الأربعاء 4 نوفمبر 2026
  • الرئيسية
  • محمد بن يحيى الزبيري وحكايات من حياته(3)

محمد بن يحيى الزبيري وحكايات من حياته(3)

محمد بن يحيى الزبيري وحكايات من حياته(3)

التشابه الذي كان بين المتنبي أحمد بن الحسين الجعفي الكندي اليماني وبين محمد بن يحيى الزبيري، وخصوصًا في الذي تحدثنا عنه في الحلقة الأولى والثانية، كيف أتى وما هي دوافعه وأسبابه؟

فإذا كان ابن الزبير تشابه مع المتنبي في ادعاء النبوة في صباه، فقد تشابه مع المتنبي في مواقف أخرى، وأهم تلك المواقف تشابه ابن الزبير مع المتنبي في مواقف سياسية كثيرة، وتشابههما في الطموح للوصول إلى كرسي الحكم.

ومعروف عن المتنبي أنه هو الآخر كان طامحًا طامعًا بالسلطة والجلوس على كرسي الحكم، وقصص المتنبي في هذا المجال معروفة للقاصي والداني، وقال في ذلك أشعارًا كثيرة، وبفعل طموحه الزائد بالوصول إلى كرسي الحكم تعرض للمضايقات وانتقل من مكان إلى آخر ومن حاكم إلى آخر لعل وعسى يحصل على ما تمناه.

وقد مر ابن الزبير بكثير من العواصم العربية بسبب طموحه ورغبته في الوصول إلى كرسي الحكم.

وحكى في مرة من المرات أن أمير الكويت عبدالله السالم الصباح، أثناء إقامة ابن الزبير في الكويت، أتى إلى مقر عمله في محكمة الفحيحيل ليكرمه ويمنحه الجنسية الكويتية، فرفض ابن الزبير ما عرض عليه، واستبدله بطلب آخر وهو السماح له بمواصلة الدراسة في جامعة الأزهر فرع الكويت، فكان له ذلك.

وعندما سأله البعض عن رفضه للجنسية الكويتية أجاب ابن الزبير بقوله: "أنا سليل وحفيد عبدالله بن الزبير، أسس الخلافة الزبيرية، وحكم الحجاز والعراق واليمن فترة طويلة، أطمح باستعادة حكم أجدادي وأحكم العرب من المحيط إلى الخليج، وابن الصباح يريد منحي جنسية لقرية في الخليج العربي".

وعندما كان يعمل مديرًا في مكتب رئاسة الجمهورية العربية اليمنية، كان الأقرب للواء عبدالله جزيلان، نائب الرئيس عبدالله السلال، وحكى ابن الزبير أنه كان يريد أن يجعل من جزيلان مطية لوصوله إلى كرسي الرئاسة في اليمن.

وحين سأل البعض عن طريقة إقناع جزيلان بالقبول بابن الزبير رئيسًا في ظل وجود طامح آخر لكرسي الحكم، وهو جزيلان نفسه، فأجاب ابن الزبير: "سأجعل عبدالله جزيلان قائدًا لجيشي وأزوجه بزبيرية".

وعندما التحق ابن الزبير بحركة عبدالله عبدالعالم في الحجرية، قبل أن يكون الناطق الإعلامي لهذه الحركة، ليصعد من خلالها ذات يوم إلى السلطة، إلا أن الحركة هزمت وفر قائد الحركة وقواته إلى عدن، وعاش طول عمره في المنفى، ومكث ابن الزبير في مدينة عدن لاجئًا.

وكان على علاقة بالرئيس علي ناصر محمد والرئيس عبدالفتاح إسماعيل، وكان من خلال علاقته القوية بهما يطمح للوصول إلى منصب يوصله ذات يوم إلى كرسي الحكم، إلا أنه وجد نفسه مع الرئيس علي ناصر محمد كما وجد المتنبي نفسه مع كافور الإخشيدي.

وهنا تأتي تتمة الحكاية: ما حدث للمتنبي مع كافور.. وما حدث للزبيري مع علي ناصر.

