الأربعاء 4 نوفمبر 2026

لماذا لم يعتذر الإرياني؟

هل كان الاعتذار سينقص من قدر معمر الإرياني شيئاً، وهو يغادر وزارة الإعلام بعد أكثر من عشر سنوات على رأسها، ونحو خمسة عشر عاماً في الحكومات المتعاقبة؟ وهل خلت هذه الرحلة الطويلة من خطأ واحد، أو تقصير يستحق طلب السماح من موظف خُذل، أو صحفي شُرّد، أو مواطن لم يجد في إعلام دولته ما يعبر عن وجعه؟

أم أن المسؤول في بلادنا، حين ينتقل من كرسي الوزارة إلى مقعد السفير، يرى أن واجبه الأخير هو شكر من منحه المنصب ومن أبقاه فيه، بينما يظل الذين انتظروا منه حقاً أو إنصافاً خارج حسابات الوداع؟

قرأت بيان الإرياني الذي نشره عقب صدور القرارين الجمهوريين في الثاني من نوفمبر 2026، بتعيين سالم العولقي وزيراً للإعلام، وتعيين الإرياني سفيراً بوزارة الخارجية دون سفارة. ثم عدت إليه أبحث عن كلمة اعتذار ربما فاتتني وسط سيل الشكر والامتنان، فلم أجدها.

شكر الرجل القيادة السياسية والأشقاء والشركاء، والوزراء والوكلاء ومديري العموم، والمؤسسات والعاملين فيها. وامتدت عبارات الشكر من المحيط إلى الخليج، واستفاض في سرد جهوده والتحديات التي واجهها. وحدها كلمة "اعتذار" لم تجد لها مكاناً بين تلك السطور؛ وكأننا أمام مسؤول خرج من امتحان استمر عقداً كاملاً دون أن يفقد درجة واحدة!

لا أحد ينكر أن الإرياني تسلم وزارة مزقتها الحرب بعدما سطا الحوثيون على مؤسسات الإعلام في صنعاء، ونهبوا مقدراتها وشردوا كوادرها، ويُحسب له ولزملائه إبقاء صوت الدولة حاضراً في المنفى، ومتابعة ملف الصحفيين المختطفين، ومواجهة سردية الانقلاب خارجياً. لكن قسوة البدايات لا تمنح صك براءة عن حصيلة عقد كامل؛ فالأثر يُقاس بما بقي في المؤسسات وحياة الناس، لا بطول بيانات الوداع.

في يونيو 2014، غادر علي أحمد العمراني الوزارة نفسها برسالة مقتضبة ختمها بطلب "المسامحة ممن قصرتُ في حقهم أو أسأت". وفي بيروت، استقالت وزيرة الإعلام منال عبدالصمد عام 2020 قائلةً: "أعتذر من اللبنانيين الذين لم نتمكن من تلبية طموحاتهم". وفي الخرطوم، سلّم وزير الإعلام فيصل محمد صالح خلفه في فبراير 2021 ملفات ما أُنجز وما تعثر، معلناً تحمّله المسؤولية عن أي إخفاق.

أما الإرياني، فلم يكن مطلوباً منه أن يستقيل، بل أن يعترف بما تعثر خلال سنوات مسؤوليته. ويكفي أن نتوقف عند اسم واحد ورد في قائمة المؤسسات التي شكرها: "الجمهورية".

لم تكن "الجمهورية" يوماً جريدة محلية تخص تعز وحدها، وإن كانت المدينة مقرها ومنطلقها؛ بل وُلدت مع النظام الجمهوري عقب ثورة سبتمبر 1962 لتحمل اسمه، وصارت مدرسة تخرجت منها أجيال الصحافة والثقافة في اليمن. وحين انقلب الحوثيون على الدولة، كان المنطق يقتضي أن تستعيد وظيفتها الأولى، فتغدو رأس حربة لليمنيين في مواجهة السلالة والانقلاب.

فمن تعز تحديداً — المدينة التي بقيت عصية على الكسر، وظل صمودها شوكة تؤرق استدامة سلطة الأمر الواقع في صنعاء — كان يمكن لـ"الجمهورية" أن تخاطب العالم يومياً بالعربية والإنجليزية. وحين ترفع الجماعة شعار نصرة غزة، كانت منصات "الجمهورية" كفيلة بكشف المفارقة بالصورة والوثيقة: كيف يزعم نصرة المحاصرين في غزة من يفجر الطرق المعبدة، ويمنع الأكسجين والدواء، ويحاصر ملايين اليمنيين في تعز منذ عشر سنوات؟

لم يكن ذلك يتطلب مطبعة بملايين الدولارات؛ بل غرفة تحرير صغيرة وموقعاً رصيناً يستوعب الكوادر المشردة. غير أن ما جرى على الأرض كان شيئاً آخر.

