الأربعاء 4 نوفمبر 2026
  • الرئيسية
  • اليمن بلا بطولات: قراءة في لقبي "الحرائر والماجدات"

اليمن بلا بطولات: قراءة في لقبي "الحرائر والماجدات"

اليمن بلا بطولات: قراءة في لقبي "الحرائر والماجدات"
"طوبى للشعوب التي ليس بها أبطال" (بريخت)
"تبًا لأمة تحتاج إلى بطل" (جاليليو)

في عمري الستين مازلت أسمع لقبين في وصف نساء اليمن: "الحرائر" و"الماجدات"، لم يردا في كتب المدرسة والأحزاب والقضاء فحسب، بل وفي إسهالات الثورات والانتفاضات والمقاومات، والوطنيات، وتضاداتها وو... الخ من الأيقونياتية في الثقافة اليمنية المُسيرة بالنصوص والأجندات، فكرًا وسلوكًا، بحسب السيف المصلت الناطق بما يقوله "الجنرال، الأب، الشيخ، السيد والعكفي سَبر"، نعم فكلها آيات مقدسة تعتمل وتشتعل وتفقس كمعمل ناري على مدار الساعة والعمر الفاني في منابت الأرض اليمنية. وليس بآخر ما نضحت به مؤخرًا العقلية الجهنمية للتناوير الثورية المتوارثة لحروب المجاهدات والحرائر كـ"الراقص بالغدرة..."، إنها فرجة الكوميديا السوداء الناضحة بالعته اليومي في مسيرة الأقيال، الأقحاح والأشحاط، لشراء عشرة آلاف قطعة سلاح، وعشرة ملايين رصاصة، ومليار خبزة وذمولة، ومليار استغفار وتسبيح للنصر المبين، وأكفان ومقابر... الخ من جبهات الموت السرمدية: (عتاد التحرير والكرامة)!

هي نفس الفكرة والفرجة لمجاميع نسوية كسّرن رؤوسنا قبل وبعد 2011، وحتى اليوم 2026، يحركهن فقه الضرورة المقدس لممالك ومواقيت الفطاحلة الأبطال أعلاه، وإلى أبسط ذكر "بطل" منتعل القحوف أو حافيًا، مدجج بالأسلحة الثقيلة، و"يا البنطلون وإحنا اشتحطنا للركب"، متفجر البُجمة بالقات يعفر ببارود وسخام وجثث القصائد وشيلات الاستنفار والجهاد والمقاومة، والنصر المبين، وقد تحقق وبنى المدينة الفاضلة و"جنة الحب حقنا"... الخ من الهذيانات.

في جهلوت الفطاحلة الأبطال، يغيب الإنسان المواطن البسيط، ومعه لغة العصر من التعليم الحر المحتفي بالحياة، وإعمال العقل لكسر تابوهات الخرافة -القداسة للشخوص والتاريخ والدوغما بالانفتاح على الثقافات، بدلًا عن بلد يتناوب عليه الظلاميون، بلد بلا مكتبة ولا مسرح، ولا سينما ولا صالة للفنون، "بلا ولا شيء"، بحسب الفنان زياد رحباني!

اليمن، المدينة فيها كانتونات منفلتة محشورة بالبشر والسلاح والقمامات، غارقة خارج العصر والاوان والحياة، حتى وإن تلطت بألقاب المدنية والحداثة والفكر والثقافة، والحضارة والكوزموبوليتانية و"حوت كل فن"، و"من يشبهك من"، في الأخير، نحن لا نشبه أحدًا سوى أنفسنا!

