القوة هي التي تُعيد تشكيل العالم باستمرار
(أمريكا؛ لا يفهم نبرتها إلا من قرأ فلسفتها)
تأملت تاريخ العالم طويلاً، فوجدت أن القوة هي الخيط الناظم لحركة التاريخ، وأن ما نراه من تحولات سياسية واقتصادية وعلمية وحضارية ليس في جوهره سوى تعبيرات مختلفة عن صراع القوى، وعن قدرة الإنسان والجماعات والدول والمؤسسات على البقاء والحركة والتكيف والتأثير وإعادة تشكيل شروط وجودها. فهناك قوة الحياة بما تعنيه من قدرة على النمو والتطور، وقوة الفكر بما تعنيه من قدرة على الإدراك والفهم والتخيل والإبداع، وقوة الجسد، وقوة الجماعة، وقوة المؤسسات، والقوة الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية، وقوة القانون والنظام، وقوة القرار والفعل والإنجاز. وبين القوة والعجز، وبين القدرة والقصور، تدور عجلة التاريخ.
ولعل هذا ما يفسر السؤال الذي يتكرر كلما اقترب موعد الانتخابات الأمريكية: لماذا تتجه أنظار العالم إلى الولايات المتحدة، ويتابع ملايين البشر تفاصيل عمليتها الانتخابية باهتمام استثنائي، بينما لا تحظى انتخابات كثيرة في دول أخرى بالقدر نفسه من المتابعة؟ هل لأن الأمريكيين أكثر اهتماماً بالسياسة من غيرهم؟ أم لأن الانتخابات الأمريكية أصبحت، بحكم موقع الولايات المتحدة في النظام العالمي، حدثاً يتجاوز حدود الدولة الأمريكية، لتصبح نتائجها ذات أثر مباشر أو غير مباشر في حياة شعوب ودول وقارات بأكملها؟
الجواب، في تقديري، يكمن في طبيعة القوة وموقعها في التاريخ.
ليست الولايات المتحدة مجرد دولة كبيرة في الجغرافيا السياسية المعاصرة، بل هي مركز مؤثر في شبكة معقدة من العلاقات الاقتصادية والمالية والعسكرية والتكنولوجية والثقافية والدبلوماسية. قراراتها لا تبقى محصورة داخل حدودها، ولا تنتهي آثارها عند حدود مواطنيها. فالدولار، وأسواق المال، والتجارة الدولية، والطاقة، والتكنولوجيا الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والتحالفات العسكرية، والحروب والنزاعات الإقليمية، ومؤسسات النظام الدولي، كلها تتأثر بدرجات متفاوتة بما يصدر عن واشنطن. ومن هنا فإن متابعة الانتخابات الأمريكية ليست مجرد فضول سياسي تجاه تجربة ديمقراطية مختلفة، وإنما هي متابعة لعملية إعادة توزيع محتملة للقوة والنفوذ والقرار في العالم.
ومن هذا المنظور، لا يكون التاريخ مجرد تعاقب للأحداث والوقائع، بل حركة وصراع وتكيف وتطور، وردود أفعال واتخاذ مواقف، وتنافس على المواقع والموارد والسلطة والمعنى. إنه تاريخ الإنسان في علاقته بالطبيعة وبالآخرين وبذاته، وفي محاولاته المتواصلة لتأمين شروط البقاء وتحسين شروط الحياة.
غير أن التاريخ الإنساني يكشف لنا عن مستويين متداخلين: تاريخ الضرورة والواقع والحياة، وتاريخ الحلم والأمل والمثال. الأول هو التاريخ الفعلي الذي تدور رحاه حول التجارة والحرب والاحتكار والسيطرة وتوزيع المصالح والثروات، حيث تتفاوت مواقع البشر بين أقوياء وضعفاء، وغالبين ومغلوبين، وقادرين وعاجزين. والثاني هو التاريخ الذي يحلم به الإنسان ويريد تحقيقه، ويدور حول العمل والإنتاج والعدالة والحرية والكرامة والخير والجمال، وحول إمكان بناء عالم لا تكون فيه حياة الإنسان رهينة امتيازات القوة المجردة.
