الإثنين 2 نوفمبر 2026

السكون المقلق..!

يصمت الشارع إلا من نوبات صوتية تصدح غاضبة عند ملامسة إطارات سيارة للإسفلت، ممزوجة بدوران محركها.
وطرقات منتظمة الإيقاع تحت أصابع محمد المطاع، أحد أشهر وأسرع الذين يرصون الحروف لطباعة النصوص المختلفة من أخبار وتقارير ومقالات على آلة الطباعة أو على لوحة جهاز الكمبيوتر المكتبي؛ حيث كان صدى طرقات أصابعه فوق مفاتيح الحروف والكلمات يشنف سمعه بإيقاع متناغم قادم من غرفة الطباعة المجاورة، وبعد يومين سيقرأ الناس مضامينها في صحيفة الثوري.

ليس سوانا الأربعة: خالد سلمان رئيس التحرير، ومحمد المطاع طباع الصحيفة، وأحمد ماهر الصبيحي حارس الصحيفة، وأنا.

أما بقية هيئة تحرير الصحيفة فقد كانوا جميعاً منشغلين بأعمال المؤتمر العام الخامس للحزب الاشتراكي، بما فيهم المدقق اللغوي عبدالله سيف الصلوي آخر الأحياء من بين مؤسسي الثوري، والذي قلما يغيب عنها إلا في مثل هكذا فعالية كبيرة للحزب كحضور مؤتمراته الدورية العامة.

وكل واحد منا الأربعة يقبع وحيداً في غرفة من الصحيفة.

رئيس التحرير يعد مواداً خاصة بانعقاد المؤتمر العام فقد كان العدد مخصصاً لتغطية جلسات وفعاليات المؤتمر العام الخامس للحزب الاشتراكي وعليه فلم يكن خالد سلمان يكتب كعادته عموده الأسبوعي (كلمة الثوري).

ذلك العمود الذي يحظى بمتابعة واهتمام جماهيري واسع لجرأته النادرة على تعرية مساوئ وفساد النظام بأسلوب صحفي غير مسبوق، سواء في لغته الممزوجة بقوة البيان الحداثي، أو في شجاعته التي طالت التابو السياسي المقدس ومرغت أنفه بكشف وتعرية فساده، وحطمت أغلال الرعب في صدور كثير من الصحفيين والكتاب الذين لم يكونوا يتجرأون حتى بالتفكير الصامت على الاقتراب من الرأس الكبير في الحكم، فأخذوا يتزايدون ويتزاحمون على الكتابة في صحيفة الثوري.

وفي مجلس الصحيفة كنت أطابق نصوص المواد الواصلة عبر الفاكس بالنصوص التي طبعها محمد المطاع.

وبين الفينة والأخرى يتردد حارس الثوري أحمد ماهر، وليس عليه سوى فانيلة داخلية بالية شبه مهترئة، فاقدة لونها وبلا أكمام تغطي الجزء العلوي من جسمه، وأثناء سيره الهامس في طاروق مقر الصحيفة يخاطبنا جميعاً بصوت واحد:

_ إذا تحتاجون شيئاً من الدكان أو غيره دقوا علي.

فنرد عليه بنفس العبارة:

_ شكراً جزيلاً يا بن ماهر.

ومن جديد يؤكد عرضه:

_ لا تستحوا.. إذا تحتاجون شيئاً من خارج نادوني.

فنرد عليه:

_ طيب ولا يهمك.

•••

عند منتصف الليل صار الجو أكثر هدوءاً.

أغلب المباني المقابلة للصحيفة صارت شبه نائمة، عدا بعض غرف منها بدا أنها لم تخلد بعد إلى النوم، وما تزال ساهرة.

•••

عند مغادرة رئيس التحرير الصحيفة عائداً إلى سكنه، رافقه أحمد ماهر لإغلاق الباب بإحكام؛ فقد كان الوضع يبعث على القلق وضرورة أخذ الحذر الكامل، لا سيما بعد أن لاحظ حارس الصحيفة وجود أشخاص كثفوا وأكثروا من التجوال داخل الشارع والأزقة قبالة مبنى الصحيفة، وكان واضحاً أنهم من عسس النظام الذي جن جنونه بانعقاد مؤتمر الحزب نهار هذا اليوم الموافق 26 يوليو 2005م بصالة 22 مايو بالعاصمة صنعاء تحت اسم (مؤتمر الشهيد جار الله عمر) وتحت شعار: "من أجل توطيد الوحدة وسعادة الشعب يناضل الحزب من أجل إصلاح مسار الوحدة ومعالجة آثار حرب صيف 94م وكل الصراعات السياسية على طريق إصلاح النظام السياسي"، ويحضر فعالياته قرابة 2200 مندوب ومندوبة ممثلين عن منظمات الحزب في الداخل والخارج، إلى جانب قادة الأحزاب السياسية اليمنية والعربية.