مدن متاريس وجبهات ومقايل ورقصات دم وجهاد وعصبويات دينية ومذهبية أكثر من البشر، بلد شيوخه وأساطينه وحكامه يتناوبون على إحياء مملكات للعلوم والتكنولوجيا في مطاردة وتفقيس الجن وحروب الكر والفر من غزوات بدر وأحد وابن تيمية، وتمائم المعالجة بالبصاق والفاتحة وقل أعوذ برب الفلق والتباخير، كما أسسها شيخهم راعي إقامة دولة الخلافة الإسلامية، حيث تتخرج من جامعته الآلاف من الماجدات والحرائر وأضعافهن شباب "مع ربي جهادي"، و"الدفاع عن الدين والسنة والأمة الإسلامية"، مجتمع شديد التخلف وأسير الماضي وهوياته القاتلة، مجتمع اللادولة واللاقانون واللاتعليم بامتياز، تحكمه وتتحكم به أبسط قبيلة وشيخ وعكفي وسيد قرآني. لننتهي أن من يحكمنا هو قانون الغاب سلمًا وحربًا، يتوحش أكثر في لجة الحروب التي ولدنا ونشأنا ورحلنا ومتنا في متونها كما كانت عليه مسيرة الآباء والأجداد، فلا مساحة آمنة في هذا البلد الذي يهطل خطرًا في كل آن وأوان، وتستثمر فيه وبه كساحة حرب مفتوحة للأسف دول الجوار.

**

في هذا اليمن الأتعس، يتواصل الاعتوار الجغرافي والإنساني اجتماعيًا وثقافيًا واقتصاديًا وسياسيًا، دشن الموروث العوراتي بالحرائر والماجدات في 8 أكتوبر 2026 من مليشيات المقاومة بالتبرعات وجمع ملايين الطلقات والسلاح، فما الفرق بينهن وبين الزينبيات الحوثية، وإن كانت الأخيرات أشد شراسة، خصوصًا في المهمات الأمنية القذرة.

يقود هذا القطيع المطربل بالسواد والعمى المستدام، صناع وتجار العورة دينيًا ومجتمعيًا من أبطال وحراس الغزوات والثورات والجهاد الأكبر والأصغر، من وإلى، ومع أية سلطة تقودهن، للأسف!

**

عندما يشاهدهن المرء في الاستعراضات العسكرية البدائية، ترتسم صورة الدمى السوداء المطربلات بالعورة والمنع والتجريم في حياتهن وحياة النساء اليمنيات عامة، أتذكر الفرجويات المبقبقة في مدرتي السلتة الحارقة لـ"الثورة السلمية" 2011، في الستين و"الشرعية الدستورية" للسبعين. وبالمناسبة لا يختلفن عن زينبيات الباسيج الإيراني "العكفة النسوية"، فالسربلة والشرشفة العقلية واحدة، كون المسير السماوي والأرضي واحدًا، وما قاله العكفي البطل من "مران"، أو "هيجة العبد" سواء، وإن كانت زينبيات السيد أشد توحشًا، هن أيضًا ملقبات بالحرائر والماجدات مثلكن، وتزفهن شيلات النفير "مع ربي جهادي"، و"سيوف الحسم حان قطافها"، ويعملن الذمول ويتبرعن بالذهب وهن جائعات، ويباركهن أسيادهن القرآنيون، أكانوا في الداخل أو في الخارج، ووعود الانتصار منذ 2015. وللأسف التفقيس الحرائري طال الطفلات أيضًا.

زينبيات الحوثي
زينبيات الحوثي

**

ما معنى المقاومة وأنتِ أيتها الماجدة والحرة مرهونة بكلمة، بخرقة تلتحفك وجوديًا بالعيب والعورة، فصلها أسيادك وأبطالك الذكور، فبأي سلاح تتسلحين وتجمعين الأموال وتشترين الرصاص والبنادق وتستعرضين بهمجيةٍ اعتلاءك السلاح العورة؟ عورة وأنت نطفة وأنت مسلحة أكثر.. إنه اعتوار لروحكِ وجسدكِ وجسد المدينة.

أنت كالمسخ داخل معارك عدمية بين "قنديل وزنبيل"، و"سني وزيدي" و"فزعة تعز"، و"محنا مثل ذي يهربوا بالجلباب والشيذري"، هم يتغنون بأن الجبناء وأشباه الرجال من يهربون بالجلباب والشيذري، وأنت التي طول عمرك مجلببة ومصندقة.

في يمن العورات الإيمانية، أنتِ أيتها الماجدة الحرة، لا تستطيعين حتى المطالبة بحقك في التعليم، وبوجه مفتوح مثل نساء العالم، حقك في الميراث، رغم القهر في النص التمييزي "للذكر مثل حظ الأنثيين"، ومع ذلك لا يعطى لكِ.