وبين التاريخين تتشكل المعضلة الحضارية الكبرى: كيف نحول القوة من أداة للهيمنة إلى وسيلة لتنظيم الحياة؟ وكيف نجعل القانون أقوى من إرادة الأقوياء، والحق أعلى من امتيازات الغلبة؟
إن الحضارة، في أحد معانيها العميقة، ليست مجرد تراكم للثروة أو اتساع للمدن أو امتلاك للأسلحة والتكنولوجيا، وإنما هي القدرة التنظيمية للمجتمع في التاريخ؛ أي القدرة على إنتاج مؤسسات عامة، ومعايير قانونية، وقواعد أخلاقية، وأنظمة سياسية واقتصادية تتيح للناس العيش المشترك، وتحمي حقوقهم، وتضبط علاقاتهم، وتمنع تحول الاختلاف إلى حرب دائمة.
وهنا يظهر المعنى الحقيقي للدولة المدنية والعلمانية: ليست الدولة التي تحارب الدين أو تصادر الاعتقاد، بل الدولة التي لا تجعل مذهباً أو طائفة أو عقيدة أو أيديولوجيا مرجعاً لامتلاك السلطة أو احتكار المواطنة. إنها الدولة التي تتسع لجميع مواطنيها، ويكون القانون فيها سيد الجميع، ويكون الانتماء الوطني أساس الحقوق والواجبات، لا الامتياز الديني أو الطائفي أو القبلي.
لقد غيرت ثورة الاتصالات والمعلومات طبيعة العالم. لم تعد الجماعات البشرية تعيش في كانتونات ثقافية مغلقة، تتصور كل واحدة منها أنها مركز الكون وأن الآخرين مجرد هوامش على أطرافه. أصبح العالم قرية إنسانية مكشوفة ومتصلة، يرى فيها الإنسان أن حاجاته الأساسية متشابهة، وأن الفوارق الهائلة في شروط الحياة لا ترجع بالضرورة إلى اختلاف الطبيعة البشرية، بل إلى اختلاف أنظمة الحكم والمؤسسات ومستويات التنمية وتوزيع الفرص والحقوق.
ولذلك لم يعد السؤال الحضاري: أي الشعوب أفضل من غيرها؟ بل: أي المؤسسات أكثر قدرة على حماية الإنسان وإطلاق طاقاته وتنظيم علاقاته وتحقيق مصالحه المشتركة؟
من هنا نفهم لماذا تبدو الانتخابات الأمريكية شأناً عالمياً.
إنها انتخابات تجري داخل دولة تمتلك من عناصر القوة ما يجعل خياراتها الداخلية ذات امتدادات خارجية واسعة. وحين يختار الأمريكيون ممثليهم، فإنهم لا يحددون فقط طبيعة القوانين والضرائب والإنفاق العام في بلادهم، وإنما يشاركون أيضاً في تحديد التوازنات التي ستتحكم في السياسة الدولية، وفي مستقبل التحالفات والحروب والتجارة والطاقة والمناخ والتكنولوجيا.
ولعل من المفيد هنا استعادة بعض ملامح الفلسفة الأمريكية التي تشكلت في سياق تاريخي مختلف عن السياقات الأوروبية والشرقية. فالولايات المتحدة دولة حديثة نسبياً، لم تحمل على كاهلها طبقات التاريخ الإمبراطوري الأوروبي بالطريقة نفسها، ونشأت في سياق ثوري ارتبط بأفكار الحرية والاستقلال والتقدم وإمكان بناء مجتمع سياسي جديد.
لقد عبر توماس بين عن هذه الروح حين تحدث عن قدرة الأمريكيين على بدء العالم من جديد، كما أطلق توماس جيفرسون على أمريكا صورة «إمبراطورية الحرية». وفي القرن التاسع عشر وصفت مجلة «هاربرز» الأمريكية الولايات المتحدة بأنها أرض المستقبل، في تعبير يكشف عن نزعة ثقافية رأت في المستقبل مجالاً مفتوحاً لإعادة اختراع المجتمع والدولة.