أولا: ما حدث للمتنبي مع كافور الإخشيدي:

ذهب المتنبي إلى مصر سنة 346هـ بعد أن ضاق به مجلس سيف الدولة الحمداني في حلب بسبب حساده. كان يحكم مصر حينها كافور الإخشيدي، وهو عبد حبشي أسود مخصي اشتراه محمد بن طغج الإخشيدي، ثم أصبح بعد موت سيده حاكم مصر والشام والحجاز، وكان داهية سياسيًا وحليمًا وكريمًا.

ظن المتنبي أنه سيجد عند كافور ما لم يجده عند سيف الدولة: ولاية أو إمارة. فمكث عنده 4 سنوات، ومدحه بقصائد هي من أعظم المدح، منها قوله فيه:

أبا المسك هل في الكأس فضل أناله

فإني أغني منذ حين وتشربُ

وكان كافور داهية، يخاف من لسان المتنبي، فهو كان في ذلك الزمان يساوي مجموعة قنوات فضائية وصحف، يتناقل الناس شعره، فلا يريد أن يخسره بهجاء، ولا يريد أن يعطيه ولاية لأنه يرى طموحه أكبر من أن يؤتمن. فكان يماطله بين اليأس والرجاء.

حتى يئس المتنبي، فقرر الهرب سرًا ليلة عيد الأضحى سنة 350هـ، وترك مصر وهو يغلي حقدًا، فنظم قصيدته الأشهر في هجاء كافور ومصر كلها، وهي القصيدة التي جعلت اسم كافور خالدا في التاريخ من باب الذم:

عيد بأية حال عدت يا عيدُ

بما مضى أم بأمر فيك تجديدُ

أما الأحبة فالبيداء دونهم

فليت دونك بيدا دونها بيدُ

إني نزلت بكذابين ضيفهم

عن القرى وعن الترحال محدودُ

جود الرجال من الأيدي وجودهم

من اللسان فلا كانوا ولا الجودُ

أكلما اغتال عبد السوء سيده

أو خانه فله في مصر تمهيدُ

صار الخصي إمام الآبقين بها

فالحر مستعبد والعبد معبودُ

نامت نواطير مصر عن ثعالبها

فقد بشمن وما تفنى العناقيدُ

العبد ليس لحر صالح بأخ

لو أنه في ثياب الحر مولودُ

لا تشتر العبد إلا والعصا معه

إن العبيد لأنجاس مناكيدُ

ما كنت أحسبني أحيا إلى زمن

يسيء بي فيه عبد وهو محمودُ

من علم الأسود المخصي مكرمة

أقومه البيض أم آباؤه الصيدُ

أم أذنه في يد النخاس دامية

أم قدره وهو بالفلسين مردودُ

وهنا يقول النقاد: المتنبي خالف ضميره، فقد مدح كافور بما ليس فيه طمعًا، ثم ذمه بما ليس فيه انتقامًا. وهذه آفة الشاعر الطموح حين تقدم المصالح على المبادئ.

ثانيًا: ما حدث للزبيري مع علي ناصر محمد:

وهو ما فعله ابن الزبير مع صديقه الرئيس علي ناصر محمد حين أرسل له قصيدة هجائية بدايتها:

يا نفس يكفيك الترجي

لا تركني لبني الأشجي

والأشتر النخعي بابي

الردف يعلو فوق سرجي

لكنه جلف جهول ليس يجدي

غير في أيام رهجي

وهي قصيدة كاملة يقول فيها:

وهي السراية لا ينالها

في الدنا غير الأحجي

الرسخ العرفان من كيد

الأعادي خير منجي

من أن سما راي أناف

على هواه فوق برجي

فأنا أنا حقًا فتاها

لست عنها اليوم أحجي

ويشير إلى علي ناصر محمد بكلمة الأشتر النخعي ليذكره بأن جده الأشتر النخعي لم يكن في موقع الخلافة بل كان مقاتلًا جلفًا لا يصلح للسياسة بل يصلح للحرب فقط، أي أنه جلف جهول لا يفهم في أمور السياسة شيئًا.

