حتى لا تنحرف البوصلة
يمثّل الوعي وامتلاك الإرادة على الفعل نموذجًا لقوة وتأثير الفعل الإنساني في الواقع السياسي وتكويناته وتعبيراته السياسية؛ من أحزاب وقوى سياسية تمثيلية مستقلة، تمتلك كاريزما التأثير المجتمعي في حياة المجتمعات والشعوب، وفي مشاكلها السياسية والاقتصادية والمعيشية، وصور مشاركتها في أطر صياغة حياة المجتمعات ومواطنيها.
هنا تختلف الصورة لتتخذ أشكالًا وتعبيرات شتى، بين السكون والحركة، والقبول بالمكتوب لدى البعض، أو السكون المتستر بالقمع والإرهاب وقمع الرأي المخالف لرأي من بأيديهم مفاتيح ومصادر أدوات القمع، من جانب، وتملّك مرتفعات الثروة بمعانيها المختلفة، بل وتوجيه مساربها صوب تثبيت حركية المجتمع وقواه ضمن توجيه وسيطرة محكمة، تعيد تجديد الآليات الحاكمة بشكل أو بآخر، ضمن قالب جوهره احتكار مزمن لعنصري القوة المالية وتعبيراتها المباشرة: أحزاب، ووسائل إعلام، ومراكز أبحاث، ووجاهات، وعناصر قوة، عمادها محاصرة حرية الإبداع والخروج على المألوف، ضمن سياق أمني تتعدد مظاهره وأساليبه، وتتطور مع متغيرات انتقال حركية هيمنة قوة القوة المالية، أفرادًا وهيئات، تحت عباءة مراحل تطور حركية الرأسمالية؛ من آخر مراحلها، ما بعد العولمة، إلى ما بعد النيوليبرالية، وصولًا إلى المرحلة الحالية المتسمة بهيمنة أجهزة المعلوماتية والذكاء الاصطناعي، داخل مساحة تتصارع معها روح الإنسانية الأبدية، أخلاقًا وقيمًا وحقوقًا.
إنها مرحلة ما بعد الإنسانية، التي يُراد من خلالها تحويل البشر إلى مجرد أدوات خالية من الضمائر والمشاعر، تحركهم الغرائز، لا المشاعر البشرية التي تحترم أولًا إنسانية الإنسان.
دارت حروب إبادة وتدمير لدول وكيانات، وأبدعت أوليغاركيات المال والقوة في استخدام أدوات الدمار الشامل. وعند الاستحقاق لقيم ومفاهيم الديمقراطية السمحة وتعبيراتها الأقوى، المتمثلة في العملية الانتخابية، تتحرك آلية المال والمال الكثيف والإعلام المرابي، لتحاول سحق أي خروج عن العهد القديم: هيمنة القوة... المال... الإعلام.
وذلك لدى دول دونكيشوت الرأسمالية، ورأسمالية إيلون ماسك، وفلول رأسمالية جماعة حائط المبكى، الصهيونية الرأسمالية العالمية.
وفي المقلب الآخر، تعيش الكثير من دول الشرق مرحلة تحوّل تبحث عن مآلات الخروج إلى فضاء إنساني يحاول إعادة البوصلة تجاه عالم أكثر إنسانية. ولعل فوز دي سيلفا أحد أبرز تعبيرات هذا التحول، الذي يجابه مخاطر آخر مراحل إمبريالية رأس المال.
وفي المقلب العربي، نعيش مرحلة اللادولة؛ فإن وُجدت، فهي دولة الحاكم... دولة الأسرة... المشيخة... الزعيم سابق التجهيز!
وما يحيط بهذه المسميات من هلاميات ضعيفة أضعفتها لعبة الكراسي، وسهولة الولاءات، وبطء تأثير عمليات التنمية الجذرية الحقيقية. فما تزال أسواقنا تابعة، ودولنا ريعية، وانتخاباتنا شكلية مزيفة.
نأتي إلى بيت القصيد: ما أفرزته الانتخابات الصهيونية الأمريكية، وما تشهده من حراك شعبي، لشعوب أوروبية حية، يشير إلى أن اليمين ما زال، بشكل مطلق، ضد التغيير الجذري لهيمنة رأس المال.
إن الرعب المصاحب لسقوط اليمين الصهيوني يحمل رسالة ذات معنى: كيف يمكن البناء عليها لإنهاء مرحلة صهينة الضمير العالمي؟ تمامًا كما هو مؤشر إلى انتهاء هيمنة القطبية الأحادية.
لقد كانت الترامبية أسوأ تعبيراتها. فالعالم يبحث عن مخرج وبديل.
نحن، في وضع بلادنا الحالي المشتت والمنقسم، علينا مغادرة الكهف إلى أحضان دولة المواطنة الحقيقية؛ دولة المساءلة، ودولة الحقوق والواجبات، والقانون، والدستور النافذ، والمؤسسات. دولة لا تقوم على حكم الشيخ أو الزعيم أو القبيلة.
حين خرجت الجموع إلى شوارع أوروبا، كانت تهتف باسم الإنسان وحقه في حياة كريمة، بعيدًا عن الحروب، وبعيدًا عن هيمنة عفريت المال المعولم، الذي يتغذى على دماء الحروب ومقايضات شيلوك في أسواق البندقية، وعلى دماء الناس، كما هو جارٍ في غزة، وهو أمر مرفوض من كل الشعوب.
الانتخابات ليست لعبة صناديق خاوية الضمير، لكنها موقف عقول إنسانية تفكر في الغد الآتي لكل البشر، بعيدًا عن عقول من عسكروا الأرض ونهبوا مواردها وسيطروا على مفاتيحها، عبر زر نووي، أو عبر كلبشات إعلام معولم يداري الحقيقة كما يشاء المموّل أو المخبر أو الزعيم.
العالم تغيّر فعلًا، لكن هناك من يحاول إنهاء عالمنا والرحيل إلى كوكب آخر بعد دمار كل شيء.