ولم تكن هذه النزعة مجرد خطاب أدبي أو حماسة وطنية، بل ارتبطت بتطور فلسفي واقتصادي واجتماعي، كانت البراغماتية الأمريكية أحد أبرز تعبيراته. فالبراغماتية لا تنشغل بالحقيقة بوصفها فكرة مجردة فحسب، وإنما تسأل عن نتائج الأفكار في التجربة العملية، وعن قدرتها على حل المشكلات وتحسين شروط الحياة. إنها تنظر إلى المعرفة من زاوية الفعل والنتيجة، وإلى الأفكار من زاوية ما تتيحه من إمكانات في عالم الخبرة.
ومن هذه الرؤية نشأت نزعة عملية واضحة في التفكير السياسي الأمريكي: تحديد الأهداف، وحساب الموارد، وتقدير النتائج، وقياس المكاسب والخسائر. وتبدو هذه النزعة حاضرة في الاقتصاد والسياسة الخارجية والعلاقات الدولية، بل وفي إدارة الصراعات والحروب أيضاً.
لكن علينا ألا نخلط بين البراغماتية بوصفها منهجاً في التفكير، وبين تحويل السياسة إلى حسابات مصلحية مجردة. فالعالم ليس شركة تجارية كبرى، والشعوب ليست أرقاماً في دفاتر الأرباح والخسائر، والإنسان ليس مجرد وحدة قابلة للإدراج في معادلات المنفعة. إن السياسة التي تفقد بعدها الأخلاقي تتحول بسهولة إلى إدارة للمصالح على حساب البشر، والقوة التي لا تخضع للمساءلة قد تتحول إلى مصدر للتهديد بدلاً من أن تكون ضمانة للاستقرار.
وهنا تبرز أهمية الانتخابات الأمريكية الراهنة، لا بوصفها منافسة حزبية داخلية فحسب، وإنما باعتبارها اختباراً لطبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع، وبين الرئيس والمؤسسات، وبين الإرادة الشعبية والقيود الدستورية.
لقد كشفت انتخابات التجديد النصفي الأمريكية التي جرت في الثالث من نوفمبر 2026 عن تحول سياسي لافت؛ إذ تشير النتائج الأولية والتوقعات المعلنة إلى تمكن الحزب الديمقراطي من انتزاع السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، في تحول يمثل رفضاً انتخابياً واسعاً لسياسات إدارة دونالد ترامب، ويضع حداً لاحتكار الحزب الجمهوري السلطتين التشريعيتين خلال العامين الأولين من ولايته الثانية. وقد ارتبطت دوافع هذا التحول بمزيج من القلق بشأن تكاليف المعيشة والتضخم، والحرب مع إيران، والسياسات الجمركية، والاعتراض على أداء الإدارة وقضايا الفساد. (رويترز، أسوشيتد برس، 4 نوفمبر 2026).
إن الكونغرس ليس مجرد مؤسسة تشريعية تصادق على قرارات الرئيس، بل هو أحد مراكز القوة في النظام السياسي الأمريكي، يمتلك صلاحيات التشريع والرقابة والإنفاق والتحقيق والمساءلة، كما يشارك مجلس الشيوخ في المصادقة على التعيينات المهمة. وعندما تنتقل الأغلبية فيه إلى الحزب المعارض، تتغير طبيعة العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وتصبح القرارات أكثر عرضة للنقاش والتفاوض والمراجعة والمحاسبة.
ومع ذلك، فإن تغيير الأغلبية لا يعني انتقال السلطة التنفيذية إلى الحزب الفائز، ولا يعني أن الرئيس فقد صلاحياته الدستورية. فالسلطة التنفيذية تبقى في يد الرئيس، وله حق الاعتراض على التشريعات، كما أن للسلطة القضائية دورها في مراقبة دستورية القرارات. وهذا تحديداً ما يجعل التجربة الأمريكية جديرة بالدرس: ليست الديمقراطية أن يفوز طرف فيحكم بلا قيود، وإنما أن يخضع الفائز والخاسر معاً لقواعد مؤسسية تتجاوز إرادة الأشخاص والأحزاب.