ففي أكتوبر 2018، افتُتح مقر مؤقت للصحيفة وأُطلق موقعها الإلكتروني في تعز بحضور وكيل المحافظة وممثل الوزارة، دون حضور الوزير شخصياً. لكن التجربة لم تعمّر سوى ثلاثة أسابيع قبل أن تتوقف، وتتبادل إدارة التحرير والوزارة، على صفحات الصحف في أبريل 2019، الروايات حول غياب الدعم الكافي وضغوط الإعاقة؛ تضاربت الروايتان، وتطابقت النتيجة: غابت الصحيفة وبقي الخلاف.

وفي أغسطس 2023 صدر قرار بتعيين رئيس لمجلس إدارتها وتحريرها، تلاه في سبتمبر إصدار عدد ورقي استثنائي يتيم في ذكرى الثورة. ثم عاد الصمت، حتى خرجت اللجنة النقابية للعاملين في مايو 2025 تناشد مجلس القيادة والحكومة تمكين المؤسسة ولو بالحد الأدنى: إعادة تشغيل موقعها الإلكتروني المتوقف!

خلف هذا التعثر أكثر من أربعمئة موظف وصحفي وفني في المؤسسة، تفرقوا بين تعز المحاصرة ومناطق الشتات، وطال انقطاع رواتبهم لأعوام متواصلة، حالهم حال زملائهم في مؤسسات الإعلام الرسمي الأخرى؛ حتى اضطر محرر قدير في وكالة "سبأ" — بعد عمر قضاه في صياغة الخبر وحمل أحلام اليمنيين بقلمه — إلى العمل في ورش البناء ونقل "البلك" على كتفه لإطعام أسرته، فيما بقي صحفيو "الجمهورية" وفنيوها في تعز يرابطون في جبهاتها بأمعاء خاوية.

أولئك الذين انحنت ظهورهم تحت ثقل الحجارة بعد القلم، وانتظروا رواتبهم حتى صارت المذكرات الرسمية أكثر انتظاماً من الصرف، كانوا أولى باعتذار صريح من الوزير المغادر، لا أن تمر معاناتهم عابرة في طابور شكر طويل.

وإذا استكثر الوزير الاعتذار على مرؤوسيه، فالأولى به أن يعتذر لشعب خاض حرباً أقصر عمراً من تجربة معاليه في مقاعد الحكومة؛ فقد غادر بعد عشر سنوات في وزارة الإعلام، دون أن يرى اليمنيون صحيفة "الجمهورية" حاضرة بانتظام على الورق أو في الفضاء الرقمي، أو يجدوا في إعلام الشرعية ما يوازي تضحياتهم ويعبر عن تطلعات أبنائهم.

لقد كانت الجمهورية اليمنية أحوج إلى صحيفة "الجمهورية" من حاجتها إلى تغريدات الوزير الشخصية، على نشاطه المشكور؛ فحساب المسؤول يرتبط بصاحبه، أما المؤسسة فيفترض أن تستمر بعد رحيله. والمفارقة أن الحساب الرسمي الحالي لوزارة الإعلام على منصة "إكس" يحمل تاريخ إنشاء يعود إلى مارس 2026، أي في الأشهر الأخيرة من ولاية امتدت عشر سنوات!

ومن آخر حسنات الإرياني أن وزارته أعلنت، في الثاني من أكتوبر 2026، إطلاق "مركز التحقق الحكومي" لكشف الأخبار المضللة بالعودة إلى المصادر الأولية. خطوة محمودة، لو أن الوزير نفسه بدأ بتطبيق معاييرها على بيان وداعه، قبل أن يستغرق في سرد عبارات الشكر والإنجازات.

فقد كتب في مستهل بيانه أنه تولى وزارة الإعلام "منذ أبريل 2016"، بينما ينص القرار الجمهوري رقم (116) المنشور في أرشيف وكالة "سبأ" على تعيينه وزيراً للإعلام في 18 سبتمبر 2016، وأدائه اليمين في الثالث من أكتوبر. قرابة خمسة أشهر سقطت من ذاكرة البيان في واقعة لا تحتاج إلى مركز تحقق، بل إلى محرر يفتح أرشيف الوكالة التي شكرها الوزير!

هكذا غادر الإرياني إلى مقعد السفير، تاركاً لخلفه سالم العولقي مؤسسات معطلة وحقوقاً معلقة، وللصحفيين، من حيث لم يقصد، درساً أخيراً في الدقة والمساءلة: فإذا كان وزير الإعلام قد أخطأ في تاريخ تعيينه داخل بيان يسرد فيه إنجازاته، فكم من إنجاز آخر يحتاج إلى تدقيق؟

ولو أنه راجع حصيلة السنوات العشر كما كان ينبغي أن يراجع تاريخ تعيينه، لوجد بين سطور الشكر مكاناً لكلمة "سامحوني"؛ يقولها للمحرر الذي اضطر إلى حمل "البلك" بعد سنوات من تحرير الأخبار، ولصحفيي "الجمهورية" وفنييها الذين ما زالوا يقبضون على جمر المهنة في تعز المحاصرة، ويشاركون أهلها معركة الصمود وبطونهم خاوية.