محمد بن يحيى الزبيري وحكايات من حياته (2)

تحدثنا في الحلقة السابقة عن تمرد ابن الزبير المبكر ومحاولته أن يدخل في المحظور دون قصد منه، بل كان ذلك جموحًا لخياله في سنوات عمره الأولى. وكان على العكس من شاعر العرب الكبير المتنبي أحمد بن الحسين الجعفي الكندي اليماني. حيث كان تمرد ابن الزبير وهو لا يزال طفلًا في سنوات عمره الأولى،
بينما كان تمرد المتنبي وهو قد تجاوز العشرين من عمره، وهي المرحلة العمرية التي يحاسب عليها الشرع. وكان من حسن حظ ابن الزبير أن طرق باب ذلك الموضوع وهو لا يزال طفلًا صغيرًا سقط عنه التكليف، فأمن عقوبة الحاكم بتهمة الردة والتطاول على الذات الإلهية. وعلى العكس، كان المتنبي وبسبب كبر عمره، قد تعرض للمساءلة والمحاكمة بتهمة ادعاء النبوة، وهي تهمة توجب الإعدام في حال عدم استتابة مقترفها ورجوعه بعد ثلاثة أيام من اتهامه، وأمن المتنبي العقوبة جراء إعلان استتابته ورجوعه عما اقترفه.
أولًا: قصة محاكمة المتنبي في حمص واستتابته
خرج أبو الطيب المتنبي وهو شاب في العشرين، من الكوفة إلى بادية السماوة بين الكوفة والشام، يطلب اللغة والمجد. وهناك اختلط بقبائل بني كلب وغيرها، وادعى النبوة، وتبعه خلق كثير.
فخرج إليه لؤلؤ أمير حمص نائب الإخشيدية، بجيشه، فتفرق أصحابه، وقبض عليه وسجنه طويلًا في حمص، ولبس الحديد وذاق الذل. فأنشد وهو في قيوده:
أمالك رقي ومن شأنه
هبات اللجين وعتق العبيد
وطال سجنه قرابة عامين، حتى استتابه الأمير، فكتب عليه وثيقة ببطلان ما ادعاه ورجوعه إلى الإسلام، وأشهد عليه فيها، ثم أطلقه. ومنذ ذلك اليوم لصق به لقب "المتنبي".
وكما نجا الزبيري الصغير بطفولته من سيف أبيه، نجا المتنبي الكبير بفصاحته واستتابته قبل أن يقطع رأسه سيف الوالي.
ثانيًا: أبيات شعرية للزبيري تشبه أشعار المتنبي وفهمها البعض كما فهم المتنبي، وهو ليس كذلك
وإذا كان الزبيري قد تشبه بالمتنبي في صغره ببراءة، فإنه تشبه به في كبره بقصد، لكن البعض أساء فهمه كما أساء فهم المتنبي، وهو ليس كذلك.
إن أخطر ما يواجه الشاعر العظيم هو حين يرتفع خياله حتى يلامس سقف النبوة، فيظن الناس أنه يدعيها، وما هو إلا شعور بالرسالة الإصلاحية.
ومن ذلك قوله في قصيدته الثائرة من ديوانه "استغاثة التراب المقوشة أعمدة عرش بلقيس":
أنا من جاء للبشرية الخرقاء
يحمل ما ينوء به الوجود
كان عندي ما أقول لها
فسد التافهون الباب في وجهي
أبوا أن يسمعوا نطقي
وحين نطقت
ألقوا فوق رأسي كل أقذار الدهور
وهذا ليس ادعاء نبوة، بل شعور بالرسالة التي حملها العلماء ورثة الأنبياء في تجديد الرسالة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهي كما قال المتنبي قبله:
أنا في أمة تداركها الله
غريب كصالح في ثمود
وفي قصيدة أخرى يخاطب صديقه الدكتور أبا بكر السقاف رحمه الله، فيقول:
أبا بكر انظر أيا قمة
لكون لترفده بالأجد
ولا تنتقدني إذا ما خشيت
وجود الكوارث فيما استجد
فمثلي إذا ما أتى أمة
تلاشت تحدى وعزما عقد
على أن يعيد لها ذاتها
ويطلع من غصنها ما اختضد
أنا إن أفولذها بالسنا
سأغدو لها الأيد والمستند
سأخلق من دودنا أمة
تريد وتأبى وأيضًا تود
وهي نفس ثقة المتنبي حين قال:
سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا
بأنني خير من تسعى به قدم
وفي موضع ثالث يقول الزبيري:
فعلام توقف كرها خيل النبوة
قبل أن تثخن في الأرض الخطى
وكلمة "خيل النبوة" هنا لا يقصد بها نبوة الوحي التي ختمت بمحمد صلى الله عليه وسلم، بل يقصد نبوة الفكرة والثورة والكلمة.
وهكذا، فكما برئ المتنبي، فإن الزبيري برئ منها، وهو القائل في مدح النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم:
وأنا الزبير إليك تحدو قصائدي
شغفًا بها ولك الفؤاد فداء
ومن يمدح نبيه بهذا الحب، لا يمكن أن يدعي أنه نبي منافس له. وما نسب إليهما هو في حقيقته تضخم شعور الرسالة الإصلاحية عند الشاعر العبقري، فحين يعجز المجتمع عن فهم الشاعر، يتهمه بالجنون أو بالنبوة، وما هو إلا رجل سبق عصره بسنوات ضوئية.