التشابه العجيب بين ابن الزبير والمتنبي:

1. الطموح للسلطة: كلاهما لم يرضَ أن يكون شاعرًا فقط، بل أراد أن يكون حاكمًا.

2. التنقل بين العواصم: المتنبي تنقل بين الكوفة وحلب ومصر وفارس، والزبيري تنقل بين صنعاء وعدن والكويت والقاهرة ودمشق.

3. الصدام مع الحاكم بسبب الطموح: المتنبي اصطدم بكافور لأنه لم يعطه ولاية، فهجاه. والزبيري اصطدم بعلي ناصر محمد لنفس السبب، فهجاه بقصيدة تشبه هجاء المتنبي تمامًا.

4. الهجاء كسلاح: كلاهما جعل من الشر سيفًا، فإذا أكرمه الحاكم مدحه حتى رفعه للسماء، وإذا خذله هجاه حتى أنزله إلى الأرض السابعة.

وكلاهما قال في سره: أنا أصلح منه للحكم.

وظلت النبوة حاضرة في كثير من قصائد الشاعر محمد بن يحيى الزبيري، وقد بدت النبوة واضحة في بعض القصائد، وفي بعض القصائد استخدم الشاعر الرمزية. والنبوة التي يذكرها هنا أو هناك نبوة من آخر مختلفة عن النبوة المتعارف عليها لدى الناس، وأقصد بذلك رسالات السماء للمرسلين والأنبياء عليهم السلام. أما النبوة التي أوردها الزبيري في قصائده فتعني الإنسانية في أبهى صورها، وهو ما تجلى في قصيدة "الغافية فوق جداول الذكرى"، والذي يتحدث مضمونها عن مسقط رأس الشاعر قرية "كرب" التي وردت صراحة في هذه القصيدة، ومطلعها:

"كرب مهبط الأمسيات

دمن غافيات

على جدول الذكريات

بها شيد الشوق

عبر السنين

مجتلى للأماني

كرب أهلها أنبياء

إذا حان وقت الصراب

ومخالب نمر

إذا لاح في الأفق آب

آب لحن حزين

بح فيه صويت الرباب

ذكريني بأمجاد أيامك السالفات

عن كماتك والحصن والعاديات" وهي قصيدة طويلة تذكر حروب ومآسي اليمن المتواصلة إلى اليوم، وكأن التاريخ يعيد نفسه.

وحين تقرأ قصائد ابن الزبير ستجد ما ينفي عنه تهمة ادعاء النبوة، وكان الزبيري معجبًا بشخصية المتنبي، لدرجة أنه حفظ قصائده كاملة، وقد خلد الزبيري في قصائده هذا الشاعر الكبير، وأفرد له قصيدة طويلة تصلح أن تكون ديوانًا شعريًا مستقلًا. وتلك القصيدة تحمل عنوان "هوامش تأويلية على أطاريح أبي الطيب المتنبي". وهذه القصيدة الديوان وثقت الحياة الشعرية والسياسية للمتنبي وفروسيته واعتداده بنفسه وافتخاره بمسقط رؤوس آبائه واجداده اليمن، وما تعرض له المتنبي بسبب اعتزازه بذلك الانتماء، وما واجهه من ظلم من القيسية، وهو يدافع عن يمانيته. وهي حالة متكررة عند متنبي العصر الحديث ابن الزبير الذي عانى ما عاناه المتنبي أحمد بن الحسين الجعفي الكندي، وهو يدافع عن أمجاد آبائه وأجداده وتاريخ كندة وحضارة حضرموت وبطولات همدان والسبيع، فقال في واحدة من قصائده:

"امنسي السبيع وحضرموتا

ووالدتي وكندة والسبيعا"

وقوله:

"وإني من قوم كأن نفوسهم

بها أنف أن تسكن اللحم والعظما"

وقوله في قصيدة أخرى:

"فما البحر في البر إلا يداك

وما الناس في الناس إلا اليمن"