباشرة المتوقعة. ولا يجوز اتخاذ الضرورات العسكرية ذريعةً لتجاهل حياة الأبرياء وحقوقهم.
ولا تنحصر المسؤولية فيمن يضغط على الزناد، بل تشمل كل من يملك سلطة القرار أو القدرة على منع الانتهاكات والحد منها، وفق دوره والتزاماته القانونية. ولا يجوز أن تضيع المسؤولية بين أطراف الصراع أو تُطمس خلف الدعاية وتبادل الاتهامات. ويظل توثيق الانتهاكات والتحقيق فيها ومحاسبة المسؤولين عنها وفق القانون ضرورةً لإنصاف الضحايا، والحد من الإفلات من العقاب، ومنع تكرار الجرائم.
وفي هذا السياق، لا ينبغي أن تبقى مواقف المجتمع الدولي أسيرة المصالح والتحالفات والحسابات السياسية، بينما تتسع معاناة المدنيين. فالمعايير الإنسانية لا تتغير بتغير هُوِيّة الضحية أو الجهة التي تسيطر على الأرض، وإنما تُقاس بمدى الالتزام بها في مواجهة جميع الانتهاكات. وتقتضي المسؤولية التحرك الجاد لحماية السكان، وضمان وصول المساعدات الإنسانية بصورة آمنة ودون عوائق غير مشروعة، والضغط من أجل وقف الأعمال العدائية، وتهيئة الظروف اللازمة لإنهاء الحرب ومعالجة أسبابها.
وفي اليمن، تتجلى مأساة المدنيين في سنوات طويلة من الصراع الذي أثقل حياة الناس، وبدد مواردهم، ووسّع دائرة الفقر والنزوح والحرمان. فالمواطن الذي يبحث عن لقمة العيش، أو ينتظر راتبًا منقطعًا، أو يعجز عن توفير الدواء لأطفاله، لا ينبغي أن يبقى رهينة لصراعات القوى المتنافسة وحساباتها. واستمرار الحرب لا يضاعف الخسائر البشرية والمادية فحسب، بل يضعف فرص التعافي، ويعمّق الانقسامات الاجتماعية، ويترك آثارًا قاسية على مستقبل الأجيال.
إن إنهاء الحرب لا يتحقق بتغيير موازين القوة وحدها، ولا بتغليب طرف على آخر، ما دامت أسباب الصراع قائمة وحقوق الناس غائبة. فالسلام الحقيقي يبدأ حين تتقدم حياة المواطنين على مصالح المتصارعين، وتصبح حماية الإنسان أولوية فعلية لا شعارًا، وتُفتح الطريق أمام حلول سياسية تنهي العنف، وتضمن الحقوق، وتضع حدًا لاستخدام السلاح وسيلةً لفرض الإرادة والاستيلاء على السلطة.
المدنيون ليسوا أرقامًا في نشرات الأخبار، ولا خسائر جانبية في حسابات المعارك، ولا أوراق ضغط في مفاوضات المتحاربين. إنهم بشر لهم الحق في الحياة والأمن والكرامة، ولهم بيوت وأحلام وأسر ومستقبل لا يجوز أن يُسلب منهم باسم السياسة أو العقيدة أو المصالح. وكل حرب تتجاهل هذه الحقيقة تتحول إلى مأساة تتجاوز ساحات القتال، لتصيب المجتمع في إنسانيته ومستقبله.
إن المعيار الحقيقي لأي موقف سياسي أو عسكري ليس ما يحققه من مكاسب لطرف على حساب آخر، بل مقدار ما يحفظه من أرواح، وما يمنعه من معاناة، وما يفتحه أمام الناس من أبواب للأمن والاستقرار. فالحروب قد تنتهي بتوقف إطلاق النار، لكن آثارها لا تنتهي بإسكات البنادق؛ إذ تظل جراح الضحايا شاهدة على ما جرى، وتبقى مسؤولية إنصافهم وحمايتهم ومنع تكرار المأساة واجبًا لا يسقط بالتقادم السياسي أو بتغير موازين القوة.
حماية المدنيين ليست خيارًا يخضع لحسابات الحرب، بل واجب لا تسقطه الخصومات، ولا تبرره المصالح، ولا تعلو عليه أي سلطة.



