إنها الديموغرافيا يا غبي!
اكثر ما يحضرني هذا الصباح من الاستحقاق الانتخابي الاميركي هو ذلك اللقاء المثير في مدينة هيوستن (تكساس) الذي جمعنا، 10 صحفيين عربا، بخبيرين اميركيين في الديموغرافيا في اكتوبر 2008.
استمعنا منهما إلى تفاصيل حول حيوية هيوستن التي كانت، حينذاك، المدينة الكبرى الأسرع نموا في اميريكا. وقد حشد الخبيران مؤشرات اقتصادية وسكانية (خصوصا النمو الأسي للسكان اللاتينيين قياسا إلى السكان البيض والسود) تظهر عمق التحولات داخل المجتمع الاميركي.
انتهيا ثم رحبوا بأسئلة الضيوف العرب. حان دوري فسألتهما عن صورة المجتمع الاميركي، كما تبدو لهما، بعد ربع قرن.
أجاب أحدهما بثقة: "يكفي أن تنظر إلى هيوستن الآن لتعرف الإجابة"!
كان سكان المدينة في خريف 2008 يتوزعون على ثلاث مجموعات بالتساوي تقريبا: بيض وسود ولاتين!
الأرجح ان السود واللاتين هم من حسم الانتخابات في الولاية الجنوبية لصالح الحزب الديمقراطي، الذي تمكن من كسر السيطرة الحمراء على حاكم الولاية ومقعدها في مجلس الشيوخ للمرة الاولى منذ عدة عقود.
في دورتيه الرئاسيتين لاح ترامب رئيسا من القرن التاسع عشر ينقصه، فقط، الغاء مكاسب السود والمهاجرين الأفارقة والآسيويين واللاتين، التي تحققت في القرن العشرين، ليسكنه السلام والثقة بمستقبل واعد ل"مصنع الحرية" و"رسول السلام" إلى العالم.
بإستثاء اصحاب المليارات عانى الاميركيون العاديون (وأغلبهم من الطبقة الوسطى والمهاجرين) من سياسات "الرجل الأبيض" التي تصب في خدمة الأثرياء، فضلا عن حمايته مجرم الإبادة الجماعية نتنياهو، واستمراره في التواطؤ مع جرائمه في غزة والضفة الغربية حد استهداف قضاة المحكمة الجنائية الدولية بالعقوبات المتلاحقة!
لكن ترامب اغفل حقيقة ان امريكا تقترب الآن من تكساس في الجنوب، وأن اميركيا مسلما لأب مصري سيخوض الانتخابات ضد المرشح الأبيض المدعوم من الايباك، وينتزع بجدارة، وببرنامج اشتراكي، مقعد مجلس الشيوخ عن ولاية ميتشجن في الشمال.
ان عليه ان يتكيف، ما استطاع، مخرجات الهزيمة، ويعلم ان امريكا ليست حفنة أثرياء بيض فقط! وان السبب الأول لهزيمته في الانتخابات النصفية هو استخفافه بالحقائق.
أنها الديموغرافيا يا ترامب!