**

نقول للباسيج التعزي -فرع الحرائر والماجدات- المقاومة، حررن أنفسكن من محاطب الألقاب الحجرية التي لا تمت للحياة والعصر بصلة، كوني حرة وانتصري للعقل والمعرفة، وليس لقراميد الجهاد والجهل المسلحين الظاهر والخفي في اليمن أو خارج اليمن.

تلك التبرعات بالذهب والملايين في ظل مجتمع مغلول بالمجاعات والنزوح، وأنتن للأسف مهووسات بشراء السلاح وتعمير المليشيات، عاد شي عقل بالله عليكن؟ فإذا كانت الدوغما القيادية (الضرورة) جاهلة، فالمستمع الحر عاقل.

نساء تعز واليمن الرائعات، "لا تحانكين العز بالأكفان" كما يترسكن فقه الأبطال، التفتن صوب الألم والوجع النازف لأكثر من خمسة عشر عامًا، وأنتن الأعرف والمعايشات لهذه الكوراث المتناسلة، وتستحقين التحية لقوتكن وإنسانيتكن، واصلن عملكن في فك الحصار والإغاثة وترميم الأوجاع كلًّا في حقلها، أقفلن بوابة المقابر -مردم جهنم والقمن العطاشى والجوعى من النازحين وغيرهم، كما كنتن.

عائشات عتاد التحرير والكرامة
عائشات" عتاد التحرير والكرامة"

قولين لا، للأبطال وأساطيرهم الفهلوية التي يذهب في فلكها الصادقون من الشباب والأطفال، وأكثرهم اليوم في المقابر. طالبن بمليون دفتر وكتاب ولصقة جروح، وبكهرباء حتى لو كان المصباح مغزْوزًا، بلقمة نظيفة ومخدة أمان، وطشة ماء نظيف لا تخلط بمياه المجاري.

طالبن بدولة تضمن حقكن وحق العباد في الحياة الإنسانية الكريمة، دولة تحقق النزر اليسير من الخدمات، أن تكون شوارعنا ومدننا بلا قمامات بشرية وغير بشرية.

بقوتكن امنعن جرائم الشرف التي تغتال النساء في غياهب منظومة العرض والشرف والكرامة، أن تأخذن بيد السجينات المعتقلات ظلمًا، قدن المظاهرات لنصرة النساء والدستور والمساواة في الحقوق.

توقفن -بالله عليكن- أن تكن لعبة "الزرقيف" بيد صناع القطعان البشرية ونثرهم في الجبهات ليرجعوا أشلاء، وبعضهم لا يرجع، والرتبة شهيد سنة ضد شهيد شيعة، وزيدي، وناصبي ومجوسي والعكس.

قطيع "الزرقفة" الدامي يجب أن يتوقف، ولا نريد تكرار ما حدث منذ عام 2011.

أوقفن سيلان اللقبين اللزجين المسوسين والنتنين "الحرة والماجدة"، اللذين صكوا بهما عقولنا وأعيننا، جعلونا نتمجنن على هواهم باسم المقاومة والتحرير.

يا نساء تعز واليمن، ما دخلكن في هذه السائلة الدموية الجارية، ضد ومع، أن تكن قطيع: "الآااامين"!

قبل المختم:

في مؤتمر الحوار الوطني والدستور، أولئك الماجدات والحرائر المقاومات، استقتلن قتالًا لا يهمد، ألا ينص الدستور على المواطنة المتساوية وحرية المعتقد والضمير، ناضلن باستشراس ضد المواطنة المتساوية إن تزوجت اليمنية برجل أجنبي والعكس، فلا يعترف بيمنية الأولاد إلا بعد أكثر من عقد، حفاظًا على الهوية الإيمانية والحضارية، لقد استقتلن ألا يصوت على النصوص المطالبة بحرية الفن والثقافة والموسيقى، وو... الخ، وهن الحرائر الماجدات اللواتي خرجن يجاهدن، ألا يتحدد سن الزواج بـ18 عامًا، بل وشرعن لزواج الصغيرات في 2010، 2013، وحتى اليوم، اقتداءً بأن الرسول تزوج عائشة بعمر 6 سنوات.

مرة أخرى:

هل تنتظرين من المُبجمين، مقاومين كانوا أم حوثيين، أن يمنحوكِ حقوقك؟!

المقاومة تبدأ بالحرية..

وإلا كيف تشوفووووا؟