عندما عاد أحمد ماهر من إغلاق باب المبنى، مر عليَّ متعمداً وكأنه يريد أن يطمئنه بألا يقلق؛ حيث خاطبه وهو يسوي على جانبه تحت المئزر شيئاً ما سرعان ما اتضح أنه مسدس روسي:

_ اجلس براحتك ولا تقلق.. وإذا قررت تروح بيتك أيقظني كي أغلق الباب بعدك.

ذهب للنوم ولم يبق في الصحيفة سوى هو ومحمد المطاع الذي كانت طرقات أصابعه تتراقص فوق مفاتيح آلة الطباعة؛ تارة يستمر صوتها ما يقارب خمس دقائق، وتارة تتوقف لبرهة ثم تستأنف طقطقاتها، وهكذا، فيدرك أن توقف صداها يعزى لتأكد المطاع من بعض الكلمات غير الواضحة حتى يطبعها سليمة من الأخطاء.

في ثنايا سكون غرفة مجلس الصحيفة، أخذت ذاكرته تتجول داخل متاهات مسدودة.

سادراً لا يدري كيف يعود إلى نقطة البداية..؟

يحاول أن يبكي لكن دون جدوى.

فالبكاء داخل هكذا متاهة لا يغير شيئاً، وحتى إن بكى فلن يسمع نشيجه أحد.

تتداوله الهواجس المجهولة، وتتقاذفه أمواج الأفكار والخواطر في يم مظلم.

يلوم ذاته لاختطاطه طرقاً ومسارات دون أن يترك أثناء سيره علامات يمكن أن تعينه على الارتداد متى ما فشل..؟

هيهات.. هيهات الخروج والنجاة.. قدرك أن تعيش وتمشي وتموت داخل متاهة بمحضك.

الخروج من أي متاهة بالصدفة غالباً ما يكون أمراً نادراً وضربة حظ.

الخروج من المتاهات يحتاج لنباهة كأن تعمل علامات في كل مدخل تساعدك على تجنب تكرار السير داخل الممرات المتشابهة.

يجر تنهيدة لأن الحاجة جعلته يفكر بطريقة صحيحة ليهتدي إلى دليل العودة أو الخروج من المتاهة.

•••

يحدق في أجزاء الغرفة.. أربعة جدران عارية يخترق أحدها نافذة تطل على ممر رواق مبنى الصحيفة، ومن الجدار الآخر بابها.

يحاول إزاء السكون الذي يملأ الغرفة قراءة نفسه.. يسألها:

هل هي مدركة الطريقة التي يُسيّر صاحبها أيامها على هذا المنوال..؟

يبحث عن جواب مقنع.. كأن جذعه الأسفل ليس جزءاً من جسمه.

وكذا أطرافه وظهره، عدا مناطق معينة تقض جمود حاسة اللمس تحت الصدر.

جمرات تتقد.. تتقلب في مجاري الدم مخلفة وراءها آثار الحريق وطفحه.

•••

بينا هو على تلك الحال منسدلاً مائلاً على متكئه داخل الغرفة، يسرقه خياله إلى البعيد.. البعيد.

يجر نهدة ثانية فيرتد خياله فارغاً من أي محتوى.

كل الأمور متلبدة بِحُجبٍ قاتمة.

يجر نهدة ثالثة.

تتصادم داخل رأسه الخواطر وهواجس الابتعاد عن الزوجة والأبناء الثلاثة.

يشتاق كثيراً كثيراً إليهم.. لا شك أن ابنته «رؤى» قد غدت تمشي، وتغادر النافذة التي كانت أمها تحبسها داخلها، فتبقى تطل على عوالم القرية من خلف قضبان النافذة.

يبتسم ابتسامة تلقائية ويسأل نفسه:

هل يا ترى قد أصبحت تتخطى، وتستطيع النزول عبر درجات الدار إلى خارجه..؟

يا الله.. كم هو قاسي القلب..؟

انقضت عشرة أشهر، ولم يكحل عينيه برؤية أبنائه وزوجته وأرحامه والقرية، وليس سوى طيوفهم الغائبة تطوف محلقة في أفق الذاكرة كأطياف نور بعيد وسط عتمة حالكة.

•••

اصطدمت خططه جراء التنافر ورفض التلاحم، وتطايرت في اتجاهات شتى، موجهة أسنة حرابها صوب جدار الذاكرة.. تحفر في دماغه.. تخترقه.

إنها الآن تحاول تثقيب جمجمته لتهرب من عالم يغتلي بحمم الأفكار والحالات الساكنة في وعيه.

أفكار تحولت إلى أعباء ثقيلة تنوء بحملها الجبال.

أفكار تخطر حمراء تسيل من أعلى ذروة الإدراك نحو مدركات غير متناهية.. تذوب كل مخزون وخانات الذاكرة.

ما من منطقة في الوعي خالية من بركان.

يجر نهدة رابعة، يشهق بآخر زفرة من دخان سيجارته، ويطفئها بدعك عقبها فوق السجادة.

يمد رجليه على قاع الغرفة، لكنه سرعان ما أعادهما إلى وضعهما السابق الذي كانت عليه، فقد كانت الغرفة عامرة بفوضى لا عنوان لها.

أوراق شجرة الخيال اليابسة وغصونها غير الصالحة للمضغ تغطي القاع.

قوارير ماء فارغة بعضها واقفة، والأخرى تتناثر متمددة بعبث في اتجاهات مختلفة، متجاورة مع أكياس القات الفارغة، المتشابهة ألوانها وغير المتشابهة.

أعداد من صحيفة «الثورة» فرشها أحمد ماهر تحت الفرش وفوق السجاد لاحتواء أوراق القات والقوارير والمطافئ وقوائم الفاكسات المبعثرة.

كل ما في الغرفة أشبه بجثث لحظات فانية تتراكم في قاعها كأنها شاهد قبر على عمر يضيع هباءً.

كل شيء في الغرفة مبعثر، ويعكس حالة مرتاديها المبعثرة.

•••

جهاز الفاكس يعطي إشارة بوصول رسالة من مكان ما.

صوت من الغرفة المجاورة غير واضح.

ضوء يتلألأ خلف ستار نافذة الغرفة المقابلة لمبنى الصحيفة، يعبث بعيون أخذت تلتهم الصور المتحركة على شاشة التلفاز.

هو.. لا يزال متكئاً على مرفقه.

يجر نهدة ليست أخيرة.

صحيح أن جسده يبدو عليه السكون ظاهراً طاغياً، غير أنه في ثنايا وجدانه يحس بتمدد ثورة بركانية شرعت حممها تطال جوف صدره، ورويداً رويداً خفتت ثم هدأت ثم تلاشت قبل أن تقترب من محيط وعيه.

•••

ليس ثمة سبب وراء هدوئه سوى اقترابه من منطقة التفكير الطبيعي بما ينبغي أن يقدم عليه، فقد سارت الأمور على نحو مغاير بفعل تقديراته الخاطئة، واللهاث وراء عالم من الافتراضات الوهمية في حياة لم يتحقق وجوده الحقيقي فيها.

افتراضات استباقية لم تتسق وفق أرومته، لأنها ولدت ربما متأخرة عنه، في وقت تطالبه الحياة بضروريات فرط فيها، فكانت تبعات تفريطه الافتقار والشعور بالازدراء في نظر الكثيرين لذنب اقترافه؛ وهو إدمان معانقة إدراك الرؤى التي لا يستطيع جعل الناس والوسط يحملونها على محمل الجد، ليس عجزاً عن جعلهم يحملونها، وإنما لأنهم جُبلوا على حمل أنفسهم على ما هو اعتيادي ومنظور، فهم لا يكلفون أنفسهم النظر إلى ما هو بعيد، وهم لا يرون ما هو أبعد من أنوفهم.

وخوفه من أن يسرقه الموت دون أن يساهم في ترك أثر يدل على أنه كان هنا ذات لحظة من عمر الزمن.

أثر يدل على أن شيئاً مذكوراً خلفه ومضى إلى غاية كل حي عاش حيناً من الدهر.

يهز رأسه هزة أخيرة موقناً أن الإنسان سيبقى سجيناً لما يختاره من دروب، ولن يتحرر من سجنه إلا عندما يدرك جازماً أن النور الحقيقي لا يتجلى منقشعاً من سراب الأفق، وإنما ينبع من داخله.